مغالطات أُخرى: الجزء الأول

بعد أن تعاملنا في منشوراتٍ سابقة مع المغالطات المنطقية الشائعة في الجدلات التي فإننا سوف نتوقف في محطتنا الأخيرة عند مجموعة من المغالطات الأقل شيوعاً من تلك التي سبق وقدَّمناها، لذلك فإن هذه المغالطات وبالرغم من أهميتها فإنها لن تكون على ذات الدرجة من التكرار وخصوصاً في الجدلات التي تتناول موضوع الأصول.

مغالطة المصدر (مغالطة الاصل) – The Genetic Fallacy

وتحدث هذه المغالطة عندما يقوم أحد الأشخاص برفض جدل نتيجة لاعتراضه على مصدره. وأكثر الأمثلة شيوعاً عن هذا النوع من المغالطات حين يقوم أحد الأشخاص برفض معلومة لأنها تأتي من الكتاب المُقدَّس أو من موقع الكتروني يدافع عن الخلق التوراتي.

فإن قام أحد المؤمنين بالخلق باستخدام مقال منشور في إحدى المجلات البحثية التي تدافع عن الخلق لدعم ادعاء مُعيَّن، فإنه سوف يكون مغلوطاً أن يقوم الخصم بالقول: ”لا، إن هذا المقال من موقعٍ الكتروني أو مجلة تدافع عن الخلق. هل لديك أيُّ مقال قد صدر عن المجلات العلمية التقليدية.“

إن هذا النوع من الردود عبثيّ ومريب، حيث أنَّه من غير المعتاد أن تقوم المجلّات العلمية العلمانية بنشر أي مقال يدعم استنتاجاً يعارض الرؤية التقليدية الشائعة للموقف العلماني أي يعارض الإيمان بالتطور. إلا أنَّ هذا لا يعني أن المقال أو المجلة التي تمَّ الاستناد إليها خاطئة. وبالتالي فإن إجابة الخصم ليست مرتبطة بالموضوع. فالجدل يجب أن يتم تقييمه بالإعتماد على حيثيّاته، وليس على مصدره. أما إن كان من الممكن أن يتم إظهار أنه لا يمكن الإعتماد على مصدر المعلومات، حينها يمكن أن يتم دحض المحتويات الموجودة في المقال. لكن هذا يجب أن يتم تقديمه من خلال جدل منطقي، وليس من خلال تصريح يُفتَرَض قبوله من الجميع.

الجدل يُحاكَم بناءً على حيثيّاته وليس بناءً على المصدر الذي أتى منه.

يقول أحدهم: ”إن الكتاب المُقدَّس قد كُتِبَ قبل آلافٍ السنوات من قبل أشخاص لم يمتلكوا معرفةً عن العلوم المعاصرة. فلماذا يجب أن نثق بالإدعاءات التي يقدّمها؟“

إن حقيقة كون الكتاب المُقدَّس بالغ القِدَم وأن الكُتَّابْ لم يكونوا على معرفة بالعلوم المعاصرة لا علاقة لها بمصداقيّته. إضافةً إلى أن هذا الجدال (ومثله الكثير ممن يهاجم الوحي المُقدَّس) يتجاهل الوضع الخاص للكتاب المُقدَّس. وذلك أن الكتاب المُقدَّس يقدم ادعاءً بأنَّه الكلمة الموحاة من قبل الله وبالتالي فإنه يختلف عن باقي المستندات التاريخيّة.

من المؤكد أن الكثير من المعترضين سوف يرفضون هذا الإدعاء، لكن إن قاموا بذلك فهم قد افترضوا بشكل مسبق بأن الكتاب المُقدَّس هو خاطئ وبالتالي فإننا يجب أن نشير لهم بأنهم قد ابتدؤوا بهذا الإدعاء عينه؛ وبالتالي فإنهم قد ارتكبوا مغالطة التماس المطلوب.

مغالطة التركيب (التعميم) – The Fallacy of Composition

تحدث حين يقوم الشخص بالجدل بطريقة مغلوطة مدّعياً أن مايصحّ على الجزء يجب أن يكون صحيحاً على الكلّ، أو ما يصحّ على عدد من أفراد المجموعة هو صحيح على كامل المجموعة.

في بعض الأحيان يكون ذلك صحيحاً، لكن ذلك لا يعني أنه صحيح على الدوام؛ وبالتالي فإنه يتوجب علينا أن نقوم بفحص كل ادعاء على حدى.

مثلاً: ”إن طُوب البناء هو أحمر اللون، فالمنزل المصنوع من الطوب الأحمر سيكون لونه أحمر.“ هذا الجدل ليس مغلوطاً.

