نجم الميلاد – نجم المسيح

فهرس العناوين

مقدمة

بيت لحم

هيرودس

المجوس

كم كان عدد المجوس الذين زاروا المسيح؟

معرفة المجوس

ماذا عن النجم الذي ظهر؟ ما هو؟ كيف عرف المجوس أن هذا هو نجم المسيح؟

لماذا أورشليم؟

أين هو المولود ملك اليهود؟

الأشخاص لا يولدون ملوكاً

نجمه في المشرق

اضطراب هيرودس

هيرودس الملك ورؤساء اليهود

الرؤيا الثانية للنجم

فرح المجوس

رأوا الصبي

طبيعة النجم وماهيته

الجرم السماوي الثابت

خمسة مُعضلات

مُلخص

مقدمة

إن الإصحاح الثاني من البشارة كما دونها متى هو السجل الوحيد في الكتاب المقدس الذي ينقل لنا السرد التاريخي المرتبط بظهور النجم الذي رافق تجسد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، وقاد المجوس في رحلتهم الطويلة ليقدموا هدايا ويسجدوا له؛ لذلك فإن أفضل طريقة للبدء في التعامل مع هذه القضية ستكون من خلال قراءة السرد الإنجيليّ.

”ولمّا وُلِدَ يَسوعُ في بَيتَ لَحْمِ اليَهودِيّةِ، على عَهْدِ المَلِكِ هِيرودُسَ، جاءَ إلى أُورُشليمَ مَجوسٌ مِنَ المَشرقِ وقالوا: «أينَ هوَ المَولودُ، مَلِكُ اليَهودِ؟ رَأَيْنا نَجْمَهُ في المَشْرِقِ فَجِئْنا لِنَسْجُدَ لَه». وسَمِعَ المَلِكُ هِيرودُسُ، فاَضْطَرَبَ هوَ وكُلّ أُورُشليمَ. فجَمَعَ كُلّ رُؤساءِ الكَهَنةِ ومُعَلّمي الشّعْبِ وسألَهُم: «أينَ يولَدُ المَسيحُ؟» فأجابوا: «في بَيتَ لَحْمِ اليَهودِيّةِ، لأنّ هذا ما كَتَبَ النَبيّ: «يا بَيتَ لَحْمُ، أرضَ يَهوذا، ما أنتِ الصّغْرى في مُدُنِ يَهوذا، لأنّ مِنكِ يَخْرُجُ رَئيسٌ يَرعى شَعْبي إِسرائيلَ». فَدَعا هيرودُسُ المَجوسَ سِرّا وتَحقّقَ مِنْهُم مَتى ظَهَرَ النّجْمُ، ثُمّ أرسَلَهُم إلى بَيتَ لَحْمَ وقالَ لَهُم: «اَذْهَبوا واَبْحَثوا جيّدًا عَنِ الطّفلِ. فإذا وجَدْتُموهُ، فأَخْبِروني حتى أذهَبَ أنا أيضًا وأسْجُدَ لَه». فلمّا سَمِعوا كلامَ المَلِكِ اَنْصَرَفوا. وبَينَما هُمْ في الطّريقِ إذا النّجْمُ الذي رَأَوْهُ في المَشْرقِ، يَتَقَدّمُهُمْ حتى بَلَغَ المكانَ الذي فيهِ الطِفلُ فوَقَفَ فَوْقَه. فلمّا رَأوا النّجْمَ فَرِحوا فَرَحًا عَظيمًا جِدّا، ودَخَلوا البَيتَ فوَجَدوا الطّفْلَ معَ أُمّهِ مَرْيَمَ. فرَكَعوا وسَجَدوا لَه، ثُمّ فَتَحوا أَكْياسَهُمْ وأهْدَوْا إلَيهِ ذَهَبًا وبَخورًا ومُرّا. وأنْذَرَهُمُ اللهُ في الحُلُمِ أنْ لا يَرجِعوا إلى هيرودُسَ، فأخَذوا طَريقًا آخَرَ إلى بِلادِهِم. وبَعدَما اَنْصرَفَ المَجوسُ، ظَهَرَ مَلاكُ الرّبّ لِيوسفَ في الحُلُمِ وقالَ لَه: «قُمْ، خُذِ الطِفْلَ وأُمّهُ واَهربْ إلى مِصْرَ وأقِمْ فيها، حتى أقولَ لكَ متى تَعودُ، لأنّ هيرودُسَ سيَبحَثُ عَنِ الطّفْلِ ليَقتُلَهُ». فقامَ يوسفُ وأخذَ الطّفْلَ وأُمّهُ ليلاً ورحَلَ إلى مِصْرَ. فأقامَ فيها إلى أنْ ماتَ هيرودُسُ، ليتِمّ ما قالَ الربّ بِلسانِ النبيّ: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ اَبني». فَلمّا رَأى هيرودُسُ أنّ المَجوسَ اَستهزَأوا بِه، غَضِبَ جدّا وأمرَ بقَتلِ كُلّ طِفْلٍ في بَيتَ لحمَ وجِوارِها، مِنِ اَبنِ سَنَتَينِ فَما دونَ ذلِكَ، حسَبَ الوَقتِ الّذي تحقّقَهُ مِنَ المَجوسِ، فتَمّ ما قالَ النبيّ إرْميا: «صُراخٌ سُمِعَ في الرّامَةِ، بُكاءٌ ونَحيبٌ كثيرٌ، راحيلُ تَبكي على أولادِها ولا تُريدُ أنْ تَتَعزّى، لأنّهُم زالوا عَنِ الوجودِ». ولمّا ماتَ هِيرودُسُ ظهَرَ ملاكُ الرّبّ ليوسفَ في الحُلمِ، وهوَ في مِصْرَ وقالَ لَه: «قُمْ، خُذِ الطّفْلَ وأُمّهُ واَرجعْ إلى أرضِ إِسرائيلَ، لأنّ الّذينَ أرادوا أنْ يَقتُلوهُ ماتوا». فقامَ وأخَذَ الطّفْلَ وأُمّهُ ورَجَعَ إلى أرضِ إِسرائيلَ. لكِنّهُ سَمِعَ أنّ أرخيلاوُسَ يَملِكُ على اليَهودِيّةِ خلَفًا لأبيهِ هِيرودُسَ، فخافَ أن يذهَبَ إلَيها. فأَنذَرَهُ اللهُ في الحُلُمِ، فلَجأَ إلى الجَليلِ. وجاءَ إلى مدينةٍ اَسمُها النّاصِرَةُ فسكَنَ فيها، لِيتمّ ما قالَ الأنبياءُ: «يُدعى ناصِريًّا».“

