رؤيا مريم المجدلية: نظرة عامة على إنجيل مريم.

باشر الإستماع فوراً أو قم بتحميلها على جوالك للإستماع إليها في وقت لاحق.

بإمكانكم قراءة الدراسة من خلال مكتبة غوغل من هنا.

استمع إلى الدراسة مرفقة بعرض تقديمي مصوّر.

مقدمة

إن إنجيل مريم هو أحد أكثر النصوص الغنوصية تميّزاً. يوجد احتمال بأن يكون هذا الإنجيل قد تأثَّر بإنجيل توما وربما تأثر أيضاً بإنجيل فيلبس.
قمت في المقالة السابقة عن إنجيل توما بإيضاح كيف أن الغنوصيّين كانوا مفتونين بمريم المجدلية (وهي التي يُحتمل أن يكون هذا الإنجيل قد حمل اسمها) ومهدوا بذلك الطريق [لظهور] كتابات جديدة تقوم برفع مكانتها. إن الغرض من هذه المقالة هو إعطاء لمحة عامة عن النسخ الباقية من إنجيل مريم.

من المحتمل أن يرجع تاريخ هذا السفر إلى أواخر القرن الثاني. ويبدو أن أقدم الشهادات على هذا النص تؤكد صحة هذا الإطار الزمني. يوجد ثلاثة مخطوطات كاملة من إنجيل مريم، أقدمهما عبارة عن قُصاصَتَيْن يونانيّتين تعودان إلى بدايات القرن الثالث وهما: (Papyrus Oxyrhynchus L 3525) و (Papyrus Rylands 463). يتوفر أيضاً مخطوطة قبطية ترجع إلى القرن الخامس (Berlin Codex 8502) وهي أكثر المخطوطات اكتمالاً بين المخطوطات الثلاثة. كما هو الحال مع العديد من الأناجيل الغنوصية، فهي تقوم بتغيير واستبدال المعاني والتوكيدات الموجودة في الكلمات الأصلية ليسوع وذلك لجعلها تناسب الإطار المفترض من الغنوصيّين.

يقوم انجيل مريم خلال السرد بالتركيز على قضية سفر الروح. إن الإحترام والتكريم العظيمين اللذين أُعطيا لمريم، على ما يبدو، قد ترافقا مع استنارة أكبر [أُعطيت لها] من يسوع. الأمر المؤسف هو أننا فقدنا ستة صفحات من المخطوطة من بداية المستند، وأربع صفحات من المخطوطة من منتصف المستند، ولم يتبقى لدينا سوى قسمين منفصلين. لا يوجد في كتابات آباء الكنيسة أي اقتباس أو ذكر لإنجيل مريم، ولم يتم إدراجه في أي من الحوارات أو قوائم الأسفار القانونية.الإطارالعام

في القسم الأول، تقوم مريم بتذكير الرسل أنَّ يسوع قد ”أعدَّنا وجعلنا للناس“. يبدأ أيضاً في منتصف المشهد [الذي يصفه هذا القسم، بوضع تصريحات] تجعل من الأشياء التي سبقت وتسببت بإعطاء هذه التعليمات أموراً غيراً واضحة. تعتقد كارين كينغ بأنَّ الإشارات إلى موت المخلص ومشهد إعطاء المأمورية العظمى، والتي تأتي لاحقاً في السرد تشير إلى أنَّ الإطار العام للقسم الأول من النص هو ظهور يسوع بعد القيامة.

هذا يجعل من إنجيل مريم متميزاً عن العديد من السرديات غير القانونية الأُخرى. تقوم معظم هذه الأعمال بالتركيز على خدمة يسوع وتعاليمه. يوجد احتمال أن يكون انجيل بطرس قد تضمن سرداً لأحداث ما بعد القيامة؛ إلا أنَّ المخطوطة تنتهي عند توجّه الرسل إلى البحر للصيد.

في القسم الثاني، تقوم مريم بإدخال تصريحات أكثر تطوراً عن ”ارتداء الإنسان الكامل“ في مقارنة مع ”إعدادنا لنكون رجالاً“. مالذي تعنيه هذه التصريحات؟ إن الأمر الغالب هو أنها تشير إلى شكل من أشكال الغنوصية الڤالنتينية التي تتضمن فكرة غرفة الزفاف، والتي تشتمل على الزواج من النظير السماوي للمرء.