لكن القول بأن ”إنَّ واحدة طوب البناء ليست ثقيلةً للغاية، وبالتالي فإن المنزل المبني من وحدات الطوب ليس ثقيلاً للغاية.“ هذا القول مغلوطٌ ويرتكب مغالطة التعميم أو التركيب.

وللأسف نجد هذه المغالطة تُرتكب من قبل المؤمنين بالخلق في بعض الأحيان وذلك حين يقولون ”كل شيء في الكون له مُسبِّب. وبالتالي فإن الكون نفسه يجب أن يمتلك مُسَبِّب.“

إن هذا الجدل ليس مترابطاً من الناحية المنطقية وهو يرتكب مغالطة التركيب (التعميم).

مغالطة التعميم المُتسرِّع – A Hasty Generalixation 

تحدث حين يتم الخلوص إلى استنتاجات بالإعتماد على كمية قليلة من المعلومات أو الأمثلة الإختباريّة. 

مثلاً إن قام بعض الأشخاص بقضاء اجازة في ولاية أو منطقة ساحلية دافئة لمدة أسبوع، لكن وبشكل استثنائي كان المناخ بارداً في الفترة التي قضوها هناك. فإنَّه سوف يكون تعميماً متسرعاً إن قاموا بالإستنتاج بأن المناخ في تلك المنطقة الجغرافية هو بارد، إذ أنَّ تجربتهم هناك كانت استثنائية. ومدّة أسبوع واحد ليست فترة كافية للحكم على المناخ العام في تلك المنطقة. لكن إن كان أحد الأشخاص قد قَضَى فترةً تمتد لعدة سنوات في تلك المنطقة لن يعتبر تصريحه نوعاً من التعميم المتسرع فيما لو أنه قال بأن المناخ هناك حارٌّ ورطب.

يجب الحذر من هذه المغالطة في الجدالات الدائرة حول موضوع الأصول. حيث قد نجد جدلات من نوعِ: ”إن المؤمنين بالخلق لا يتمتعون بالأمانة. فأنا أعرف أحد المؤمنين بالخلق ممن كانوا يكذبون في مختلف المواضيع.“ 

بفرض أننا سلّمنا بأن هذا الإدعاءً صحيح فإنه لا يعني بأنَّ المؤمنين بالخلق بالعموم سيكونون غير أمناء أو غير صادقين.

مغالطة التعميم غير الدقيق – التعميم القطعي – A Sweeping Generalization

تحدث هذه المغالطة حين يتم تطبيق التعميم على الإستثناءات. إذ أن التصريحات العامة هي عامّة التطبيق ولكن ليس بشكل دائم. فهي صحيحة في حين يتم تطبيقها على معظم الأفراد في معظم الأحيان. إلا أنه يوجد استثناءات. مثلاً ”رياضة الجري هي مفيدة لعضلة القلب. إن السيد (س) لديه مشكلة خاصة بالقلب، وبالتالي فإنه من المفترض أن يمارس الجري.“ هذا مثال عن التعميم غير الدقيق، إذ أنَّه بالرغم من أنَّ رياضة الجري هي مفيدة لعضلة القلب بالعموم، إلا أنه في بعض الحالات قد تشكل خطرا على عضلة القلب.

يوجد عدد من الأمثلة عن استخدام التعميم غير الدقيق ضمن سياق الجدل حول الأصول مثلاً قد يقول أحدهم: ”لا يعتبر أي شيء حقيقة لمجرد أنّ شخصاً ما قد قاله، لذلك فإنه يتوجب عليك أن لا تصدق أي شيء يقوله لك الله في الكتاب المقدس.“ بالرغم من صحّة الجزء القائل بأن الأشياء لا تعتبر صحيحة لمجرد أنَّ شخصاً ما يقولها، إلا أن الله هو الإستثناء من هذه القاعدة لأن الله هو من يحدد الحقيقة. 

قد يقول آخر: ”قوانين الطبيعة تقود عمليات الكون. لذلك فإنه لا يجب أن تَستَخدِم المعجزات في تفسيرك لأصل الأشياء التي في الكون“ إن هذا مثال عن المغالطة عينها. فبالرغم من أنَّ الله عادة ما يتمم مشيئته ضمن قوانين الطبيعة، إلا أنَّ الخلق ليس عملاً اعتيادياً وهو استثناء من تلك القاعدة العامة.

مغالطة التقسيم – The Fallacy of Division 

وتحدث حين يُعتَقد بأن ما يصحّ للمجموعة هو صحيح بالنسبة للأفراد. وهي تعمل بشكل معاكس لمغالطة التركيب أو التعميم السابقة. وكمثال على هذه المغالطة ”إن الإنسانَ الحيّ يتكوَّن من الذرّات، وبالتالي فإن الذرّات هي حيّة.“

يوجد مجموعة إضافية من المغالطات المشابهة التي سوف نقوم بتقديمها في منشوراتٍ لاحقة.