البحث عن موسى

استمع إلى المقال

بقلم:

ملخص

لقد امتد حكم الأسرة الثامنة عشر بحسب التقسيم الزمني التقليديّ المصري من حوالي العام ١٥٥٠ وحتى العام ١٣٢٠ قبل الميلاد. وبحسب التقسيم الزمني للكتاب المقدس فإن الخروج قد حدث حوالي العام ١٤٤٦ قبل الميلاد. لكن لا يوجد أي دليل من سجلات الأسرة المصرية الثامنة عشر على وقوع كارثة كُبرى مشابهة لتلك التي ستنجم عن الضربات العشر التي ضربت أرض مصر، أو تدمير الجيش المصري خلال تلك الفترة. ولا يوجد أي دليل أثري على غزو أراضي فلسطين من قبل يشوع خلال الفترة المذكورة.

إن الحلَّ لهذه المشكلة يكمن في الإعتراف بأنه يجب تقليص التقسيم الزمني المصري لعدة قرون، وبذلك سيتم إرجاع الأسرة المصرية الثانية عشر إلى زمن موسى والخروج. عندما يتم إجراء ذلك [التقليص] فإننا سنجد أن الأدلة كثيرة على كل من: وجود أعداد كبيرة من العبيد الساميّين في زمن موسى، ودمار مصر والرحيل المفاجئ لهؤلاء العبيد.

إضافةً إلى ذلك، فإن تقليص التقسيم الزمني المصري سينعكس من خلال تفسير العصور الجيولوجية في اسرائيل. حيث لا يوجد الكثير من الأدلة على غزو فلسطين في نهاية العصر البرونزي المتأخر. إلا أنَّ نهاية العصر البرونزي المبكر تمتلك أدلة على سقوط أسوار أريحا ووصول شعب جديد يحمل ثقافةً جديدة، ولابد أن يتم تحديد هذه الأحداث وربطها مع اسرائيل الغازية تحت حكم يشوع.


التحدي الذي يواجه الكتاب المقدس

حمل غلاف العدد الثامن عشر من كانون الأول / ديسمبر من عام ١٩٩٥ من مجلة تايمز صورة لموسى ممسكاً بلوح حجري عليه الوصايا العشر، وفي وسط الصفحة طُرحَ سؤال يقول: ”هل الكتاب المُقدَّس حقيقة أم خيال؟“.

يدَّعي المقال أنَّه يوجد

”أجزاء من العهد القديم حيث أن الأدلة متناقضة أو أنها لاتزال مفقودة، بما في ذلك العبودية في مصر، ووجود موسى، وخروج يشوع والغزو العسكري للأرض المقدسة… كاثلين كينيون، التي قامت بالتنقيب في أريحا لمدة ست سنوات، لم تجد أيَّ دليل على الدمار [الذي يُفترض أنَّه وَقَع] في ذلك الوقت“ (ص٤٥).

في الحقيقة، تدّعي أن أريحا لم تكن مأهولةً بالسكان في العام ١٤٠٠ قبل الميلاد، وهو التاريخ التوراتي للخروج.

”عندما يتم تقييم المواد في ضوء معرفتنا الحالية، يتضح وجود فجوة كاملة سواء من ناحية الرواية أو من ناحية المقابر وذلك بخصوص الفترة الممتدة بين ١٥٨٠ قبل الميلاد و١٤٠٠ قبل الميلاد“.1

إن التعبير [المستخدم] ”في ذلك الوقت“ هو تعبير مهمّ للغاية. فالحقيقة أنه يوجد الكثير من الأدلة التي تؤكد على كلّ من العبودية في مصر، ووجود موسى، وخروج يشوع، والدخول العسكري بقيادة يشوع إلى الأراضي المقدسة. وقد كشف البروفيسور غارستاند في أريحا النقاب عن جدران مهدّمة وطبقة سميكة من الرماد في جميع أنحاء التلّ مما يشير إلى أنَّه قد تم إضرام النيران بشكل متعمد.