إن انجيل فيليبس يتحدث عن هذا المفهوم بشكل أوسع من انجيل مريم. ونجد أن التعليم الذي فيه يتضمن ما يلي: إن المؤمن سوف يختبر اتحاداً مع الملاك في  البليروما (الملأ، العالم الروحي حيث يسكن الله). قام البعض من الأشخاص بإطلاق اسم المسيحية على غرفة الزفاف هذه. إن المقطعان السابقان يؤكّدان على إنكار مفهومي الخطيئة والدينونة ويؤكّدان على أنَّ جميع الأشياء سوف تنحلّ [لتعود] إلى جذورها.

المُحتوى

يمكن أن يتم تقسيم محتويات إنجيل مريم إلى أربع فئات منفصلة. سأقوم باستخدام نموذج كريس توكيت لكل واحدة من هذه الفئات.

  1. من ٧: ١ – ٩: ٤. إن هذا القسم يبتدئ بعد أن أجاب يسوع على أسئلة التلاميذ (انظر ٧: ١-٨). لقد كان بطرس مهتماً بموضوع ”خطيئة العالم“. لكن يسوع كان قد أعطى إجابة غريبة. قال: ”لا توجد خطيئة، بل أنتم من يخلق الخطيئة حين تعملون وفقاً لطبيعة الزنى، وهي التي تُدعى خطيئة“. إن هذا هو الفهم السائد في النظام العقائدي الغنوصي. إن يسوع يقوم بالترويج لحياة من الزهد وحياة خالية من اشباع الملذات الحسيّة (الجسدية). يجب أن يبقى حاضراً في ذهننا أن الغنوصيّين يعتقدون بأنَّ كلّ الأشياء المادية هي شريرة بطبيعتها.
    يتابع يسوع في تصريحه بالقول: ”لهذا تمرضون وتموتون…“ يقوم هنا يسوع بربط المرض والموت باتباع الناس لأهوائهم البشرية. إن يسوع يقول هنا بشكل رئيسي أنَّ اتِّباع الملذات الجنسية هو في الحقيقة الأمر الوحيد الذي يمكن أن يتم تصنيفه على انه خطيئة. ينتهي هذا القسم بإرسال يسوع لتلاميذه ليكرزوا بملكوت ”ابن الإنسان“.
  2. ٩: ٥ – ١٠: ١٠. في هذا القسم نجد اضطراب التلاميذ نتيجةً لتصريحات يسوع، ولكن مريم تأتي لتساعدهم من خلال تفسير أقوال يسوع السرية. في هذا القسم نجد أن بطرس يعترف بمحاباة يسوع لمريم. لقد قال: ”نحن نعلم أيتها الأخت أن المخلص أحبك أكثر من جميع النساء الأُخريات.“ اعترفت مريم بأن يسوع قد شارك معها معلومات كان قد أخفاها عنهم. وتابعت لتخبرهم بأنها قد رأت رؤيا عن يسوع وبأنَّه قد فسّر فيها هذه الأقوال لها.
  3. ١٠: ١١ – ١٧: ٧. تدعي مريم في هذا القسم أنها في رؤياها التي رأتها أنها قد ”رأت الرب.“ يمكن للمرء أن يفترض أن [هذه الرؤيا] كانت جزءاً من لقائها مع يسوع كما هو مُسجَّل في يوحنا ٢٠: ١٨. إن معظم هذا الجزء من النص مفقود، وهذا ما يترك الدارسين حائرين في افتراض ما تمَّ مناقشته قبله. يبدو أنَّه يوجد أربعة قوى للغضب، وهي تقوم باستجواب الروح لتسمح لها أو تمنعها من المرور. إن قوة الظلام مفقودة من السرد، كما هو حال القسم الأول من قوة الشهوة. يبتدئ النص بحوار حول صعود الروح (في الغالب روح يسوع) خارج الجسد الذي هو تحت سلطان قوة الشهوة. القوة الثالثة هي قوة الجهل، وهذه القوة تأخذ سبعة أشكال هي:
  • الأول هو من ظلمة؛
  • الثاني، شهوة؛
  • الثالث، جهل؛
  • الرابع، غيرة قاتلة؛
  • الخامس، مملكة الجسد؛
  • السادس، ’حكمة‘ الجسد الساذجة (الحمقاء)؛
  • السابع، ’حكمة‘ الغضب.

لقد عبرت الروح بسلام من جميع هذه التجارب التي كانت تهدف لمنعها من الدخول، أجابت الروح على جميع الأسئلة بنجاح وفي النهاية وصلت إلى وجهتها في الراحة بصمت. إن التفسير الرئيسي لما سبق، بحسب ما اقترحته كارين كينغ هو أنَّ كلّ من المضمون وبنية النص سوف يقودان الجمهور نحو هوية ذاتية داخلية، وقوة، وحرية الذات الحقيقيّة. سوف تتحرر الروح من سلطان المادة (الجسد الماديّ) ومن الخوف من الموت.