البشارة كما دوّنها متى ٢: ١-٢٣

بيت لحم

كانت ولادة المسيح في مدينة بيت لحمواسم هذه المدينة يعني ”بيت الخُبز“. إن هذا الإسم يتناسب بشكل كامل مع يسوع المسيح الذي هو خبز الحياة الذي نزل من السماء، وتجسد مولودا من امرأة، في مكان يحمل هذا الإسم. لم يكن هذا الأمر مجرَّد مصادفةٍ أو حدثٍ عرضيّ، إنما هو إتمام لنبوءة سبق وتمَّ تقديمها من قِبَلِ النبي ميخا ٥: ٢ ”لكنْ يا بـيتَ لحمَ أفراتةَ، صُغْرى مُدُنِ يَهوذا، منكِ يَخرجُ لي سيِّدٌ على بَني إِسرائيلَ يكونُ منذُ القديمِ، منذُ أيّامِ الأزَلِ‌.“ وهنا لا بد من الإشارة إلى إن هذه الآية هي من الآيات المهمة، ليس لمجرد أنها تُنبئ عن مكان ولادة يسوع المسيح في مدينة بيت لحم، بل أيضاً لوجود ذلك القسم الأخير في الآية الذي يُنبئ عن مجيء هذا الحاكم (سيِّدٌ) الذي سيتسلَّط على اسرائيل والذي سيأتي من بيت لحم، إضافةً إلى الوصف الذي يقول أنَّه ”يكونُ منذُ القديمِ، منذُ أيّامِ الأزَلِ‌“. لابد من أن فهم رسالة الإنجيل الأمر كان صعباً وإشكالياً على اليهود الذين عاشوا في أيام العهد القديم، على الرغم من أنهم قد وضعوا ثقتهم ورجاءهم على الرب الإله ليُخَلِّصَهم، إلا أنَّهم لم يفهموا بشكل كامل رسالة الإنجيل (البشرى السارة)، فكيف يُمكن لشخص ما أن يُولد وفي الوقت عينه يكونُ ”أَصْلُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ الأَزَلِ“ (ترجمة كتاب الحياة). إن هذه إشارة إلى لاهوت المسيح، وهذه الآية هي واحدة من الآيات المهمة للاستذكار عندما يتم التعامل مع المتشككين بلاهوت المسيح، بشكل خاصّ الهراطقة الذي لا يؤمنون بأن المسيح هو الإله المتجسّد، حيث سيقفون عاجزين عن تقديم تفسير لهذه الآية بطريقة سليمة دون الإلتفاف والقفز عن النص المكتوب. فكيف يمكن ليسوع أن يكون أزليّاً دون أن يكون ذو طبيعة لاهوتية؟

هيرودس

عند قراءة اسم هيرودس في الآيات السابقة يجب علينا أن نُدرك أنَّه يتم الحديث عن هيرودس الكبير وليس ابنه هيرودس أنتيباس الذي قام بقطع رأس يوحنا المعمدان. كان هيرودس الكبير شخصاً شريراً مستبداً للغاية. ولأخذ فكرة عن مستوى الشر الذي كان يتملكه يُمكننا أن نقوم بالإشارة إلى عدد من الممارسات التي قام بها: ١- قام بتقديم الرشاوى ليصل إلى السلطة. ٢- استخدم السلطات الرومانية التي كانت قد تسلطت على العالم المعروف آنذاك، وهي التي سمحت عادة للأمم أن يمتلكوا نظامهم الديني الخاص بهم، وفي بعض الحالات كانت تقوم باستبدال ملكهم كما في حالة اليهودية حيث أنهم قاموا بتسليم السلطة لهيرودس نتيجةً لامتلاكه علاقات قوية مع السلطات الرومانية. ٣- أمر بإعدام زوجته وولديه. ٤- وكما يشير الإصحاح الثاني فإنَّه قد أمر بإعدام جميع أولاد مدينة بيت لحم ممن هم دون عمر السنتين وذلك لأن أحدهم كان قد دُعيَ ”ملك اليهود“ في الوقت الذي لم يكن هيرودس يريد أي نوع من المنافسة. ٥- الأمر الذي أصدره قبيل وفاته قد عكس مستوى شرّه فهو قد أمر بأن يتم سجن عدد من رؤساء اسرائيل ووجه أوامر بأنَّه يجب أن يتم إعدامهم عند موته ليضمن أن يرافق رحيله الحزن وليس الفرح، ولكن شكراً للرب بأنَّ هذا الأمر لم يتم تنفيذه. إن هذه الممارسات كافية لتقديم فكرة عامة عن هذا السلوك المنحرف والإجرامي لهيرودس.