”الجدار الخارجي قد عانى أكثر من غيره، بقاياه تنتشر على المنحدر …. من الواضح أن آثار النيران الشديدة كانت واضحة، بما في ذلك كُتل الطوب الأحمر والأحجار المتصدعة والأخشاب المُتفحّمة والرماد. لقد تمَّ العثور على منازل محترقة ومهدَّمة ومتواجدة بجانب الجدار، وقد سقطت أسقفها على الآنية الفخارية المنزلية المتواجدة ضمنها.“2

إلا أن ماسبق لم يكن قد وقع في الوقت الذي قام علماء الآثار بربطه مع هذا الحدث.

”كان يُعتقد بحسب الحفريات السابقة أنه قد تمَّ اكتشاف الجدران الدفاعية لمدينة العصر البرونزي المتأخر، وأن الزلازل والحرائق قد تسبَّبت بدمارها. وقد اتضح من خلال الحفريات الأخيرة أن هذه الجدران قد تمَّ تحديد زمنها عن طريق الخطأ. فهي تنتمي في الواقع إلى العصر البرونزي المُبَكِّر.“3

يمكن من خلال المعلومات الموجودة في الملوك الأول ٦: ١، حساب تاريخ الخروج. فنقرأ: ”وَكَانَ فِي سَنَةِ الأَرْبَعِ مِئَةٍ وَالثَّمَانِينَ لِخُرُوجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِمُلْكِ سُلَيْمَانَ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فِي شَهْرِ زِيُو وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّانِي، أَنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ لِلرَّبِّ.“

يتفق معظم المؤرخين على أنَّ سليمان قد اعتلى العرش في حوالي العام ٩٧٠ قبل الميلاد.4 وبالتالي فإن سنته الرابعة سوف تكون موافقةً للعام ٩٦٦ قبل الميلاد، أما السنة التي سبقت ذلك التاريخ ب٤٨٠ سنة فإنها سوف توافق العام ١٤٤٦ قبل الميلاد. وبناءً على التواريخ التقليدية المقبولة من قِبَل معظم علماء الآثار، فإن ذلك التاريخ سوف يتوافق مع فترة حكم الأسرة الثامنة عشر في مصر.

مراجعة مقترحة للتقسيم الزمني المصري

على الرغم من عدم وجود دليل على وجود موسى أو الضربات العشر التي وقعت في أرض مصر ”في ذلك الوقت“، إلا أنَّه يوجد عدد من العلماء الذين يدَّعون بوجود خطأ فادح في التقسيم الزمني الذي حدث في عملية احتساب تواريخ التاريخ المصري وأنَّه ينبغي أن يتمَّ تقليص ذلك التقسيم الزمني لعدة قرون.5 يمكن أن تؤدي عملية إعادة التأريخ هذه إلى إرجاع الأسرة الثانية عشر إلى زمن موسى، ويوجد الكثير من الأدلة الظرفية التي [في تسجيلات] تلك السلالة والتي تدعم السجلات التوراتية.

لقد كان سيسوستريس الثالث من أواخر ملوك الأسرة الثانية عشر. وقد تمَّ تصويره من خلال تماثيله على أنَّه طاغية قاسٍ وقادر على استعباد رعاياه بعبودية قاسية. وابنه كان أمنمحات الثالث، والذي يبدو أنَّه كان يمتلك شخصية بغيضة. وربما يكون قد حكم لمدة ٤٦ عاماً، وولادة موسى ستكون مترافقةً مع بدايات حكمه.

قد يكون لأمنمحات الثالث ابناً واحداً، يُعرف بإسم أمنمحات الرابع، وهو شخصية غامضة وربما يكون قد خلفَ والده أو أنَّه كان وصياً على العرش بالتشارك معه. فإن كان قد حكم بالتشارك مع أبيه فهذا يعني بأنَّه من الممكن أن يكون أمنمحات الرابع هو موسى. وقد اختفى أمنمحات الرابع في ظروف غامضة وذلك قبل وفاة أمنمحات الثالث.

