أهمية الإطار الزمني للخلق

إن أساسات التعاليم المسيحية الرئيسية توجد في السرد التاريخي الحقيقي الذي يقدِّمَه سفر التكوين. ومن تلك التعاليم نجد كلّاً من تعليم الزواج، قدسية الحياة الإنسانية، وحتى رسالة الإنجيل نجد أن هذه التعاليم ستفقد قيمتها بعيداً عن الخلق التوراتي. لكن ماذا عن الإطار الزمني للخلق؟ لقد رأينا أن الكتاب المُقدَّس يُعلم وبطريقة صريحة وغير قابلة للتجاهل أن الخلق قد حدث في ستة أيام اعتيادية، منذ بضعة آلاف من السنين. لكن هل هذاالأمر مهم حقاً؟ إن آمن المسيحيّ بالخلق، لكن في الوقت ذاته آمن بأنه قد استغرق عدة ملايين من السنوات، هل يشكل هذا قضيّة كبيرة حقاً؟

يوجد عدد لابأس به من المسيحيين ممن يعتقدون بأن الإطار الزمني لا يشكل قضية مهمة طالما أننا لانؤمن بالتطور. والبعض قد يؤمن حقاً بالخلق ذو الستة الأيام، لكنهم يفضّلون عدم طرح هذا الموضوع في النقاشات العامة إذ أنَّه قد يُسبِّب عثرةً للآخرين.

غالباً ما نستمع لصياغة ما تشبه الجملة التالية: ”حين نشهد للناس عن المسيح، فلنتجنب موضوع الخلق ذو الستة الأيام. حيث أن معظم الناس يؤمنون بأن الكون يعود إلى ملياراتٍ من السنوات. لماذا نفتح المجال لنقاشٍ إضافيّ دون أن يكون ذا أهمية؟ بالنهاية ليس هو موضوعاً يتعلق بالخلاص. يجب علينا أن نختار معاركنا. لذلك فلنركز تعليمنا عن الخلاص الذي بالمسيح، وربما في وقتٍ لاحقٍ نتعامل مع المشاكل الصغرى مثل الإطار الزمني للخلق.“

يبدو الأمر منطقياً، أليس كذلك؟

هل قضية الخلق هي قضية خلاص؟

إن موضوع الإطار الزمني للخلق هو قضية ذات أهمية أكبر بكثير مما يظن غالبية الناس، لكن هل يمكن للشخص أن يُخَلَّص (أي يخلص من خلال النعمة الإلهية بالإيمان بالمسيح يسوع) دون أن يؤمن بأن الله قد خلق الكون في ستة أيّام؟ إن الكتاب المُقدَّس واضح في هذا الخصوص – إن الإيمان بالخلق ذو الستة الأيام ليس شرطاً مُسبَقاً للخلاص. نعم، بالطبع أنت تستطيع أن تخلص دون أن تلتزم بالإطار االزمني للكتاب المُقدَّس. ولكن في الوقت عينه، هذا لا يجعل من موضوع الإطار الزمني للكتاب المقدس موضوعاً جانبياً غير مهمٍّ. فإن رفض إي جزء من الكتاب المُقدَّس ليس بأمر مقبول؟

إن الكتاب المقدس يجعل الأمر بالغ الوضوح، إننا لا نَخلُص من خلال امتلاك التعليم اللاهوتي الكامل والمتقن. فنحن جميعنا نُخطئ في بعض الأحيان في فهمنا أو تطبيقنا للوحي المُقدَّس. لكن ذلك بحد ذاته لا يمنع الربَّ من أن يُخلِّصنا. فالكتاب المُقدَّس يصرّح  بأننا بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ بالمسيح يسوع (أفسس ٢: ٨).

ويوجد سببان رئيسيان يبيّنان أهمية الإطار الزمني للخلق.