هذا هو الجو العام الذي رافق دخول المسيح إلى العالم، وإنَّه لأمر مثير للدهشة كيف أن الرب الإله يستخدم الأشياء الشريرة في العالم ليُظهِرَ مجده، فهو قد اختار الوقت الذي كانت فيه أمة اسرائيل خاضعة للحكم الروماني الفاسد ولتسلط ملك فاسد، لكي يكون يرسل ذاك الذي يبدو كما لو أنه عديم القدرة وضعيف، المسيح الطفل ليولد في عائلة فقيرة بخلاف كلّ التوقعات البشرية وبخاصة التوقعات التي كانت يمتلكها اليهود.

المجوس

المجوس هي كلمة Magi التي تعتبر مصدر كلمة magic الإنجليزية التي تعني سحر، وبالتالي فإنه يمكن أن يتم دعوتهم بإسم السَّحرة ولكن بمعنى مختلف عن المعنى المعاصر لهذه الكلمة. كان هؤلاء السَّحَرَة دارسين، وعلماء من العالم القديم، أتوا من الشرق: غالباً من بلاد فارس، وأحد الأمور التي تدعم هذا الطرح هو أن كلمة Magi هي الكلمة الفارسية التي تعني كاهن. إن الوصف المُقدَّم لمكان قدومهم يطابق الموقع الجغرافي لبلاد فارس التي تقع إلى الشرق من بيت لحم. إن بلاد فارس هي البلاد التي تحيط وتشتمل على بابل، ونجد وصف المؤرخ فيلو للمجوس بأنهم: رجال بذلوا حياتهم في دراسة الطبيعة والتأمل في الكمال الإلهي، وبأنهم جديرين بأن يكونوا مستشارين للملوك. 

في الحقيقة كانوا مستشارين للملوك وعُرِفَ عنهم ثرائهم الفاحش، على سبيل المثال: إن أراد الملك معرفة أي شيء، أو أنَّه أراد الحصول على نصيحة جيدة فإن ملجأه للحصول على ذلك كان من خلال اللجوء إلى المجوس الذين كانوا سيقومون بتسديد النصح، يجب أن يمنحنا هذا الأمر فكرة وافية عن مقدار الإحترام الذي كان يناله هؤلاء الأكاديميّين الذين ينتمون إلى العالم القديم.

كان علم الفلك بين تخصّصاتهم المتعددة، إذ أن المعارف التي توفرت في ذلك الزمن كانت محدودة إلى درجة تسمح للدارسين أن يقوموا بالإطلاع على عدد كبير من المعارف والخوض في عدد من التخصصات، وهو الأمر الذي لم يعد ممكناً وقتنا الراهن حيث أن العلوم والدراسات قد تقدمت إلى درجة أن الدارسين باتوا يتخصّصون بدراسات محدّدة تشمل جانباً ضيقاً من مجال مُعيّن من مجالات العلم. أما هؤلاء كانوا قادرين على امتلاك معرفة عن علوم مختلفة وهو الأمر الذي كان سببا في النظرة العامة إليهم من قِبَل العامَّة كما لو كانوا سَحَرَة.

إن دراستهم لعلم الفلك سوف تكون محور اهتمامنا حين سنتكلم عن النجم. ولابد لنا هنا أن نقوم بالتمييز بين ما يعنيه علم الفلك في ذلك الزمن وبين ما يعنيه في يومنا الراهن، إذ أننا حين نفكر في علم الفلك فإننا نفكر في الكواكب والأقمار وماشابه ذلك. لكن بالنسبة للعالم القديم حيث لم يوجد تلسكوبات، فإن علم الفلك كان يتعلق بمعرفة كيفية تحرك الأشياء التي تظهر في السماء الداكنة. كان يتم وصف الفلكي بالبارع إن تمكن من تقديم توقعات مسبقة بمكان الأشياء في السماء مثل الكواكب ومواقعها بالمقارنة مع النجوم الأُخرى، وكذلك نقطة ارتفاع القمر وفي أي حالة من حالاته سيكون. كما أن البعض منهم كانوا قادرين على تقديم توقعات تختص بأمور دقيقة للغاية مثل الكسوف والخسوف وهذه الأمور كانت لتشير إلى براعة وأكاديمية الدارس القادر على القيام بمثل هذه الأمور الصعبة التنفيذ وفق الإمكانيات التي كانت متوفرة. كان هذا النوع من المعرفة قد دفع بالملوك – في حال أرادوا أن يعرفوا موعد وقوع إحدى الظواهر الفلكية – إلى الإلتجاء إلى المجوس الذين كانوا الخبراء في تلك الأيام.

كم كان عدد المجوس الذين زاروا المسيح؟

إن معظم الاشخاص يعتقدون بشكل مباشر أنَّ عدد المجوس كان ثلاثةً وذلك لارتباط هذا العدد ببطاقات المعايدة التي يتم وضع ثلاثة مجوس حاملين هدايا. إلا أنَّ الكتاب المقدس لا يُقدِّم لنا معلومات عن عددهم. إن تعداد المجوس كان كبيراً، ولكننا لا نعرف كم هو عدد الأشخاص الذين أتوا من بينهم لزيارة المولود، إلا أنَّ الأمر الأكيد هو أنهم مجموعة وذلك لأن الكلمة تأتي بصيغة الجمع. ومن الأمور المعروفة عن المجوس أنهم كانوا يمتلكون جيشهم الخاص بهم، أي أنَّ هذه الفئة من الناس ليست هي الفئة التي يود أيَّ شخص أن يكسب عدائها.

