العلاقة بين التعاليم المسيحية وسفر التكوين (الزواج)

الفصل الأول


هل يوجد علاقة بين تراجع القيم المسيحية في المجتمع وبين رفض المفهوم التاريخي لسفر التكوين؟

إن التعاليم المسيحية موجودة عبر صفحات الكتاب المقدس، ولذلك نجد أنَّ فكرة إمكانية رفض سفر التكوين دون أن تتأثر بقية الأسفار فكرة رائجة في وقتنا الراهن، إلا أنَّ هذا خطأٌ كبير.

إذ أنَّ جذر كل تعليم من التعاليمِ المسيحيةِ الرئيسيةِ يكمنُ في سفر التكوين. وفي الوقت الذي نجدُ هذه التعاليم مذكورةً عبر صفحات الكتاب المُقدَّس في أماكنَ كثيرةٍ، إلا أنها لا تستطيعُ أن تَصمُدَ أمام الفحصِ والتمحيصِ الجّادِ في حال لم يتم أخذ سفر التكوين على أنه تأريخٌ حقيقيٌّ للأحداث، بالطريقة عينها التي لن تصمدَ فيها أية شجرة دون جذورها أو أيُّ بيتٍ دون أساساته. فلنتأمل الآن في بعض التعاليم المسيحية لنرى الكيفية التي تم التأسيس لها عبر صفحات سفر التكوين.

١- العلاقة بين الزواج وسفر التكوين

إن الكتابَ المقدس يعلّم بأنَّ الزواج هو إتحادٌ مُقدَّسٌ بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ مدى الحياة. ويوجد عدد كبير من الآيات التي تتطرق لموضوع الزواج. إلا أنَّ السؤال هو: من أين انطلق مفهومُ الزواج؟

إنَّ الله قد أسس لمفهوم الزواج في اليوم السادسِ من أيامِ الخليقةِ. فهو قد خلق حوَّاءَ من جنب آدمَ لتكونَ لهُ مُعيناً نَظيرَهُ. والكتاب المُقدَّس يقول في التكوين ٢: ٢٤ بأن هذه الحادثة التاريخيّة هي السَّبَبُ الكامن وراء وجودِ سرّ الزواج المُقدَّس في يومنا الراهن.

”لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.“

دونِ أدنى شكّ فإن هذه الآية هي أساسُ سرِّ الزواجِ المقدَّسِ فالوحي الإلهي يؤكدّ ذلك.

إن الزواجَ كما ذكرنا سابقاً هوَ ارتباط رجلٍ واحدٍ مع امرأةٍ واحدةٍ يوحِّدُهُما الله، وهذا الإتحادُ دائمٌ مدى الحياةِ لأنَّ هذهِ هي الطريقةُ التي أسَّسَ بها الله للزواجِ عندَ التكوينِ. فالله قد زوّدنا بنموذجٍ أوَّلي للزواج، ومن اللازم علينا أن نحذو حذوهُ. كما أن يسوعَ المسيح أكَّد ذلك في متى ١٩: ٤-٦.

فهل يُمكن الدفاع عن الزواج بعيداً عن أساساته في سفر التكوين؟

إن لم يكُن سفر التكوين يُقدَّمُ روايةٌ حقيقيّةً، هل يمكن الدفاع وُجوب كون الزواج إتحاداً مقدَّساً بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ مدى الحياة؟

يجادِلُ البَعضُ قائلينَ بِبَساطة: إنَّ الزواجَ التقليديَّ هو كذلك بسبب التقاليد. إلا أن التقليد لا يُلزِم الآخرين باتباع نفس السلوك، فلمجرَّد أنك تُلوِّن البيض المسلوق في الفِصح أو تقوم بتخبئته [كما يُفعَل في بعضِ الدُول] لا يعني أن الآخرين مُلزَمين باتّباع السُّلوكِ عينه. كما أن البعضَ من الناسِ يرتدوَن أزياءَ تنكّريةٍ في الهالوين، لكن ذلك لا يعني بأننا يجب أن نقوم بالمِثل. وبالقياس على ذلك، فإنه لمجرد أنَّ الزواج التقليديّ كان يُقام بهذه الطريقة الواحدة في مجتمعنا لا يتضمن ذلك إلزاماً بوجوب الإستمرار بإقامته بالطريقة ذاتها. فالحضارة تتغير وكذلك التقاليد.

البعضُ الآخر من الناس يجُادلون دفاعاً عن الزواج التقليديّ بحُجَّةِ أنَّها الطريقة السليمة لإتمامه بحَسْبِ رؤيتِهِم. إلا أنَّ ذلك يعني أن البعضَ الآخر يستطيعُ الدِّفاعَ عن الزواجِ المِثليّ على نفس الأساس. إنَّ المشاعر والآراء الشخصيّة لا تُقدِّم أساساً  منطقياً لأي قاعدة مُلزمة للآخرين.

كما أنَّ البعضَ الآخر قد يجادلُ بأن الزواجَ التقليديَّ هو اتحادٌ بين رجلٍ واحد وامرأةٍ واحدة مدى الحياة لأن الغالبيّة العُظمى تعتقدُ بذلك. إلا أنَّ رأي الأغلبية لن يجعلَ من الأمرِ صحيحاً. فكما أسلفنا، إن كان الأغلبية من الناس يرتدون الأزياء التنكريةَ في الهالوين، فهل يعني ذلك أنَّك مُلزَمٌ بالقيام بالمِثل؟

فلنفترض بأنَّ الغالبية يُحبون إضافة صلصلة الكاتشاب إلى شطيرة الهامبرغر، فهل يعني ذلك بأنَّه خطأ أخلاقيّ إن لم تُحب إضافة الكاتشاب إلى شطيرتك؟

بالتأكيد لا.

خلاصة، إن كانت نظريةُ التطورِ صحيحةَ، فذلك يعني عدمَ وجودِ أي قاعدةٍ تأسيسيةٍ لتعليم الزواجِ. ومفهوم الزواج سيتحوَّلُ إلى ظاهرةٍ اجتماعيةٍ – ظاهرةٍ تتطوَُّر في وقتنا الراهنِ لتتحولَ إلى شيءٍ مختلفٍ تماماً عما كانت عليه منذ عدّةِ سنواتٍ مضت.

إلا أنّ الحقيقةُ ستبقى بأنَّ الزواجَ هو اتحادٌ مُقدَّسٌ بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ مدى الحياة لأن الله الخالقَ قد أسَّسَهُ بهذه الطريقة منذ البدء، وقد نقله الوحي المُقدَّس إلينا من خلالِ سفر التكوينِ. بالإضافة إلى ذلك، فإن كل الآياتِ الأُخرى في الكتاب المُقدَّس التي تتناول تعليم الزواج تتصل بشكلٍ مباشرٍ مع سفرِ التكوين والسردَ الذي يقدِّمَهُ عن الخلقْ.

إنَّ سفر التكوين بصفته السّجلَّ التاريخيَّ الحقيقي للعمل الذي أتمَّه الله في ستة أيام هو الأساس والقاعدة التي يبنى عليها تعليم سرّ الزواج المُقدَّس.