موضوع عصمة الوحي المُقدَّس

بدايةً، إن الإطار الزمني للخلق يحمل تَبِعَات كبيرة فيما يتعلق بعصمة الكتاب المقدس. وعصمة الكتاب المقدس تعني أن الكتاب المُقدَّس لا يحتوي أي أخطاء في نصه الأصلي. وهذا الموضوع هو ذو معنى في حال كان الكتاب في الحقيقة موحى به من الله ”أنفاس الله“ كما يصرّح في رسالة تيموثاوس الثانية ٣: ١٦. إن الإله الكلي القدرة والكلي المعرفة وبشكلٍ طبيعيٍّ لا يرتكب الأخطاء. وقد علم يسوع المسيح بأن كُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ (متى ٤: ٤) حتى أصغر حرف ”י يود“ أو نقطة، هي ذات سلطان مطلق وإِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ (متى ٥: ١٨). 

فإن كان الكتاب المقدس معصوماً، فسيكون كذلك هو حال الإطار الزمني للخلق المُعطى في سفر التكوين. ويمكننا أن نكون على ثقة كاملة بأن الله قد خلق السماء والأرض وكل شيئ في ستة أيام. وللإيضاح فقط، إن النص الذي يقول ”أَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا“ (خروج ٢٠: ١١) هو من الوصايا العشر التي نقشها اصبع الله على لوحيّ الشريعة على جبل سيناء (خروج ٣٢: ١٥-١٦). ومن الأفضل أن نأخذ تلك الكلمات على محمل الجد!

ومن جانب آخر، إن لم يكن الله قد خلق كل شيء في ستة أيام، حينئذٍ سيكون الأصحاح الأول من التكوين خاطئاً وكذلك الخروج ٢٠: ١١. وإن كان هكذا قسم من الكتاب المقدس خاطئاً فحينها لن يكون الكتاب معصوماً. وبناءً على ذلك، ربما يوجد أيضاً أخطاء أُخرى في مواضع أُخرى.

فإن كان الكتاب المُقدَّس مخطئاً فيما يعلّمه عن الأيام الستة للخلق، فكيف لنا حينذاك أن نمتلك الثقة بأي شيء آخر يُعلِّمَه؟

كيف نستطيع أن نثق أن أجزاءً أُخرى من الكتاب المقدس ليست خاطئة أيضاً؟

لقد صاغ يسوع المسيح إجابته بالشكل التالي ”إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ؟“ (يوحنا ٣: ١٢). إن كنا لا نثق بالكتاب المقدس حين يتكلم عن أبسط الحقائق التاريخية، فكيف يكون ممكناً أن نثق في الأمور الروحيّة؟ الكثير من المسيحيّين يميلون إلى الإيمان بمليارات السنوات نتيجةً لثقتهم بما يعلّمه العلماء العلمانيون. لكن يجب أن لا ننسى أن المسيحيين نفسهم يؤمنون وبسهولة بكل من قيامة المسيح من بين الأموات، الميلاد العذراوي، تحويل الماء إلى خمر، والكثير الكثير من الأمور المشابهة- وهي أمور يرفضها العلماء العلمانيون.

قد يجيب بعض الأشخاص قائلين ”لكن هذه الأحداث ومعجزات المسيح تتجاوز قوانين الطبيعة. ولا تنطبق عليها الإجراءات العلمية العادية.“ لكن لنتمهل قليلاً، أليس الخلق هو حدث مُعجزيّ؟ لقد خلق الله الكون بكلمته- وهو شيئ لا يقوم به في يومنا هذا. إن الخلق هو حدث يتجاوز العمليات اليومية للكون. فإن كنا نريد وبشكل تعسّفي أن نرفض احتمال العمل الفائق للطبيعة حين خلق الله الكون، حينئذٍ ومن باب الإتساق المنطقي، لا بد لنا من أن نرفض جميع المعجزات الأُخرى التي توجد في الوحي المُقدَّس، بما في ذلك قيامة المسيح من بين الأموات – والقيامة هي بالفعل ”قضيّة خلاص“ (كورنثوس الأولى ١٥: ١٤، ١٧).

إن كنا نريد أن نتَّبع خط الأفكار الذي يبتدئ برفض الخلق ذو الستة الأيام الذي يقدمه الكتاب المقدس إلى نهايته الحتمية على اساس أن الإطار الزمني ذو الستة الأيام للخلق ليس قضيّة خلاص، فإنه سيقودنا بالنهاية إلى رفض القيامة.