إن الفكرة النمطية بأنَّ ثلاثة رجال يمتطون جمالهم ويرتحلون عبر الصحراء حاملين صناديق الهدايا إنما هي فكرة خاطئة للغاية. فالأمر المعروف هو أن الفُرس لم يكونوا من مُمتَطي الجمال، بل كانوا معروفين باستخدامهم للخيل، وغالب الأمر أنهم كانوا مجموعةً قد تصل إلى خمسين شخصاً من المجوس برفقة جيشهم الخاص. إن هذا الأمر هو أمر جلل وهذا ما تسبب باضطراب الملك هيرودس وجميع أورشليم.

إن اضراب المدينة ليس أمراً عرضياً، فغالب الأمر أنَّه يرجع إلى أن المجوس كانوا دارسين يتمتعون باحترام كبير إلى درجة أنَّه عند نشوب خلاف بين شخصين على الحكم، فإنه من الممكن أن يتم استشارة المجوس ليقرّروا ذلك الأمر. وكانوا يمتلكون القوة التي تُمكنهم من فرض اختيارهم بالإضافة إلى الجيش الذي يستطيع تنفيذ أوامرهم. لذلك يمكننا أن نتخيل الأمر الذي كان هيرودس يتفكّر فيه والهلع الذي أصابه عندما أتت هذه المجموعة من المجوس لتسأل عن ”ملك اليهود“، وليس عن هيرودس. إن أمراً من هذا النوع يدفعنا إلى الإعتقاد بأنَّ التوتّر قد سيطر على شخصية مثل شخصية هيرودس. 

إنه أمر مميز أن البشارة كما دونها متى تنقل لنا هذا الحدث الضخم والمهم في أنَّ هؤلاء المجوس (أو الحكماء) القادمين من الشرق، والذين اتَّبعوا النجم ليصلوا إلى المسيح كانوا من الأُمَم، إن هذا الأمر يجب أن يحظى بتقديرنا ويستثير انتباهنا. لم يكن اليهود هم من يبحثون عن ”ملك اليهود“ بل الأمم الذين أتوا من أحد أقسام العالم المعروف بوثنيته هُم من كانوا يبحثون عنه. لربما يكون هذا السبب هو الذي جعل هذه الحادثة تُدوَّن في انجيل متى وليس في الأناجيل الأُخرى، حيث أنَّ إنجيل متى يمتلك تركيزاً خاصّاً على هذا الجانب. إنَّ البشارة تُركز على الدور الملكي الذي لعبه يسوع المسيح بوصفه الملك الذي ينحدر من نسل داود، وهو الذي ستتبارك به جميع قبائل الأرض. وقد أعلن الدينونة على جميع أولئك الذين لم يؤمنوا في الوقت الذي جمع فيه خاصَّته من اسرائيل ومن ثمَّ قطع جميع الأغصان التي لم تأت بالثمر، وقد طعّم الزيتونة بالأغصان البرية التي هي من الأمم لتأتي بالثمر.

معرفة المجوس

إن معرفة المجوس بالكتاب المقدس تطرح سؤالاً عن الطريقة التي وصلت فيها إليهم هذه المعرفة، وخاصة أنهم يأتون من فارس وهي الأمة الوثنية. إن الكتاب المقدس لا ينقل لنا هذه المعلومات بشكل مباشر، إلا أننا نستطيع أن نقوم بإجراء تحليل لعدد من المعلومات التي يمكن استخلاصها من الأسفار المقدسة ومن مصادر تاريخية خارجية. من ناحية أولى نحن نعرف بأن مملكة يهوذا كانت قد سُبيت إلى بابل، فاليهود كانوا قد عاشوا هناك في مرحلة من المراحل. كما أن المجوس بوصفهم أكاديميّ ذلك الزمن فإنهم كانوا قادرين على الوصول إلى مختلف المستندات والكتابات الدينية، لابد أنهم قد امتلكوا مكتبة ضخمة من مختلف الحضارات، هذا الأمر قد يُفسر وصولهم إلى الوحي المقدس. ولابد لنا أن نتذكر أن اليهود كانوا قد عاشوا في بابل قبل تلك الحادثة بحوالي خمسمئة عام، حيث كان النبي دانيال قد عاش في فترة السبي ونقرأ في سفر دانيال في الإصحاح الخامس: ”أقامَهُ المَلِكُ نَبوخذنَصَّرُ أبوكَ رئيسَ السَّحَرَةِ والمَجوسِ والمُنجِّمينَ“. على الرغم من وجود اختلاف في لغة الكتابة الأصلية، حيث نجد أن سفر دانيال قد كُتب باللغة الآرامية والعبرية في حين أن متى قد كُتبَ باليونانية، أي أن الكلمة ليست ذات الكلمة المستخدمة نتيجة لاختلاف اللغة، فإننا نجد أن الترجمة السبعينية للكتاب المقدس – التي هي ترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية – تقوم باستخدام ذات اللفظ اليوناني. ويمكننا أن نعتقد أن دانيال كان قد تعيَّن رئيساً للمجوس في فترة من الفترات في أثناء وجوده في بابل. ودانيال هذا كان مطلعاً على الوحي المقدس بشكل جيّد وكان يشارك إيمانه دون خوف حتى أنَّه تعرض للاضطهاد بسبب إيمانه بالرب الإله، وهو أحد الشخصيات القليلة في الوحي المقدس التي لم يُذكر عنها أشياء سلبية.