  1. ١٧: ٧وحتى النهاية. في هذا القسم يتحدى أندراوس مصداقية رؤيا مريم. يدلي بتصريح مفاده ”إن هذه التعاليم تبدو كأفكار مختفلة.“ ويؤكد بطرس أفكار أخيه [بتصريحة] ”إنَّه لم يتحدث مع امرأة دون معرفتنا أو برفقتنا علناً، هل فعل[ذلك]؟ هل يجب علينا أن نتغير  ونستمع إليها؟ هل فضَّلها عنا؟“ لم يكن بطرس على استعداد لقبول [فكرة] أن يسوع قد يعلن معرفة إلى امرأة تاركاً الرجال في الظلمة. إذ أنهم، وبصرف النظر عن أي شي آخر، رُسُلَهُ المُختارين. إن هذه المعلومات كانت قد حملت أهمية لهم لكي يعرفوها.

    تسارع مريم إلى الدفاع عن نفسها متسائلة عما إذا كان بطرس وأندراوس يعتقدان حقاً أنها قد تكذب وتختلق هذه الأشياء. قبل أن يتمكن بطرس من الإجابة، يقوم لاوي (متى) بتوبيخه على تهجّمه عليها. من الجدير بالملاحظة أن لاوي لم يقم بتوبيخ أندراوس إنما كان بطرس وحده من تلقى التوبيخ. يجيب لاوي بعجالة ثانيةً، ليتَّهم بطرس بأنَّه ”لطالما كان غضوباً.“ كما أنَّه اتَّهم بطرس بأنَّه كان يتعامل مع مريم كما لو كانت عدّواً. على ما يبدو، إن لاوي قد اعترف بأن العلاقة المميزة التي جمعت مريم مع يسوع كانت قد تجاوزت حدود اختباراتهم [التي عاشوها] معه. ونجده يصرّح قائلاً ”من المؤكَّد أن المُخلَّص قد عرفها بشكل جيّد جداً. لهذا السبب أحبها أكثر من جميعنا.“
    إن هذا التصريح مثير للذهول ولا يمكن أن يتم تثبيته من خلال أي واحدٍ من الأناجيل القانونية. إنَّه تصريح غريب حقاً عن السرد الموجود في إنجيل لاوي (متى). إنَّه يذكر مريم المجدلية ثلاثة مرّات، وفي كل موضع يتم ذكرها فيه نجد ارتباطاً مع النساء الأُخريات اللاتي كنَّ عند قبر يسوع (متى ٢٧: ٥٦ – ٢٨: ١). نجد في انجيل مريم أن تحذير لاوي لأصدقائه كان بأنَّه ”يجب علينا أن نشعر بالعار، ونغطي أنفسنا بالإنسان الكامل، وندعه يتجذَّر فينا كما أمرنا هو ، ونُبشِّر بالإنجيل، دون أن نضع أيّة قاعدة أُخرى أو شريعة أُخرى غير تلك التي قالها المُخلِّص.“
    على مايبدو أن التلاميذ قد استجابوا بطريقة إيجابية لنصيحة لاوي. ولكن يجب أن نتنبَّه إلى وجود اختلاف نصي بين النصين القبطي واليوناني. إن النص القبطي يقدم تصريحاً مفاده ”ابتدأوا بالإنطلاق ليبشروا.“ أما قصاصة رايلاندز (Rylamds) تقدم ذات التصريح بالشكل التالي: ”ابتدأ بالإنطلاق …“ هذا قد يشير بشكل تقريبي إلى أنَّه قد تمَّ استبعاد أندراوس وبطرس من المسعى.