كان لأمنمحات الثالث ابنةً اسمها سُبك-نفرو. ومن المعروف أنه لم يكن لها أولاد.6 فإن كانت هي ابنة فرعون التي نزلت إلى النهر لتستحم، فإنه من السهل معرفة السبب وراء تواجدها في ذلك المكان. فالسبب ليس هو عدم امتلاكها لحمّام في قصرها. بل إنها كانت ستذهب إلى النهر لتغتسل ضمن طقس شعائري وتصلي إلى إله النيل هابي، والذي كان أيضاً إله الخصوبة. ولأنه لم يكن لها أولاد فإنها كانت بحاجة لذلك الإله، وعندما وجدت الطفل الجميل موسى هناك، فإنها كانت ستعتبر تلك الحادثة استجابةً لصلواتها (الخروج ٢: ٥-٦).

ولكن عندما بلغ موسى سنَّ الرشد وضع نفسه إلى جانب شعب اسرائيل واضطر إلى الفرار من مصر. وقد ترك هذا الأمر فراغاً على العرش، وعندما توفي أمنمحات الثالث فإنه لم يكن له خليفة ذكر ليجلس على عرشه. فاعتلت سُبك-نفرو العرش وحكمت لمدة ثمانية سنوات كفرعون، وبوفاتها انتهت فترة حكم الأسرة الثانية عشر وخلفتها الأسرة الثالثة عشر.

العبيد الإسرائيليّون

على مدى الخمسة عشر سنة الماضية، كنت أقود حملة لإعادة تنقيح التقسيم الزمني المصري.7 وقد أدَّى هذا الأمر إلى التعرّيف عن العبيد الساميّين، الذين كانوا يعملون في بناء أهرامات الأسرة الثانية عشر في قرية الكاهون في الفيّوم، وهم العبيد الإسرائيليّون الذين تتم الإشارة إليهم في سفر الخروج. قبل خمسة عشر عاماً، كان يُنظَرُ إليَّ على أنني منفصل عن الواقع الأثري، إلا أنَّ الزمن قد غير كلَّ ذلك.

بالطبع، كان الدكتور إيمانويل فيليكوفسكي قد اقترح التنقيح عينه وذلك قبل أن أقوم أنا به،8 وهو الأمر عينه الذي اقترحه الدكتور دونوفيل كورفيل،9 إلا أنَّهما قد تعرضا للتجاهل وذلك لأنهما لم يكونا عالمي آثار. ومنذ ذلك الحين، انضم علماء الآثار المُعترف بهم إلى جوقة [المطالبين] بالمراجعة.

في العام ١٩٩١ قام بيتر جيمس بنشر كتابه الذي يحمل عنوان ”قرون من الظلمة“، وقد ادَّعى أنَّ التقسيم الزمني المصري يجب أن يتم تخفيضه بمقدار ٢٥٠ عام.10 إن جيمس كان باحثاً ذائع الصيت، وقد حمل كتابه مقدمة للبروفيسور كولين رينفرو من جامعة كامبريدج، معترفاً فيها بأنَّه يوجد ”ثورة كرونولوجية قادمة“ (ص ١٦)، وقد قدَّم تصريحات بأنَّه ”يجب أن يتم إعادة كتابة التاريخ“ (ص ١٤). في العام ١٩٩٥، نشر ديفيد روهل كتاباً يحمل عنوان ”اختبار للوقت“، وقد ادعى فيه أنَّه يجب أن يتم تقليص التقسيم الزمني لمصر بمقدار ٣٥٠ عاماً.11 كل هذا سيعني بأنَّ نهاية فترة حكم الأسرة الثانية عشر ستؤرَّخ إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي يتوافق بشكل تقريبي مع تاريخ الخروج بحسب الكتاب المقدس، وأنَّ العبيد المعروفين بأنهم قد عاشوا في الكاهون وعملوا في بناء أهرامات الأسرة الثانية عشر، كانوا عبيداً اسرائيليّين.