اضافة إلى ذلك، إن سفر دانيال هو السفر الوحيد الذي يُحدد تاريخ مجيء المسيح. حيث يتحدث عن الأسابيع السبعين التي كل منها يشكل سبع سنوات وبالتالي فإنَّه يتحدث عن ٤٩٠ سنة، ونحن نعرف بأنَّ المسيح سوف يُقطع في وسط الأسبوع التاسع والستين. فالمجوس الذين هم من العلماء من نسل المجوس الذين عاصروا دانيال، لابد أنهم سينتظرون المسيح نتيجةً لوجود نبوءة تتعلق بمجيئه. كان من المفترض على اليهود أن يقوموا بالمثل، إلا أنهم كانوا منشغلين بأمور أُخرى على مايبدو.

ماذا عن النجم الذي ظهر؟ ما هو؟ كيف عرف المجوس أن هذا هو نجم المسيح؟

إن الكتاب المقدس لا يُعْلِمُنا بشكل صريح عن كيفية معرفتهم بأن النجم هو نجم المسيح، فالنجم يدل على ولادة ملك اليهود. لكن يُمكننا أن نُخمِّنَ أن هذه هي نبوءة بلعام ابن بعور الواردة في سفر العدد ٢٤: ١٧ ”أراهُ وهوَ غيرُ حاضرٍ، وأُبصِرُهُ وهوَ غيرُ قريـبٍ. يطلَعُ كوكبٌ مِنْ بَني يعقوبَ ويقومُ صَولَجانٌ مِنْ بَني إِسرائيلَ، فيُحَطِّمُ جِهَةَ موآبَ ويسحَقُ جميعَ بَني شيتَ‌“ إن هذه النبوءة تتحدث وبشكل مباشر عن الملك الذي سيخرج من اسرئيل حيث أن الصولجان يرمز إلى المُلك وهو نوع من الإستعارة المجازية حيث يتم استخدام الجزء للتعبير عن الكل فالصولجان هو قضيب المُلك الذي يحمله الملك لقيادة شعبه. وبالتالي فالنبوءة تشير إلى أن قيام هذا الملك سيترافق مع بروز الكوكب (النجم) وهو أمر يتوافق مع الأحداث التي رافقت ولادة يسوع وهذا الأمر الذي تشير إليه معظم التفاسير الكتابية. بالطبع لا نستطيع أن نكون متعصبين تجاه هذا التفسير إلا أنَّه التفسير الأنسب ولابد أن المجوس كانوا على معرفة بهذه هذه النبوءة. فالنجم مرتبط بظهور الملك المنتظر أما التاريخ فهو مُحدَّد من خلال نبوءة دانيال. فالمجوس كانوا يتوقعون ظهور النجم فوق اسرائيل في الوقت الموافق لظهور الملك.

لماذا أورشليم؟

في نهاية الآية الأولى نقرأ أنَّ المجوس قد وصلوا إلى أورشليم. لكن إن كان يسوع قد ولد في بيت لحم فلماذا نجد أنَّ المجوس وصلوا إلى أورشليم؟

إن كان النجم قد ظهر فوق بيت لحم في الوقت الذي كان المجوس ينظرونه من بلاد فارس فإنهم لن يكونوا قادرين على تمييز بيت لحم عن أورشليم! فإن هاتين المدينتين تبعدان بعضهما عن بعض حوالي ٦ أميال وهو ما يقرب من ٩،٦ كم وهما متموضعتين وفق محور شرق-غرب، وبالتالي فإن الناظِرَ من بلاد فارس باتجاه النجم الذي يقف فوق بيت لحم لن يكون قادراً على التمييز بينها وبين أورشليم. وعلى ما يبدو من السياق النصي أنَّ المجوس كانوا عاجزين عن رؤية النجم في الوقت الذي وصلوا فيه إلى أورشليم، لأنهم كانوا يسألون عن المولود ملك اليهود. أياً تكن الأسباب التي منعتهم من رؤية النجم فإن النص يشير إلى أنهم لم يكونوا قادرين على رؤيته، الأسباب التي قد تمنع رؤيتهم للنجم كثيرة، فالمناخ الغائم قد يمنعهم من القيام بالأمر وهو الأمر الذي يعاني منه علماء الفلك في في يومنا الراهن، أو أن وصولهم قد ترافق مع وقت النهار حيث لا يمكن أن تتم معاينة النجوم. أياً تكن الأسباب فإن الأمر الذي كان يدور في أذهانهم هو أنهم كانوا قريبين، ففي آخر مرة قد رأوا فيها النجم كان يشير إلى موضع قريب من المكان الذي وصلوا إليه وهو قريب من أورشليم. والأمر يبدو منطقيّ لأن أورشليم هي المدينة الكبيرة والمهمة وهي المكان الذي سوف يُتَوَقَّع أن يولد فيه ملك اليهود.

