الأنواع الأدبية في الكتاب المقدس – التاريخ

ثالثاً – التاريخ

إن الكتاب المُقدَّس يَشتَمِل أيضاً على السَّرد التاريخي، وهو أحد أكثر أنواع الكتابة الأدبية شِيوعاً عبر صفحات الوحي المُقدَّس. إنَّ السرد التاريخي هو تَسجيل مُتَتَالٍ للأحداثِ الحقيقيَّة التي وَقعت بالفعل، وعادةً ما تكون مبنية على شهادةٍ لأحد شهود العيان كما هو الحال في سفر أعمال الرسل والبشائر الأربعة. وسفر الخروج هو تاريخيٌّ بطبيعته أيضاً، فهو يُسجل أحداث خروج الإسرائيليّين من مِصر وخَلاصهم منَ العبودية المُرَّة.

إن السَّرد التاريخيَّ يجب أن تَتِمَّ قِراءَتَه وتَفسيره بِطَريقة حرفية، مع الانتباه إلى إمكانية ورودِ بعضِ أنواعِ التعابيرَ المجازيَّة من حين لآخر. فإننا حين نقرأ كتاباً عن تاريخِ الولاياتِ المتحدة الأمريكية على سبيل المثال ونجد أن جورج واشنطن كانَ أول رئيسٍ لها، لا نَقف حائِرين أمامَ تلك الكلمات مُتَفَكّرينَ في ماهِيّة المعنى الذي تَحمِلَهُ أو الرَّمزيّة التي يُمكِن أن نَستَعملها للتفسير. فهي بشكل واضح تعني بالضبط ما صرَّحت به. إن السَّردَ التاريخيّ يتميز بذكر أسماء وتواريخ وتفاصيل قد تكون ذاتَ صِلَة مباشرة بالنصّ أو قد تكون مُجرد معلومات إضافية.

إنَّ تمييز السَّرد التاريخيّ في الكتاباتِ العِبريَّة ليسَ بالأمرِ المُعقّد، فيُمكن تمييزُها من خلال أداةِ العَطف أو الترتيب (ו ڤاڤ أو واو) التي هي أحد أحرف اللغة العبرية وتُتَرجم عادةً إلى العربية باستخدامِ حرف العطف (و) وإلى الإنكليزية باستخدام (and). وحين نجد أن إحدى الجمل تَبتدئ بحرف العطف ”و“ ويليه فعل فتلك هي إشارة واضحة إلى أن سياق النص إنما هو سردٌ تاريخيٌ ويَصِفُ سِلسِلةً من الأحداثِ المُتعاقبة.

فعلى سبيل المثال نقرأ في تكوين ١: ٦ ”وَقَالَ اللهُ:“ هذه الواو هي واو التَّعاقُبِ أو التَّرتيب، وتقريباً جميع المرات التي ورد فيها حرف العطف ”و“ في الأصحاح الأول كان يُفيد التَّرتيب. فالأسلوب العِبريّ يتشابه مع الأسلوب العربي في السَّرد التاريخي حيث نجد استخدامَ حرف العطف للدلالة على تتابع الأحداث وتسلسلها التاريخي، ويُمكن القول بأن الأصحاح الأول من سفر التكوين يقول لنا بأن ”الأمر الأول قد حدث، ومن ثمَّ تَلاه أمرٌ آخر، ومن ثم تلاه أمرٌ آخر … وهلم جرا“.

سِفرُ التكوين يُقدم أيضاً أسماء معيّنة (كما هو الحال في الأصحاح الخامس) وأحداث معينة موصوفة بدقّة. فسفر التكوين قد كُتِب على يَدِ موسى بإرشادٍ وَوَحيٍ من الروح القُدُسِ، ويوجد أدلّة جيّدة تُشير إلى أنَّه مِن المُمِكنِ أن يكونَ موسى قد وَصَل إلى المعلوماتِ التي دَوَّنها من خلال تسجيلاتٍ قَدْ دُوِّنَت من قِبَلِ شهود عَيان. وهذا يُمكن أن يَتِم الإشارةُ إليه من خِلالِ عبارة ”هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ“ وهذه العبارة ترقى لمستوى أن يَتم اعتبارُها إشارةً إلى المؤلِّف الذي كَتَب ذلك الجزء من النص.

إن الدلائل التي تُشير إلى أنَّ سفر التكوين هو سِفر كُتبَ بطريقةِ سردٍ تاريخيٍ هي دلائلُ واضحة، فلا يوجد ضِمن السفر أي إشاراتٍ إلى كون هذا السفر قد كُتب بطريقةٍ شعريةٍ أو بطريقةِ الأمثال. إنما نَجد بينَ طيّاتِه كلَّ الإشاراتِ التي تَدل على كونَه قد كتب بطريقةِ السَّرد التاريخيّ. ومن خلال السياق الأدبي يَظهر لنا جلياً بأن موسى قد قصدَ أن يؤخذ هذا السفر بطريقة حرفية كتأريخٍ لما يقرب من أول ألفيّ عام من الكون. وإن لم يُرِد القرّاء أن يأخذوا السِّفر على هذا الأساس، لن يقدّموا حينها تفسيراً يتماشى مع معنى النص. وبكلمات أُخرى يمكن القول إن تفسيرهم سيكون خاطئاً.