وقد خَلُصَ البروفيسور براينت وود، وهو أحد زملاء البحث التوراتي، إلى أنَّ العبيد الساميّين الذين عاشوا في قرية الكاهون كانوا من بني اسرائيل.12 ويخلص إلى أن فترة ٤٣٠ سنة13،14 المذكورة في الخروج ١٢: ٤٠ لم تكن الفترة الإجمالية من ابراهيم إلى الخروج كما يبدو عليه الأمر من خلال قراءة رسالة غلاطية ٣: ١٧، لكنها الفترة الفعلية لوجود الإسرائيليّين في مصر. إن هذا الإفتراض سوف يقوم بوضع العبيد الإسرائيليّين في فترة حكم الأسرة الثانية عشر.

ويتوافق هذا الدليل مع السجل التوراتي الذي يقول:

ثُمَّ قَامَ مَلِكٌ جَدِيدٌ عَلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ. فَقَالَ لِشَعْبِهِ: «هُوَذَا بَنُو إِسْرَائِيلَ شَعْبٌ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنَّا. هَلُمَّ نَحْتَالُ لَهُمْ لِئَلاَّ يَنْمُوا، فَيَكُونَ إِذَا حَدَثَتْ حَرْبٌ أَنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إِلَى أَعْدَائِنَا وَيُحَارِبُونَنَا وَيَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ». فَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهُمْ بِأَثْقَالِهِمْ، فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ. الخروج ١: ٨-١١

قام السير فلينديرز بيتري بالتنقيب في مدينة الكاهون في الفيوم وقد كتبت الدكتورة روزالي ديفيد كتاباً عن أعمال التنقيب التي قام بها، وقالت فيه:

”من الواضح أن الآسيويّين كانوا موجودين في المدينة بعدد لابأس به، وقد يكون هذا الأمر مخالفاً للوضع السائد في أماكن أُخرى في مصر… لا يمكن أن يتم تحديد وطنهم بالضبط في سوريا أو فلسطين… سبب وجودهم في مصر لايزال غير واضح.“15

لم يستطع كل من روزالي ديفيد أو فلينديرز بيتري تحديد شخصية هؤلاء العبيد الساميّين وربطها مع بني اسرائيل وذلك لأنهم تمسّكوا بالتقسيم الزمني التقليدي الذي وضع الحدث التوراتي بعد عدة قرون من الأسرة الثانية عشر.

لقد وُجِدَ اكتشاف آخر مثير للإهتمام قام به بيتري ”الصناديق الخشبية الأكبر حجماً، والتي كانت تستعمل في الغالب لتخزين الملابس، قد وُجِدَت تحت أرضيات العديد من المنازل في الكاهون. كانت تحتوي على أطفال، وفي بعض الأحيان كان يتم دفن اثنين أو ثلاثة في صندوق واحد، وتبلغ أعمارهم بضعة أشهر فقط عند الموت.“16

يوجد تفسير توراتي لهذا الأمر. إن فرعون قد أصدر أمراً لقابلتي العبرانيّين قائلاً ”حِينَمَا تُوَلِّدَانِ الْعِبْرَانِيَّاتِ وَتَنْظُرَانِهِنَّ عَلَى الْكَرَاسِيِّ، إِنْ كَانَ ابْنًا فَاقْتُلاَهُ، وَإِنْ كَانَ بِنْتًا فَتَحْيَا“ (الخروج ١: ١٦). لكن قابلتي العبرانيّين قد تجاهلتا هذا الأمر لذلك ”أَمَرَ فِرْعَوْنُ جَمِيعَ شَعْبِهِ قَائِلاً: «كُلُّ ابْنٍ يُولَدُ تَطْرَحُونَهُ فِي النَّهْرِ، لكِنَّ كُلَّ بِنْتٍ تَسْتَحْيُونَهَا».“ (الآية ٢٢). لا بد أن العديد من الأطفال قد اختطفوا من أحضان أمهاتهم الثكالى وقُتلوا. وعلى ما يبدو أنهنَّ قد قُمنَ بدفنهم في صناديق طُمرت تحت أرضيات المنازل.17

ومن السمات المميزة الأُخرى لاكتشافات بيتري حقيقية أن هؤلاء العبيد قد اختفوا بشكل مفاجئ عن المشهد العام. وقد كتبت روزالي ديفيد:

”من الواضح أنَّ استكمال هرم الملك لم يكن السبب وراء هجر سكان الكاهون لمدينتهم، وتركهم لأدوات منازلهم وممتلكاتهم الأُخرى في المتاجر والمنازل.“18
”يوجد آراء مختلفة تتعلق بكيفية النظر إلى ربط هذه الفترة بفترة إشغال كاهون من قِبَلِ السكان… . قد تشير كمية وامتداد ونوعية المواد المتروكة والتي يتم استخدامها بشكل يومي إلى أنَّ الرحيل كان أمراً مفاجئاً وغير مدروس“.19

وَكَانَ عِنْدَ نِهَايَةِ أَرْبَعِ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ، أَنَّ جَمِيعَ أَجْنَادِ الرَّبِّ خَرَجَتْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. (الخروج ١٢: ٤١).

الضربات العشر على أرض مصر

إن استجابة فرعون لمطالب موسى بالسماح لعبيده بالرحيل كانت نتيجةً للضربات العشر التي تسبَّبت بدمار أرض مصر (الخروج ٧-١٢). تحولت مياه نهر النيل إلى دم، وأصيبت القطعان والمواشي بالوباء، وضرب البرق وأحرق الكثير من المواد، وضرب البرد المحاصيل الزراعية وأشجار الفاكهة، وغطَّى الجراد البلاد وأكل ما بقي من المحاصيل الخضراء. وكان من الممكن أن ينهار الإقتصاد المصري لدرجة أنه لابد من وجود تسجيلات لمثل هذه الكارثة التي أصابت البلاد – وهذا هو واقع الحال.

يوجد برديّة في متحف ليدن الهولندي وهي مكتوبة في فترة لاحقة، لكن معظم العلماء يدركون أنها نسخة من بردية [دوّنت] من فترة حكم أسرة سابقة. من الممكن أن تكون [قد دُوِّنَت] من الأسرة الثالثة عشر لتصف الظروف التي سادت بعد أن وقعت الضربات العشر. ونجد فيها التالي:

كلا، ولكن القلب عنيف. الداء في كل الأرض والدم في كلّ مكان…. كلا، لكن النهر دم. وهل يشرب منه الإنسان؟ كإنسان إنه يرفضه. يعطش إلى الماء…. كلا، لكن البوابات والأعمدة والجدارن تأكلها النيران…. كلا ولكن الرجال قليلون. ذلك الذي دفن أخاه في الأرض هو في كل مكان…. كلا ولكن المولود الإبن-العظيم للإنسان لم يعد من الممكن التعرف عليه…. لقد أتى الغرباء من الخارج إلى مصر…. كلا، لكن الذرة قد خَرِبَت في كل مكان. يُجَرَّد الناس من الملابس والعطور والزيوت. الجميع يقول ”ليس هنالك من مزيد“. المخازن خاوية…. لقد أُخِذَ الملك من قِبَل الفقراء.20

فرعون الخروج

يوجد سجلات للعبودية في عهد آخر حكام الأسرة الثانية عشر – سيسوستريس الثالث وأمنمحات الثالث وسُبك-نفرو (تُدرج البعض منها شخصية غامضة تُعرف بإسم أمنمحات الرابع قبل سُبك-نفرو). كانت وفاة سُبك-نفرو إعلاناً لنهاية حكم الأسرة الثانية عشر وذلك لأنه لم يكن لديها أطفال. فموسى، الوريث المُتبنَّى، قد هرب إلى مديان.

أعقب زوال حكم الأسرة الثانية عشر فترة من عدم الإستقرار. وقد تعاقب أربعة عشر ملكاً على الحكم ولكن فترة حكمهم كانت قصيرة جداً، ومن المحتمل أن الملوك الأوائل كانوا يتسلطون على الدلتا قبل نهاية حكم الأسرة الثانية عشر. كان ملوك الأسرة الثالثة عشر قد بدأوا بشكل فعلي بحكم شمال شرق الدلتا ـ وعندما انتهى حكم الأسرة الثانية عشر، ملأوا الفراغ واستولوا على السلطة بوصفهم الأسرة الثالثة عشر. (لم تكن فكرة السلالات فكرةً مصرية في ذلك الوقت. إنها اختراع لاحق من قِبَل مانيثو، وهو الكاهن المصري من القرن الثالث قبل الميلاد والذي ترك سجلاً لتاريخ مصر وقسَّم الملوك إلى سلالات [أو أُسَر حاكمة].)