أين هو المولود ملك اليهود؟

يمكن وضع الكثير من التخمينات ولكن النص يشير إلى أنهم قد وصلوا إلى أورشليم متسائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ وهذا التساؤل إنما هو مثير للإهتمام، فالمجوس لم يسألوا عما إذا كان ملك اليهود قد وُلِدَ، إذ أنهم كانوا على يقين من أنَّه قد وُلِدَ! إن العلامة التي رأوها في السماء أعطتهم الثقة بأن المسيح الملك هو المولود، لقد كانوا على يقين من الأمر. تساؤلهم هذا إنما يقدم إشارةً إضافيةً إلى أنَّ النجم لم يكن يقودهم في ذلك الوقتّ. من المُمكن أن يتم تقديم تخمين مُبَرّر بأنهم قد سألوا العديد من الاشخاص، لأن الأمر قد وصل إلى هيرودس وهذا ما يعكس أنهم كانوا يبحثون عمن يقودهم إلى موضع ولادة المسيح الملك. لم يكن الأمر كما لو أنهم قاموا بسؤال شخص منفرد وأجابهم بأنَّ المسيح سيولد في بيت لحم وإلا لكانوا قد انتقلوا مباشرة إلى بيت لحم دون عناء أو صخب. الأمر المميز الآخر هو أن هؤلاء المجوس (غير اليهود- الأُمَمِيِّن) قد أتوا إلى أورشليم مدينة اليهود الرئيسية مُتسائلين عن المولود المسيح الملك، ووجدوا أن اليهود الذي كانوا في المدينة لم يعرفوا عن الأمر، ولابد أن هذا الأمر كان مثيراً للإحباط لدى المجوس، فالشعب الذي اختاره الله لم يكن في انتظار الملك المولود، لم يكونوا في انتظار المسيح.

الأشخاص لا يولدون ملوكاً

يوجد أمر مميز آخر في سؤالهم وهو أن المولود هو ملك اليهود. فالأمر الذي يجب علينا أن ندركه هو أن الأشخاص لا يولدون ملوكاً! ربما يولد أحدهم كوريث للعرش ولكنه لا يُصبح ملكاً حتى يصل إلى عُمرٍ مُعيَّنٍ. إلا أنَّ المسيح مُختلف عن أيّ شخص آخر فالمسيح قد وُلِدَ ملكاً (إنّه أمر رائع ومميز). وبالطبع هو يمتلك ذلك الحق فهو من نسل ابراهيم ومن نسل يهوذا ومن نسل داود الملك وبالتالي فهو يمتلك الحق الشرعي في المُلك – بخلاف هيرودس الذي لم يمتلك الحق في اعتلاء عرش المُلك. 

إن الآية الثانية تقدم لنا تصريحاً مُميزاً من المجوس وهو أنهم قالوا: ”رأينا نجمه!“ لم يقولوا قد رأيناً نجماً ما. إن الأمر المؤكد هو أنَّ جميع النجوم هي نُجوم تعود مُلكيتها إلى الله، إلا أنَّ تصريحهم الذي ينصّ على نجم منفرد بوصفه ”نجمـهُ“ يشير إلى وجود أمر مميز مُختص بهذا النجم.  لم يكن الأمر مجرد نجم اعتيادي، كما لو أنهم كانوا يشيرون باصبعهم قائلين ومتعجبين: آه، هذا هو نجم المسيح، نجم الملك المولود. إن هذا النجم مُختلف عن بقية النجوم. وبالتالي فلابد من وجود أمر مُختلف يختص بهذا النجم وهو ما جعلهم يُميزونه بأنَّه نجم المسيح. هذا الأمر هو ما سوف نعود إليه في نهاية هذه الدراسة وهو ما سيُبَيِّن التميّز في النجم.

قد يعتقد البعض من الأشخاص بأن الأمر الذي كان يُميّز هذا النجم هو لمعانه إلى درجة كبيرة، إلا أن هذا الأمر مُستبعَد، هيرودس لم يكن يعرف عن الأمر، وعلى ما يبدو أن اليهود لم يعرفوا عن الأمر أيضاً. لم يكن هؤلاء على دراية بهذا النجم الذي يُفتَرَضُ أنَّه كان لامعاً للغاية. الأمر الذي يدحض افتراض اللمعان الفائق هذا هو أنَّ هيرودس قد سأل المجوس عن وقت رؤيتهم للنجم، فهو لم يعرف عن الأمر، إنَّ هذه الأمور تشير إلى أنَّ الأمر الذي ميَّز النجم لم يكن بريقه أو لمعانه الفائق! ربما قد يتم تقديم تفسيرات بديلة لهذا الطرح، إلا أنَّ الأمر الذي يجب أن نقوم بالتركيز عليه هو أنَّ المجوس قد رأوا النجم في الوقت الذي لم يلاحظه اليهود. هذا الأمر سوف يقودنا إلى استنتاج هامّ يختص بهذا النجم الذي قد لاحظه المجوس الخبراء بالفلك في الوقت الذي لم يلحظه الآخرون.

