”اليوم“ في سياقه النصي

إن الكلمة العبرية ”يوم יֹום“ قد تعني واحداً من عدّة معانٍ وذلك بالإعتماد على السياق الذي ترد فيه. ومن الطبيعي أن معناها الإعتيادي التقليدي هو يوم من ٢٤ ساعة أو الجزء المضيئ منه. وهي أيضاً قد تشير سنة أو إلى مدَّة غير محدَّدة من الزمن. لكن هذا وارد أيضاً في جميع اللغات تقريباً كما في العربية. ومن المرجح أنك قد سمعت عبارة ”في أيام جَدِّي أو أجدادي“ وهنا نجد أن كلمة أيام تشير إلى مدة من الزمن. ومن الممكن أن يتم استعمال الكلمة بأكثر من طريقة في الجملة الواحدة مثلاً ”سابقاً في أيام أجدادي كانت الرحلة بين مدينتي دمشق وحمص تستغرق ثلاثة أيام“. أعتقد أنه لا يوجد شك بأن أي قارئ للغة العربية سيفهم من سياق النص أن الاستخدام الأول لكلمة ”أيام“ هو استخدام مجازي يشير إلى الزمن الذي عاش فيه الأجداد، في حين أن الاستخدام الثاني للكلمة يشير إلى يوم اعتيادي من أربعٍ وعشرين ساعة وخصوصاً أنه أتى بعد عدد. وبالتالي فإن السياق يحدد المعنى.

إن الأمر مشابه فيما يتعلّق بالكلمة العبرية ”يوم“ فالسياق هو الذي يحدّد المعنى ويوضّحه. على سبيل المثال، حين يتم استخدام كلمة يوم مرفقةً بعدد كجزء من قائمة مرتّبة ”يوماً واحداً، يوماً ثانياً، يوماً ثالثاً“ فإنها تترجم ”يوم“ (دون أي استثناء في الكتاب المقدس) وتعني دائماً يوم اعتيادي من ٢٤ ساعة. فحين كان يونان في بطن الحوت ”ثلاثة أيام“ لن نجد أي شك بأنها كانت أيام اعتيادية من ٢٤ ساعة وليس عقود أو أزمنة غير محدَّدة. عندما يتم ذكر ”اليوم“في سياقٍ يستخدم تعبير ”صباح“ فمن الطبيعي أنه يعني يوماً اعتيادياً. كما في قولنا ”لقد مضى الصباح سريعاً في ذلك اليوم“. وكذلك هو الحال في سياق يستخدم تعبير ”مساء“ وهو أمر بالغ الوضوح أن كلمة يوم تعني يوماً اعتيادياً. وقد ورد هذا ٢٣ مرة في العهد القديم (عدا سفر التكوين)، ولايوجد أي جدال حول أي من تلك الآيات على أن كلمة يوم فيها تحمل أي معنى آخر عدا أنه يوم اعتيادي.

وحين يتم الجمع بين ”صباح“ و ”مساء“ فإنه من الطبيعي أن الإشارة هي إلى يوم اعتيادي، حتى في حال عدم استخدام كلمة يوم، ذلك أن المساء والصباح هما علامات حدود اليوم. وحين ترد كلمة يوم مع كلمة ”ليلة أو ليل“ فإن المعنى الواضح يشير إلى يوم اعتيادي. وهذا ورد في العهد القديم أكثر من ٥٠ مرّة خارج الأصحاح الأول من سفر التكوين، ولا يوجد أي شك بأن معناها هو يوم اعتيادي.

والآن، مالذي نتعلمه من سياق النص في الأصحاح الأول من سفر التكوين؟

فنلنتأمل في الآية الخامسة ”وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا.“ نجد أن كلمة ”يوم“ مرتبطة مع كلمة ”ليل“ في الجملة الأولى من الآية الأمر الذي يدلّ على يوم اعتيادي. وفي الجملة الثانية نجد أن كلمة يوم مترافقة بعدد ”يَوْمًا وَاحِدًا“ (وقد ترد في بعض الترجمات ”اليوم الأول“). وهذا يشير إلى يوم اعتيادي. لكن نحن نرى أيضاً أن كلمة يوم أتت في سياق ترافقت فيه مع كلمتي ”مساء“ و ”صباح“ حيث تشير كل منهما في حال ارتبطت مع كلمة ”يوم יֹום“ إلى يوم اعتيادي، وليس إلى حقبة غير محددة من الزمن. إضافةً إلى ذلك نجد ”مساء“و”صباح“ الذان يشكلان معاً يوماً اعتيادياً. وبالنظر إلى السياق، فإن التفسير الحرفي لهذه الآية يحمل معنى شديد الوضوح هو أن اليوم الأول من أيام الخلق كان يوماً اعتيادياً من أربعٍ وعشرين ساعة!

ماذا عن بقية أيام الخلق؟ حيث أننا نجد في كل آية من الآيات التي توصّف أحداث بقية أيام الخلق عبارةً تقول ”وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا [ثانياً، ثالثاً، رابعاً،…]“. وكل يوم من أيام التكوين الستة يمتلك في سياق الآيات التي تصف أحداثه على الأقل أربعة علامات في السياق تشير إلى أن معنى ”يوم“ هو يوم اعتيادي من ٢٤ ساعة. وعلى مايبدو أن الله أراد أن يزيل أيّ التباسٍ قد يتسبب بإساءة فهم مدة اليوم. ويمكننا أن نثق بأن أيام التكوين الستة كانت أياماً اعتياديةً بالمعنى التقليدي للكلمة.