أدى صعود هؤلاء الملوك إلى السلطة إلى صراع شرس فيما بينهم، مما أدى إلى تعاقب سريع للحكام إضافة إلى انتشار جزئيّ للفوضى في البلاد. لم تهدأ الأمور إلى أن تولى نفر حتب العرش واستعاد بعض الإستقرار ، وحكم لمدة أحد عشر عاماً.

أنا أُحدِّد شخصية نفر حتب الأول (خعسكر) على أنَّه هو الفرعون الذي طالبه موسى بأن يطلق شعب اسرائيل. والسبب الذي يدفعني إلى القيام بذلك هو أن بيتري قد وجد جعرانات لملوك سابقين في الكاهون.21 لكن آخر جعران وجده هناك كان لنفر حتب، والذي كان على ما يبدو الفرعون الحاكم لمصر عندما غادر العبيد الإسرائيليّون الكاهون بشكل مفاجئ وهربوا من مصر كما يرد في الخروج. وفقاً لمانيثو، كان آخر الملوك الذين حكموا مصر في الفترة التي سبقت إحتلال الهكسوس لمصر ”دون قتال“. دون قتال؟ أين كان الجيش المصري؟ إن الجيش المصري كان غارقاً في قاع البحر الأحمر (الخروج ١٤: ٢٨). إن خعسكر- حتب الأول ربما يكون هو فرعون الخروج. ولم يتم العثور على مومياء له.

في محاضرة ألقاها البروفيسور وود، ربط اسم رعمسيس المذكور في التكوين ٤٧: ١١ والخروج ١: ١١، ١٢: ٣٧ بالكلمة المصرية ”RW3TY“، والتي تعني ”بوابة الطريقين“. إنه يقوم بربطها مع الطبقة 22d/2 التي من المركز السكاني الجديد في تل الضبا (أڤاريس، عاصمة الهكسوس)، وهو موقع يتم التنقيب فيه من قِبَل عالم الآثار النمساوي مانفريد بيتاك. وفقاً لبيتاك، فإن هذه الطبقة الأثرية تحتوي على دليل أكيد على وجود عنصر كنعاني. وفي الطبقة d/2 يقوم وود بربطها مع الإسرائيليّين في مصر.12

إن أولئك الذين يعتبرون أن رعمسيس الثاني هو فرعون الخروج يستشهدون بهذه الآيات التي تتضمن اسم ”رعمسيس“ كدليل لدعم تحديدهم هذا. لكن إن كان رعمسيس هو فرعون الخروج، فيجب أن يكون جسده في قاع البحر الأحمر، وليس في متحف القاهرة حيث هو متواجد اليوم. إن الجدل الذي يقدمه وود يزيل ضرورة ربط اسم رعمسيس بآيات الكتاب المقدس.

الخلاصة

يوجد الكثير من الأدلة التي تدعم عبودية الإسرائيليّين في مصر – والإختفاء المفاجئ لهؤلاء العبيد، ودمار مصر نتيجةً للضربات العشر، وتدمير الجيش المصري – وذلك إن قمنا بالبحث في الزمن المناسب، فالزمن هو عنصر حيويّ ومهم في تفسير التاريخ القديم.