نجمه في المشرق

عند قراءة كلمات المجوس التي تقول: رأينا نجمه في المشرق، لابد أن يقفز إلى أذهاننا تساؤل عن معنى كلمة ”المشرق“ الواردة في هذه العبارة، فهل المعنى المقصود هو ”أننا قد رأينا نجمه حين كُنّا في المشرق؟“ إن الإلتباس الموجود في هذا التصريح يتشابه مع الإجابة التي يقدمها أحد الأشخاص الذين عاينوا ظهور مذنب هالي في بقعة جغرافية معينة – كالصين مثلاً – على سؤال يختص بتلك الحادثة: هل رأيت مذنب هالي؟ فيجيب نعم لقد رأيته في الصين! لكن هذا لا يعني أن المذنب موجود في الصين بل يعني أن الشخص قد عاينه أثناء وجوده في الصين!! هذا قد يكون أحد الإحتمالات، فالمجوس قد يشيرون إلى أنَّهم قد رأوا النجم في أثناء وجودهم في المشرق! أما الإحتمال الآخر هو أنَّ المجوس كانوا يشيرون إلى أنهم رأوا النجم في المشرق (أي في جهة الشرق). لذلك فإنَّ السؤال الذي يجب أن يتم طرحه هو: هل المجوس هم من كانوا في المشرق أم أنَّ النجم هو الذي ظهر في المشرق؟ إن الأمر ليس واضحاً، حتى أنَّ اللغة الأصلية لا تساعدنا على التمييز بين هذين المعنيين – هذا الأمر هو بإقرار العديد من المختصين باللغة اليونانية الذين يقولون بأنَّه من غير الممكن أن يتم تحديد أي الإحتمالين هو الصحيح من خلال النظر إلى النص بلغته الأصلية. الأمر المرجح هو أن المشرق يشير إلى النجم وليس إلى مكان وجود المجوس، ولكن هذا الأمر قد يطرح سؤالاً مثيراً للإهتمام وهو: إن هؤلاء الحكماء أو الدارسين الموجودين في الشرق قد رأوا نجماً في المشرق – إن المجوس كانوا موجودين في بلاد فارس التي تقع شرقي أورشليم وبيت لحم- فإن كانوا في الشرق ورأوا النجم في المشرق فلماذا اتجهوا إلى أورشليم التي تقع في الغرب؟ إن كان النجم في المشرق فإنهم قد انطلقوا باتجاه معاكس تماماً للنجم الذي يُفترض أن يدلّ على المسيح!! 

إن تفسير هذا الأمر ليس على درجة عالية من الصعوبة، فاللغة اليونانية تستخدم كلمة ἀνατολή [أناتوليِيه] التي تشير إلى شروق الأمر أو صعوده. فهل هذا يعني أنَّه يوجد خطأ في الترجمة؟ لا بالطبع لا، الأمر هو أنَّه لم يكن هنالك من كلمة تستخدم للإشارة إلى الشرق! في تلك الحقبة، إن كان المرء يريد أن يقول في الشرق كان يستخدم مصطلح الشروق أو المشرق، وذلك لأن الشمس تُشرق من جهة الشرق. الأمر مُشابه بالنسبة للغرب، فإن كان المرء يريد أن يقول بأنَّه مُتجه إلى جهة الغرب كان يشير إلى أنَّه متجه إلى المغرب أو جهة الغروب. 

بعد أخذ ما سبق بعين الإعتبار، لابد من الإشارة إلى أنَّ جميع الكواكب والنجوم التي في السماء تُشرق من جهة الشرق. وذلك يرجع إلى أنَّ كوكب الأرض يدور حول محوره باتجاه يجعل من جميع هذه الأجرام تظهر كما لو أنها تخرج أو تُشرق من الشرق. الكوكب هو الذي يدور وفق هذا الإتجاه! يوجد عدد من الترجمات الإنجليزية والعربية التي تشير إلى هذا الأمر مثل ترجمة كتاب الحياة العربية التي تنقل هذه الآية بالشكل التالي: ”يَسْأَلُونَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَقَدْ رَأَيْنَا نَجْمَهُ طَالِعاً فِي الشَّرْقِ، فَجِئْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ».“ فالإشارة تأتي إلى أن المجوس قد رأوا النجم عند شروقه! أو عند طلوعه وظهوره في السماء!! وهذه الترجمة ستكون ترجمة حرفية إلى درجة كبيرة للمفردات اليونانية. إن المشرق والشرق هما مصطلحان يحملان ذات المعنى وفق علم الفلك، فإن إن رؤية القمر عند شروقه تعني أنه قد تمت معاينته في الشرق، وإن تمَّت معاينته في الشرق فهذا يعني أنَّ هذه المعاينة قد تمت عند شروقه! لكن ما هو السبب الذي يدفعنا إلى الاسترسال في التعليق على هذا الأمر؟ في الحقيقة إن جميع الأجرام الطبيعية تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، وإنه من الممكن أن يكون هذا الجرم ليس جرماً طبيعياً أي أنَّه ليس بغرض اعتيادي، وربما يكون هذا السبب الذي جعلهم يدركون أنه نجم المسيح. إنه نجم مختلف، وهو قد ظهر من الغرب وليس من الشرق كباقي النجوم والأجرام السماوية. بما أن هذا النجم هو نجم المسيح فهذا يعني أنه يجب علينا أن ندرك أنه نجم مختلف عن باقي النجوم وليس مشابهاً لها. وهذا هو السبب الذي جعلنا نقف عند معنى الكلمة اليونانية التي تشير إلى شروق النجم أو ظهوره. ولابد لنا من أن ندرك أهمية المعنى الذي سوف نقوم باختياره وربطه مع هذه الآية وذلك أنَّه يمتلك تأثيراً مباشراً على المعنى. وربما يكون ”صعود“ النجم هو المعنى الأكثر حرفية للمصطلح اليوناني.