لكن ماذا عن اليوم السابع؟ حيث لا نجد كلمة يوم مترافقة مع كلمة ”مساء“ و”صباح“. ولذلك نجد البعض ممن يقترحون أن هذا اليوم قد يسمح لهم بإقحام مليارات السنوات إلى اليوم السابع. ولكن هذا النوع من التفكير هو خاطئ للغاية.

فقبل كل شيء، إن كل يوم من أيام التكوين السبعة يظهر في سياقه مترافقاً مع عدد. ونجد أن التكوين ٢: ٢-٣ يشير إلى اليوم السابع على أساس أنه اليوم الذي استراح به الرب. وعلى اعتبار أن كلمة يوم ترافقت مع عدد فهذا سيحدد المعنى بكونه يوماً اعتيادياً. لكن فلنفترض جدلاً أن اليوم السابع كان أطول مدّةً من اليوم الإعتيادي، فإن عمر الكون سيبقى في حدود ٦٠٠٠ عام. تذكَّر، لقد خُلِقَ آدم في اليوم السادس وليس في اليوم السابع (تكوين: ٢٦-٣١). ومن خلال سلسلة النسب المُسجلة في الأصحاح الخامس من سفر التكوين (ومن السلاسل الأُخرى)نعرف بأن الزمن الفاصل بين آدم وابراهيم هو بحدود ألفي عام.

وبالتالي، إن كنّا نحاول حساب عمر الكون، فإن طول اليوم السابع لن يحمل أي تأثير. إنها ستة أيام قبل آدم، إضافةً إلى ~٢٠٠٠ سنة التي تفصل بين آدم وابراهيم، إضافةً إلى ~٤٠٠٠ سنة بين ابراهيم ووقتنا الحاضر ستكون النتيجة ~٦٠٠٠ سنة.

إن الإدعاء الأخير (بأن اليوم السابع لم يكن يوماً اعتياداً لعدم احتواء النص على كلمتي ”مساء“ و ”صباح“) هو اعتراف ضمني بأن الأيام الستة الأولى هي بالحقيقة أيام تقليدية، حيث أننا نجد في النص المرافق لها كلمتي مساء وصباح. وهذا يظهر أن منتقدي الخلق التوراتي لا يعرفون بالحقيقة أن الكتاب المقدس يعلّم بأن اليوم السابع هو يوم راحة، وليس يوماً للخلق. ولذلك تم ادراجه بطريقة تختلف بشكل طفيف. لكن النص لا يزال يحمل العدد المرافق لليوم ولذلك فإنه لابد من أن يكون يوماً اعتيادياً.

وقد يقول البعض:”إن الشمس لم تُخلَق حتى اليوم الرابع، فكيف يكون اليوم اعتيادياً؟“ إن هذا الإعتراض ينجم عن سوء فهم لعلم الفلك. فالشمس ليست هي الأمر الذي يحدّد طول اليوم – إنما دوران الأرض حول محورها هو من يقوم بذلك الدور. فالشمس هي وببساطة مصدر دائم نسبياً للضوء، وثم من ثمَّ حين تدور الأرض حول محورها نختبر نحن المساء والصباح؟ فطالما أن الكوكب يدور حول محوره ويوجد مصدر للضوء سيكون اليوم اعتيادياً.

فهل كان هنالك من ضوء قبل أن تخلق الشمس؟ نعم! فنحن نقرأ في التكوين ١: ٣ ”وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ.“ ففي الثلاثة الأيام الأولى من التكوين كان هنالك نور وبالرغم من أن الكتاب المقدس لا يحدد مصدر هذا النور إلا أنه وعلى ما يبدو أن الله قد وضع مصدراً مؤقّتاً للنور وذلك إلى حين خلَقَ الشمس كمصدر رئيسي له. والأرض كانت للتو تدور حول محورها في الأيام الثلاثة الأولى، ونحن نعرف ذلك لأننا نقرأ ”مساء“ و ”صباح“ في النص الكتابي. وبالتالي فإن كل يوم من أيام الخليقة كان يوماً اعتيادياً من ٢٤ ساعة.

وفي محاولة يائسة وأخيرة يقوم البعض بطرح هذا الإدّعاء: ”بما أنّ طُرُقَ الرب ليست كطُرُقنا (أشعياء ٥٥: ٨)، لربما تكون أيام الرب هي الأُخرى ليست كأيّامنا. فحين يتكلم الرب عن ’اليوم’ لا يقصد به يوماً بالمفهوم الذي يقصده البشر حين يتحدثون عن اليوم.“وللأسف الشديد يوجد بعض الأشخاص الذين يحاولون أن يقدموا جدالاً مبنياً على هذه الفكرة. لكن إن كانت الكلمات تعني أشياء مختلفة بالنسبة للأشخاص المختلفين، فحينئذٍ لن يكون التواصل أمراً ممكناً. وفي حالة مماثلة، ستكون قراءة الكتاب المُقدَّس عديمة الجدوى إذ أن الله حين يقول ”فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا.“ (حزقيال ١٨: ٣٢)، فإنه من الممكن أنه يعني ”ضعوا لُباناً في آذانكم.“