وفقاً لتسجيلات الكتاب المقدس، إن حدث الخروج قد وقع قبل ٤٨٠ عاماً من قيام سليمان بوضع أساسات الهيكل الذي بناه في أورشليم (الملوك الأول ٦: ١). هذا سيضع حدث الخروج في حوالي ١٤٤٦ قبل الميلاد. كان عهد الله مع ابراهيم قبل ٤٣٠ سنة (الخروج ١٢: ٤٠، غلاطية ٣: ١٦-١٧) أي حوالي العام ١٨٥٠ قبل الميلاد. ومن خلال أعمار أسلافه رجوعاً إلى نوح، والواردة في التكوين ١٢ و١٣، يمكننا أن نقوم بحساب يفيد أن الطوفان العظيم قد حدث قبل ٤٢٧ سنة، أي حوالي العام ٢٣٠٢ قبل الميلاد. لكن وفقاً لمعظم المراجع حول التقسيم الزمني المصري، فإن بناء الأهرامات قد تمَّ حوالي العام ١٥٥٠ قبل الميلاد، وأن أولى الأسر التي حكمت مصر كانت في العام ٣١٠٠ قبل الميلاد.23

وبالتالي فإنه يوجد اختلاف وتعارض بين التقسيم الزمني المصري وفق التفسير العام له وبين السجلات التوراتية. فلم يكن من وجود للأسرة المصرية الأولى أو الأهرامات قبل الطوفان. فإذا كان الكتاب المقدس موثوقاً به من الناحية التاريخية، كما أعتقد، فلا بدَّ من وجود خطأ في التفسير العام للتأريخ المصري الذي يجب أن يتم تقليصه لعدة قرون.

إن القضية واضحة. إن قبول التقسيم الزمني الحالي للتاريخ المصري، ورفض التقسيم الزمني التوراتي، يفتح الباب للتشكيك في بقية السجلات الكتابية المبكرة، بما في ذلك السرد الذي يتناول الخلق الذي حدث في ستة أيام. ولكن إن تبيَّن أن التقسيم الزمني المصريّ معيب، فإنَّ عقبةً رئيسية أمام قبول سجلات الكتاب المقدس سوف تزول، والتاريخ المدوّن في سفر التكوين سيبقى صالحاً.

