العصيان وسلطان الكتاب المقدس

إن هذا العصر الذي نعيشه حالياً يتمتع بسمات مميزة ألا وهي العصيان وعبادة الذات! حيث أننا نلاحظ تصاعد حدة التمرّد على جميع أشكال السلطة سواء أكانت السلطة الأبوية أو الزوجيّة أو السياسية أو العلمية أو الكنسية.

وإن رجعنا إلى البداية في سفر التكوين فإننا سنجد أن أول عصيان انطلق من خلال التشكيك بالوحي المقدس الذي هو كلمة الله، فنقرأ في سفر التكوين ٣: ١ ” وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» “

إن الشيطان ”المشتكي، والحيّة القديمة“ أغرى حوّاء من خلال حيلته التي شكَّك من خلالها بكلام الله فقال لها ”أَحَقًّا قَالَ اللهُ ؟“ وأتبَعَ ذلك في الآية الرابعة من ذات الأصحاح بقوله: ”لَنْ تَمُوتَا!“ حيث أنَّه عمل على تشجيع رفض سلطان الله منذ البداية. فسقطت حوّاء ومن ثمَّ تبعها آدم حيث أنَّهما قد ارتكبا عصياناً مباشراً لأوامر الله التي سلَّمها لآدم، وهناك دخل الموت إلى العالم وخسر آدم وحوّاء خلودهما!

نلاحظ وجود تكرار لذلك النمط في عصرنا الراهن، ويوجد عدد من المؤشرات الاجتماعية التي تتدهور مثل معدلات حمل وولادة الفتيات في سنّ المراهقة (١٥-١٩ سنة) دون زواج. حيث أن هذا الرقم قد تضاعف عدّة مرات خلال آخر ٥٠-٦٠ سنة. بالإضافة الى معدلات الطلاق والتفكّك الأسري و الجرائم وتقبّل المثلية الجنسية. والأخطر هو الإجهاض حيث أنَّه قد تمَّ تصفية وقتل ٥٨ مليون طفل في رحم أمهاتهم في الولايات المتحدة وحدها وذلك فقط حتى عام ٢٠١٥ بحسب الإحصاءات الرسمية والعُذر الذي تمَّ تقديمه هو أنه ليس مرغوب بهم. ثمانية وخمسون مليون جريمة قتل! إنه رقم يقرب من  ١٠ أضعاف عدد اليهود الذين تمت تصفيتهم على يد النازيّين في المحرقة. 

يمكن الرجوع إلى هذه الأرقام من الموقع التالي: https://www.cdc.gov/nchs/data/nvsr/nvsr49/nvsr49_10.pdf

مواجهةالمتشكّكين

لطالما كانت هجمات المتشككين الموجَّهة ضد الكتاب المقدس عاتية وضروس، وخلال القرون الأخيرة أصبح أمراً شائعاً بين الدارسين أن يتمّ النظر إلى الكتاب المقدس على أنَّه مجرد تجميع لكتابات يهودية عبرانيّة، كما أنَّه أصبح مقبولاً أن يتم رفض كون الله هو مصدر الوحي المقدس وبأنه يوجد عدد كبير من المؤلّفين المختلفين للكتاب المقدس وذلك مع التغاضي عن دراسة النبوءات التي تحقَّقت واعتبار أنها حقائق جرى تسجيلها بعد وقوع الأحداث. 

