العلاقة بين التعاليم المسيحية وسفر التكوين (القانون:)

٤- القانون:

أُمَمُنا وأنظِمَتُنا مَبنيَّةٌ على القوانينِ، ونحن كشعوبٍ فإننا نمتلكُ ميلاً فطرياً لفَهمِ وإطاعَةِ القوانين. كما أنّ جميعَ القوانينِ – سواءَ كانت مدنية أو أخلاقية – تمتلك شيئاً مشتركاً وهو أنَّها تضعُ حُدوداً لتصرُّفاتِنا من خلالِ التهديدِ بأحَّدِ أنواعِ العُقوبَةِ في حالِ عدمِ التزامِنا بها. والكتابَ المُقدَّسَ يُسَجِّلُ لنا عدداً منَ القوانينِ التي تقودُ وتحدِّدُ تَصَرُّفاتِنا سواءَ كان ذلك على مستوى الأُمّة أو على مستوى الأفراد. لكنْ يوجد سؤالٌ لِيُطرحَ في هذا المقامِ وهوَ: مِنْ أينَ صدَرَ أوَّلُ قانونٍ؟ وما هو سببُ وجودِ القوانينِ على أيّة حال؟

لاستشكافِ أصلِ القوانين سنقومُ بالنَّظرِ إلى سِفرِ التكوين.

فإنَّ أوَّلَ قانونٍ أُعطِيَ للبشرِ كانَ مِن قِبَلِ الله – حيثُ قالَ لآدمَ وحوَّّاءَ أن يذهبوا ويتكاثروا ويتَسَلَّطوا على جميعِ المَخلوقاتِ التي على الأرض (تكوين ١: ٢٨). كما قالَ اللهُ لآدمَ ألا يأكلَ من شجرةِ معرفةِ الخيرِ والشَّرِ، وقد ألحَقَ عقوبةً في حالِ عدمِ إطاعَتِهِ الأمرَ وكانت الموتَ.

إنَّنا نمتَلِكُ القوانين كون الله الخالق قد صَنَعَ الإنسانَ على صُورَتِهِ ليكونَ مُمَيَّزاً بينَ المَخلُوقاتِ الباقِيَةِ ويمتَلِكَ عَلاقَةَ شَرِكَةٍ مَعَهُ. بالتالي فإنَّ الله هو صاحِبُ الحقِّ المُطلَقِ في وضعِ القواعِدِ التي تَحكُمُ تصرّفاتَنا. وبما أنَّ اللهَ قد أَعطى لنا حريَّةَ الاختيارِ – فنحنُ لسنا رجالاً آليّينَ عديمي الحُريَّةَ – أي أنَّهُ يُوجَدُ عواقبَ لعَدَمِ الطَّاعَةِ وتطويباتٍ للطاعة (كما في التثنية ٢٨: ١-١٤).

نحن مدينون لله بوجودنا، وبالتالي فإنَه علينا التزام أخلاقي بإطاعة القوانين التي أقرَّها. ونحن نعرف أيضاً أنَّه سَيُدِينُ أعمَالنا. ونحن بالغالب نختبرُ نتائجَ أعمالنَا في هذا العالمَ إلا أن هذهِ النتائجَ قد لاتكونُ واضحةً لنابشكلٍ دائمٍ. لكنهُ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّنا جَميعاً سنواجِهُ الدينونةَ الأخيرة. وها نحن نجدُ أنَّ الإنسانَ صاحب الطبيعة التي تميلُ إلى التمرّدِ على الله يقومُ بانشاءِ المجتمعاتِ، ووضعِ القوانينِ المدنيَّة، لكبحِ الشرِّ في المجتمع. فإن هذه القوانين هي ذاتُ معنىً فقط في ضوء سفر التكوين.

لكن من المنظورِ التطوري الذي يرى البشر على أنهم حيواناتٌ متطورةٌ، هل من المنطق أن توجد أية قوانين؟

فالحيوانات لا تمتلك قوانين تحكُمُها، فهي تفعلُ ما تشاء دونُ أيِّ شعورٍ بالإنصافِ أو العدلِ. كما أنّها لا تملكُ أيَّةَ حُكومةٍ أو شرطةٍ أو جرائمَ أو سياسات. إن الحيواناتِ تتصرَّفُ بطريقةٍ حيوانيةٍ فقط لاغير، فنحنُ لا نحكمُ بالسجنِ على أسدٍ في حال قتلَ أسداً آخرَ. فلماذا إذاً نحكم بالسجن على الإنسانِ في حالِ قتلَ إنساناً آخرَ.

إن فكرةَ التطورِ تتطلبُ مفهومَ ”البقاءِ للأصلَح“. فالأقوى يُسيَطرُ على الضعيفِ في منافسةٍ شرسةٍ على الموارد، وهذا الأمرُ سيُفضي بطبيعةِ الحالِ إلى فناءِ الأضعف، وبالنهايةَ سيَنتُج لدينا كائناتٍ حيّةٍ أقوى وأصلَح. و البشرُ قد تطوروا من كائناتٍ أدنى بطريقةٍ مشابهة لما سبقَ، فَفِي حالِ كانَ هذا صحيحاً فكيفَ يكونُ للقوانينِ أيّ معنىً؟

الفكرُ التطوريّ يتمحورُ بشكلٍ أو بآخرَ حولَ فكرةِ أنَّ القويَّ يسيطرُ على الأضعفِ؛ فلماذا إذا نمتلك قوانين تعمل على حماية الضعفاء من الأقوياء؟

إنَّ القوانينَ وُضعت أساساً لمنعِ الشخصِ الأقوى والأصلَح من أن يَقتُلَ أو يَستَغِلّ الشخصَ الأضعَفَ. فالقوانينُ بالمحصلة، تسيرُ بشكلٍ مخالفٍ لمفهومِ البقاء ”للأصلح“. علماً أن معظمَ الأشخاصِ التطوريينَ يؤمنونَ بالقوانين، لكنَّ إيمانَهم هذا سيكون عديم المعنى في حال كان التطور صحيحاً.