٢- تعريف بالمصطلحات التي تتعلق بالكتاب المقدس

نتيجةً لسوء الفهم الحاصل فيما يتعلق بعدد من التعابير والمصطلحات المسيحية وبصورةٍ خاصةً تلك التي تتعلق بالكتاب المقدس، سوف نقوم في هذه الدراسة بتقديم مجموعة من التعاريف لعدد من المصطلحات التي يستخدمها عدد كبير من الأشخاص بطريقة خاطئة، البعض منهم بشكل متعمَّد والبعض الآخر دون فهم لما يقولون.

بدايةً يجب الإشارة إلى أنه يتم استخدام كلمة إنجيل بطريقة خاطئة للإشارة إلى الكتاب المقدس الذي نؤمن به كمسيحيّين، الإنجيل ليس الكتاب المُقدَّس والكتاب المُقدَّس ليس الإنجيل!

نعم هذه أولى الملاحظات التي يتوجب علينا الإشارة إليها. حيث أنَّ الإنجيل هو الخبر السارّ أو البشارة المُفرحة وهذه البشارة هي أنَّ الله قد انحدر من السماء وتجسَّد متخذاً طبيعتنا البشرية دون أن يتحول أن يتغير (حاشى) أي أنَّه نصب خيمته الأرضية (بحسب تعبير الرسول بولس) كما فعل مع اسرائيل شعبه في أيام موسى وحتى بناء الهيكل في مدينة أورشليم، ومن ثمَّ قد اقتبل الموت مُعلَّقاً على خشبة الصليب حيث علَّق وحمل خطايا العالم وألغى الصكَّ القديم، ومات على الصليب وصار لعنةً لأجلنا وكان هذا الموت النيابيّ الكفاريّ هو الثمن الذي يتوجب علينا أن نسدِّدَه كعقوبة على تعدّينا الناموس والوصية الإلهية (موتاً تموت)، ومن ثمَّ قام من بين الأموات في اليوم الثالث كما سبق وأنبأ في كتب الأنبياء سابقاً، وكان بذلك الباكورة ومنحنا بذلك الثقة والرجاء بالقيامة من بين الأموات.

هذا هو المقصود بكلمة إنجيل، أما بالنسبة  للكتب الأربعة التي يُطلق عليها الأناجيل أو البشائر فإن التسمية السليمة هي (البشارة أو الإنجيل كما دوَّنَهُ [متى، مرقس، لوقا، ويوحنا]). لكن نتيجة لكون هذه الكلمات قد تمَّ فهمها من قبل المؤمنين أمسى الإختصار شائعاً فباتت التسمية المعروفة هي الإنجيل أو انجيل متى، مرقس، لوقا ويوحنا.

وفي هذا الموقع يتوجب علينا أن نقوم بالإشارة إلى وجود عدد كبير من الكتابات المتأخرة التي يتم الإدعاء بين الفينة والأُخرى بأنها الأناجيل السليمة أو الصحيحة التي يتم التسويق لها على أساس أنها الأصلية وبذلك يكون الإدعاء الضمني هو بأنَّ ما بين يدينا ليس إلا خرافات وتزوير، لكن بعد أن يتم التعامل مع تلك الكتابات بطريقة أكاديمة وعلمية يتبيَّن بشكل دائم أنها ليست إلا أناجيل منحولة (منسوبة) زوراً إلى الرسل، وبأنّ أغلبها يعود إلى عصورٍ متأخرة في حين يوجد عدد قليل منها يعود للقرون الأولى إلا أنَّها بعيدة كلُّ البعد عن الوحي المقدس، والأمر بيّن عند قراءتها ضمن سياق الكتاب المقدس بصورة عامَّة، وذلك أنها تتناقض مع بقية أسفار الوحي المقدس. وهذا الموضوع ضخم جداً لكيما يتم التعامل معه من خلال عدد قليل من الصفحات لذلك فإننا سوف نتركه لشغف وفضول القارئ. 

أما الآن فإننا سوف نقوم بالتعامل مع المصطلح الأكثر شيوعاً واستخداماً ألا وهو ”الكتاب المُقدَّس“

إن الكلمة التي نطلقها على الكتاب المقدس ”Bible“ هي كلمة مشتقة عبر اللغة اللاتينية من الأصل اليوناني ”Biblia“ التي هي تصغير  الكلمة ”biblios، وهي الكلمة التي تشير إلى كتاب أو أي نوع من المستند المكتوب. هذه الكلمة بالأصل ترتبط بالكتابات المسجلة على رقوق البَرْدي، إلا أن معنى هذه الكلمة قد عُيِّنَ في يومنا الراهن ليختصَّ بالكتاب المقدس الذي هو المستند المطلق عبر كل الأزمنة.

إنَّ الكتاب المقدس يُقسَم إلى قسمين يُطلق عليهما العهد الجديد والعهد القديم (أو العتيق)، وكلمة عهد وهي بالإنكليزية ”testament“ تأتي من المصدر اللاتيني ”testamentum“ الذي يأتي بدوره من المصطلح اليوناني ”diatheke“ الذي يشير إلى إتّفاق قانوني. وحين يقول يسوع المسيح في متى ٢٦: ٢٨، ”أَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.“ فإنَّه لا يقصد  بكلمة عهد ”testament“ المفهوم المعاصر لما يُعرف بالشهادة ”testamony“. فاللغة تتطور عبر الزمن، والكلمات أيضاً تتطور، وبالتالي فإنَّ الكلمة التي قد نختارها في وقتنا الراهن والتي تناسب المعنى الأصلي للكلمة قد تكون أقرب إلى ”ميثاق“، ”اتفاق“. وفي الوقت الذي عاش فيه اليهود لعصور تحت الناموس، فإن دم يسوع المسيح المسفوك طوعاً على الصليب قدَّم نظاماً قانونياً جديداً تتفوق النعمة فيه على ناموس الوصايا في فرائض. وبناءً على معنى كلمات المسيح فإنه ربما يكون من الأسلم لنا أن نستعمل مصطلحيّ العقد القديم والعقد الجديد.

إن اليهود في زمن المسيح كانوا ينظرون إلى العهد القديم على أنَّه الوحي المقدس، لكن بطرس قد قام بخطوة سباقة بإشاد الروح القدس بأن دعا كتابات بولس التي في العهد الجديد بأنها ”وحي مُقدَّس“:

”… كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ.“

فحين نقوم بقراءة الأصحاح الثالث من رسالة بطرس الثانية فإننا نجد بوضوح بأنَّ بطرس الرسول قد نظر إلى كتابات بولس على أنها بدرجة مكافئة للناموس والأنبياء. وفي تلك الحقبة كان أغلب اليهود يستعملون الترجمة السبعينية والتي هي الترجمة اليونانية للعهد القديم. ونجد أنَّ بطرس ينظر إلى كتابات بولس على أنها بدرجة مساوية من حيث السلطان، وبولس قد أورد لوقا ١٠: ٧ مع التثنية ٢٥: ٤ على أنها وحي مقدس، حيث أنَّه أدرج الآيتين معاً في رسالة تيموثاوس الأولى ٥: ١٨. كما أنَّ كُتَّاب العهد الجديد يعلنون أنهم خدَّام الله الذين أعطاهم الله أن ينقلوا كلمته.

وهذا ليس من خلال مشيئتهم، ذلك لأنَّ يسوع المسيح قد سبق وثبَّت خدمتهم هذه بعمل الروح القدس وذلك في حديثه حين كانوا مجتمعين في العليّة: 

”وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.“ يوحنا ١٤: ٢٦.