إلا أننا نجد أن تسجيلات الآباء البطاركة الموجودة في الكتاب المقدس مدعومة من الأدلة الأثرية [Biblical studies in the Light of Archaeology] والمعلومات التي نمتلكها عن إبراهيم واسحق ويعقوب تطابق الثقافة والحضارة التي نعرفها عن تلك الحقبة الزمنية [على سبيل المثال نعرف بأن الحثّيين تحت قيادة مواتاليس قد انتصروا على الفراعنة تحت قيادة الفرعون رمسيس الثاني في قادش حوالي العام ١٣٠٠ قبل الميلاد. وقد سكنوا في كنعان، كما أن ابراهيم قد اشترى منهم القبر الذي وضعت فيه سارة والذي وُصف في التكوين ٢٣ وهذا الأمر دقيق من الناحية التاريخية]. كما أنَّ أيوب الذي عاصر الحقبة التي عاش فيها ابراهيم قد امتلك القدرة على الكتابة وهذا الأمر قد جرى الإعتراض عليه بشدة لفترة طويلة من الزمن، لكن الكتابات السومرية المسمارية تعود إلى فترة تسبق موسى بأكثر من ٤٠٠ سنة؛ ”فقد استخدمت الكتابة المسمارية على ألواح الصلصال لمجموعة كبيرة من الوثائق الإقتصادية والدينية والسياسية والأدبية والعلمية أيضاً وذلك في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد.“ وبالتالي فإن النقد القديم الذي يقول بأنَّ الكتابة لم تكن معروفة في زمن موسى قد ثبت أنَّه خاطئ.

كما تمَّ دحض النظريات التي تقول بأن الأناجيل والرسائل قد كُتبت في منتصف القرن الثاني أي أنها قد كُتبت بعد أكثر من ١٠٠ سنة من وقوع الأحداث وذلك من خلال الإكتشافات الأثرية والمستندات التي تم الوصول إليها من خلال تلك الإكتشافات. وهذه الأمور سيتم التطرق لها في أجزاء أُخرى إلا أنها تذكر هنا على سبيل العرض إنما الفحص سيتم بشكل لاحق.

الكتاب المُقدَّس هو أنفاس الله

نقرأ في تيمثاوس الثانية ٣: ١٦ ”كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ،“ 

في المقطع الأول من هذه الآية نجد ”كلَّ الكتاب“ وكلمة كلّ تعني كلّ وليس جزء أو بعض أو ما يوافق ذوقنا وتفضيلاتنا. فإن كنا نريد أن نقوم بقبول الأجزاء التي نريدها فقط من الكتاب المقدس والتي توافق رغباتنا، في الوقت الذي نرفض فيه الأجزاء الأُخرى منه، فإننا نكون مرائين وإيماننا هو بذواتنا وبحكمنا الشخصي الذي يصعب الإعتماد عليه، عوضاً عن الإعتماد على الوحي المُقدَّس.

إن كلمة ”موحى“ هي الكلمة اليونانية ”θεόπνευστος“ والتي تُقرأ ”ثِيانُستَاس“ والتي تَعني ”أنفاس الله“ وذلك يعني أن الكتاب المقدس ليس مجرد كتابات خضعت لتأثير أفكار الله، إنما غُرِسَت في الإنسان بعمل روح الله الذي وضع [تنفس] هذه الأنفاس إلى قلوب وأفكار كُتَّاب الوحي المقدس.

ثم  نجد المقطع الثاني من الآية ”وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ“ فالتعليم هو تقديم الفهم السليم والصحيح، في حين أن التوبيخ هو عملية كشف ومواجهة السلوك والتصرفات الخاطئة، أما التقويم فهو التعامل مع الفهم الخاطئ. وعلى سبيل المثال، حين نقوم بقراءة رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، نجد أن هذه الرسالة تتعامل مع التعليم الذي يتعلق بالخلاص، وكورنثوس الأولى تقدم التوبيخ، في حين أن غلاطية تقدّم التقويم. وكذلك نجد أن رسالة أفسس  تقدّم التعليم عن ”الكنيسة“ في حين رسالة فيليبي تُقدّم التوبيخ و كولوسي تقدّم التقويم للكنيسة. أما رسالتي بولس الرسول إلى أهل تسالونيكي فهما تقدمان التعليم عن الأيام الأخيرة (إسكاتولوجي) ونجد تتابع ذلك التعليم في رسالة بطرس الأولى والثانية وكذلك في سفر الرؤيا.

في الحقيقة أنه مع ازدياد معرفتنا بالكتاب المقدس، تزداد ثقتنا وقناعتنا بأنَّ ترتيب أسفاره بهذا الشكل هو الآخر وُضع بوحي الله ليحقق غرضه.