مراجع

  1. Kenyon, K., Archaeology on the Holy Land, Praeger, New York, p. 198, 1964.
  2. Garstang, J., The Story of Jericho, Marshall, Morgan and Scott, London-Edinburgh, p. 136, 1948.
  3. Kenyon, Ref. 1, p. 210.
  4. Mazar, A., Archaeology and the Land of the Bible, Doubleday, New York, p. 369, 1992; Ben-Tor, A., The Archaeology of Ancient Israel, Yale University Press, p. 304, 1994.
  5. James, P. et al., Centuries of Darkness: A Challenge to the Conventional Chronology of the Old World Archaeology, Rutgers University Press, p. 318, 1991; Rohl, D., A Test of Time, Century Ltd, London, p. 143, 1995.
  6. Edwards, I.E.S. et al., The Cambridge Ancient History, Vol. II, part I, Cambridge University Press, p. 43, 1975; David, R., Ancient Egypt, Harper Collins, p. 20, 1988
  7. Diggings, Vol. 1, No. 3, p. 2, March 1985.
  8. Velikovsky, I., Ages in Chaos, Doubleday, New York, 1952.
  9. Courville, D.A., The Exodus Problem and its Ramifications, Challenge Books, Loma Linda, 1971.
  10. James, Ref. 5, p. 318.
  11. Rohl, Ref. 5, p. 143.
  12. Wood, B., New evidence for Israel in Egypt, Newsletter of the Horn Archaeological Museum, p. 3, Winter–Spring 1999.
  13. فيما يتعلق بالسنوات الأربعمئة والثلاثون المذكورة في الخروج ١٢: ٤٠، يوجد مدرستان فكريتان رئيسيتان. إحداهما تعتبر أن هذه السنوات تُعبِّر عن الفترة التي تبدأ بدخول اسرائيل إلى مصر أو بداية العبودية، والأُخرى تبدأ بالعهد مع ابراهيم. وكما يرد في ترجمة الملك جيمس، فإن نص الخروج ١٢: ٤٠ يبدو كما لو أنَّه يشير إلى دخول اسرائيل إلى مصر، لكنني أعتقد اللغة العبرية المستخدمة في سفر الخروج يمكن أن تتم ترجمتها بطريقة تدعم كلاً من الرأيين. لذلك فإنني أُفضّل أن أقوم ببناء الإستنتاج بالإعتماد على غلاطية ٣: ١٧، والتي يبدو أنها تقوم بوضع هذه الفترة الزمنية كبداية للعهد مع ابراهيم. وذلك استناداً إلى أعمار الآباء البطاركة المعنيّين بتلك الفترة، لذلك فإنني سأقوم بتقديرها على أساس أنها ٢١٥ عاماً من العهد مع ابراهيم وحتى دخول يعقوب إلى مصر و٢١٥ عاماً في مصر. ليس من الممكن أن يتم تحديد السنوات التي قضاها اسرائيل في العبودية، لكن بالإعتماد على الفراعنة المتورطين، أستطيع أن أقترح فترة تمتد لحوالي ١٠٠ عام.
  14. See also: Beechick, R., Sojourn of the Jews; Williams, P., Reply to Beechick, Letters to the editor, TJ 15(1):60–61, 2001.
  15. David, A.R., The Pyramid Builders of Ancient Egypt: A Modern Investigation of Pharaoh’s Workforce, Guild Publishing, London, p. 191, 1996.
  16. David, Ref. 15, Plate 16.
  17. إن كان من الممكن أن يتم تحديد جنس الأطفال ليكونوا جميعاً أو معظمهم من الذكور، فإن ذلك سيتفق مع المرسوم الذي أصدره فرعون بقتل جميع الأطفال الذكور. عندما زارت الدكتورة روزالي ديفيد أستراليا قبل عامين، سألتها عما إذا كان جنس الأطفال الذين عثَرَ عليهم بيتري معروفاً. فأجابت أنَّه لسوء الحظ لم يُرسل بيتري سوى ثلاثة هياكل عظمية إلى المتاحف الأوروبية وقد ضاعت جميعها. ولا يمكن أن يتم تعقّب أيٍّ منها. وقد قام بيتري بدفن ما تبقى من الهياكل العظمية في الكثبان الرملية، لكن لا أحد يعرف في أيّ الكثبان الرملية لأنَّه لم يترك أيَّ سجل لذلك.
  18. David, Ref. 15, p. 195.
  19. David, Ref. 15, p. 199.
  20. Erman, A., Ipuwer Papyrus, Leiden Museum, quoted from The Ancient Egyptians, a source book of their writings, Harper and Row, New York, pp. 94–101, 1966.
  21. يشير الجعران في التقارير المتعلقة بعلم الآثار إلى الأختام المستخدمة في ختم المستندات وعلى الرغم من ذلك فإنها كانت تُستَخدم في الغالب كنوع من الزخرفة. في كلتا الحالتين، كانت مصنوعةً من الحجر أو المعدن أو الفخار، مع شكل خنفساء الجعران في الأعلى ونقش اسم الملك ولقبه في الأسفل، لذلك عندما يتم الضغط باستخدامه على الطين الربط (الصلصال) فإنه يترك ذلك الأثر.
  22. بعد أن استكمل علماء الآثار تقاريرهم، قاموا بتحديد طبقات امتلاك الأرض (أو احتلالها من قِبَل السُّكان) من الأسفل إلى الأعلى، بحيث تكون الطبقة الدنيا هي البرونزية المبكرة، والتي تليها هي البرونزية المتوسطة، والتي تليها هي البرونزية المتأخرة، أما الطبقة العليا فهي من العصر الحديدي ومايليه. ولكن عندما بدأوا في الحفر لأول مرة لم يكونوا عارفين بما هو موجود في أسفل تلك الطبقات التي ينقبون فيها، لذلك فإنهم قاموا بترقيم الطبقات من الأعلى إلى الأسفل وترقيمها تسلسلياً ١، ٢ ، ٣ وهلم جرا. من المحتمل أن يتم تقسيم باستخدام الأحرف في وقت لاحق، لذلك فإن d/2 ستكون هي الطبقة الثانية من الأعلى. والتي يمكن أن يتم تقسيمها إلى أجزاء أخرى باستخدام الأرقام.
  23. Gardiner, Sir A., Egypt of the Pharaohs: An Introduction, Oxford University Press, pp. 430, 434, 1964.