مراجع الكتاب المقدس البارزة

يقدم هذا السفر في مناسبتين تصريحاً من يسوع وهو: ”من له أذنان للسمع، فليسمع.“ يمكن أن يتمَّ تتبع هذا التصريح إلى مواضع متعددة من العهد الجديد (متى ١١: ١٥؛ ١٣: ٩، ٤٣؛ مرقس ٤: ٩، ٢٣؛ لوقا ٨: ٨؛ ١٤: ٣٥؛ الرؤيا ٢: ٧، ١١). ونجد أيضاً أن يسوع يمنح تلاميذه السلام الذي يسجله يوحنا ”سلام لكم.“ ويلاحَظ أن توقيت إلقاء هذا السلام يتوافق مع ما يرد في يوحنا ٢٠: ١٩-٢٦. إن التعليمات التي تأتي تالياً مشابهة لإرسال يسوع لهم ليكرزوا بالإنجيل. أما الحدث الذي يأتي تالياً في انجيل مريم فإنَّه مُختلف إختلافاً جذرياً من الناحية العقائدية، ولكن يمكن للمرء أن يرى بسهولة كيف أن كاتب انجيل مريم كان يستخدم الإطار الذي قدَّمه يوحنا كنموذج أولي.
إن التعليمات التي تلت كان موجهة إليهم لكي لا ينخدعوا بأية معلومات كاذبة عن موضع سُكنى ابن الإنسان. قال: ”لا تدعوا أيَّ شخص يضلّكم بالقول ’انظروا هنا!‘ أو ’انظروا هناك!‘ لأن ابن الإنسان موجود داخلكم.“ هذا يشكل سرداً متفرعاً عن لوقا ١٧: ٢١-٢٤. إن التعليم الذي قدمه إنجيل مريم يفيد بأنَّ ابن الإنسان موجودٌ في داخلهم. إن إنجيل لوقا كان يعلم أنَّ ملكوت الله في داخلهم. يسوع قد علَّمَ بأنّ المكان الذي سيجدونه فيه سيكون مشابهاً لمشاهدة البرق في السماء. أما إنجيل مريم فقد قام بالخلط بين هذين التصريحين المُختَلِفَين من انجيل لوقا.

الخلاصة

يوجد إشارات مرجعية أُخرى إلى العهد الجديد، ولكن اللاهوت الغنوصي المُتَوَقَّع مُتَغلغل في كلمات يسوع. يجب أن يتم اعتبار انجيل مريم غنوصياً في لاهوته وهرطوقياً بطبيعته. إن مريم المجدلية كانت قد ماتت قبل ظهور هذه الكتابة بفترة طويلة. وبالتالي فإنه يجب علينا أن نقوم بتصنيف هذا الكتاب على أنَّه  منحول (منسوب زوراً) وذلك نتيجةً لتاريخه ومضمونه. إنَّه يفشل في تحقيق الشروط الأربعة المطلوبة من السفر القانوني. وههنا الشروط الأربعة وأسباب وضعها:

  • الصفات الإلهية. يخالف هذا السفر في تعليمه عن الشر التصريحات الإلهية الأصلية. إن النص الغنوصي يقوم بإظهار التعليم المشترك بأن كلَّ المادة هي شر. لكن الكتاب المقدس يُعلم بأنَّ الله يُصنِّف الشهوات والرغبات ضمن فئتين: الأشياء التي يتم ممارستها وفق مشيئته والأشياء التي تتم ممارستها خلافاً لمشيئته. يوجد إطارات مُحدَّدة يؤطِّر فيها الله شهوات ورغبات الإنسان على أنها صالحة.
  • التتبع رجوعاً إلى الرسل. لا يوجد سجل تاريخي يُرجِع هذا السفر إلى أي مصدر رسوليّ. إن هذا السفر يرجع إلى تاريخ  يلي وفاة الرسل بعدة سنوات.
  • القبول الجماعي من الكنيسة. لم يتم تلقي هذا السفر أو إعادة توزيعه من الكنائس. لا يوجد أي ذكر لهذا السفر، وحقيقة عدم وجود مخطوطة كاملة من هذا السفر تُظهر بشكل أوسع أنَّ الكنائس لم تقم بقبول هذا السرد.
  • الموثوقية الجوهرية. إن البيانات الداخلية الموجودة في هذا السفر تُظهر تعارضاً بعضها مع بعض في مواضع مختلفة. نجد أن علاقة بطرس ونظرته لمريم مختلفة بشكل كامل بين القسم الأول من النص والقسم الثاني منه. إنَّه يدرك أنَّها كانت محبوبةً أكثر من جميع النساء في القسم الأول، في حين أن القسم الثاني يقدمه على اساس أنَّه قد تعامل معها باستياء وأسلوب مواجهة.

وفق جميع المقاييس، يجب أن يُرفض هذا السفر سواء من الناحية القانونية (الكنسية) أو من الناحية التاريخية. ولكن يوجد بشكل دائم قيمة إيجابية لتفحص ودراسة الأعمال التاريخية. على الرغم من أن العديد من المؤمنين لن يكونوا مسرورين من اللاهوت الموجود في انجيل مريم، إلا أنهم يجب أن يكونوا واعين لتعليمه. إن هذه الدراسات سوف تساعد على فهم نوعية التعاليم التي كانت الكنيسة المبكرة تقوم بمواجهتها.

الدكتور ستيڤن بويس


يمكنكم قراءة النص الإنكليزي للدراسة السابقة من خلال الضغط هنا.

يمكنكم الوصول إلى المزيد من المواضيع التي قام بتقديمها الدكتور بويس من خلال الموقع الإلكتروني لكنيسة سيتي لايت: citylightseattle.com