اضطراب هيرودس

اضطراب هيرودس هو ما يرد في الآية الثالثة، وهو الأمر الذي يمكن أن نتوقعه نتيجةً لكون هؤلاء الزوار من المجوس يمتلكون سلطاناً لكي يقوموا بفرض وتعيين الملوك، وقد أتوا يبحثون عن ملك اليهود. على ما يبدو أنهم لم يكونوا ينظرون إلى هيرودس على أنَّه هو الملك، وهو ما قد يُفسِّر هذا الاضطراب الذي أصابه. إلا أنَّ الأمر المثير للريبة هو أن أورشليم قد اضطربت مع اضطراب هيرودس في الوقت الذي يجب أن يكون ردَّ الفعل المتوقع مختلفاً عن ذلك، من المفترض أن يكون اليهود بانتظار مسيحهم الملك وأن يبتهجوا بقدومه. إن تأملنا بالامر قليلاً وتساءلنا: كم هو عدد الأجيال من اليهود الذي تمنوا أن يروا المسيح؟ إنَّه مُشتهى الأجيال! بالطبع يوجد عدد من اليهود الذي كانوا فرحين واستجابوا بغبطة وسعادة لخبر ولادة المسيح الملك المنتظر. لكن أورشليم التي تمثل القيادة اليهودية أو السلطة اليهودية كانت قد اضطربت نتيجة لخبر ولادة المسيح، وهو أمر قد يُشير إلى الدينونة التي كانت عتيدة أن تاتي عليهم.

هيرودس الملك ورؤساء اليهود

نقرأ في الآيتين الرابعة والخامسة من الإصحاح الثاني أن هيرودس الملك قد جمع  رؤساء اليهود وسألهم عن مكان ولادة المسيح، فأجابوه مُعلنين أنَّ المسيح سوف يولد في مدينة بيت لحم وفقاً للنبوءة التي في سفر ميخا ٥: ٢. خينئذ حصل هيرودس على معلومة إضافية تؤكد المكان، وهو الأمر الذي لم يكن معروفاً لدى المجوس على ما يبدو وإلا لكانوا قد انطلقوا إلى بيت لحم دون المرور في أورشليم. بعد ذلك، اجتمع هيرودس مع المجوس سرّاً – من المُهم أن نشير إلى أن هذا الاجتماع السري قد يعكس نوع العلاقة السائدة بين اليهود والملك هيرودس، فلو أن هيرودس قد اجتمع مع المجوس بشكل علني لربما كان اليهود ليقوموا بتحذير المجوس من هيرودس وإعلامهم بعدم امكانية الوثوق به. كانت نتيجة الإجتماع السريّ هذا: أن الملك قد عَرَف من المجوس زمن ظهور النجم. إن النجم – على ما يبدو -كان قد ظهر قبل فترة ليست بقصيرة، وذلك لأننا نعرف من الآية السادسة عشر أن هيرودس قد قتل جميع الأولاد من عمر السنتين فما دون. وهذا يشير إلى أنَّ المجوس قد رأوا النجم قبل مدة تقرب من سنتين، من المُرَجَّح أن تكون المدة أقل من سنتين إلا أن هيرودس قد أضاف هامشاً إلى المدة التي قدمها له المجوس لضمان حماية عرشه. النقطة الهامَّة التي يجب أن نتنبَّه إليها هي أن المجوس لم يكونوا قد وصلوا في اليوم التالي لظهور النجم. إن المسافة التي قد قطعها المجوس كانت كبيرة وتبلغ ما يقرب من ٦٥٠ ميل أي أنها تبلغ ما يزيد عن ألف كيلومتر، وهي مسافة تتطلب من المجوس سفراً لمدة تبلغ عدة أشهر دوناً عن الفترة التي يحتاجها الاستعداد لرحلة من هذا النوع إضافة للهدايا التي قدموها. هنا لابد لنا من الحديث عن الصورة النمطية التي يتم تقديمها في عيد التجسد حيث يوضع الطفل في المذود وحوله يوجد المجوس الذي يقدمون الهدايا، لكن هذه الصورة خاطئة، فالمجوس لم يكونوا متواجدين في ذلك الزمن. إن الرعاة كانوا موجودين في ذلك الوقت وهذا ما يشير إليه السرد الوارد في البشارة كما دونها لوقا. حيث أن الملاك قد أعلم الرعاة الموجودين في ذات المنطقة بأنه في ذلك اليوم قد ولد في مدينة بيت داود ملك اليهود، لذلك فإنهم قد ذهبوا بشكل مباشر لرؤيته وهي مسافة ليست ببعيدة ولا تحتاج إلى أكثر من يوم أو ما شابه للوصول إلى بيت لحم، وبالتالي فإنه من الممكن أن يكونوا قد عاينوا المولود في يوم ميلاده، لكن حين نتحدث عن المجوس فإنَّ الأمر المُرجّح هو أنهم قد وصلوا بعد الولادة بفترة قد تصل إلى عام كامل أو ما يزيد عن ذلك. يوجد معلومة قد تقودنا إلى الاعتقاد بهذا الأمر حتى لو أننا لم نكن قادرين على الوصول إلى الآيات السابقة، وهي حقيقة أن يسوع كان في البيت وقد دُعي باستخدام كلمة الصبي وليس المولود أو الطفل، دوناً عن أن المجوس قد أحضروا هدايا من ذهب ولبان ومُرّ. ولكننا نعرف أن يسوع ويوسف ومريم حين قاموا بزيارة الهيكل في طقس التطهير في اليوم الأربعين كانوا قد قدموا ذبيحة من فرخي يمام، وهذه الذبيحة هي بحسب شريعة العهد القديم يجب أن تكون حمل إلا أنَّه في حالة الفقر والعوز الشديدين يمكن أن يتم تقديم فرخي يمام وهي أقل الذبائح تكلفةً. إن حقيقة كونهم فقراء في وقت تقديم الطفل إلى الهيكل تشير إلى أنَّ المجوس لم يكونوا قد وصلوا ليقدموا هداياهم الثمينة وإلا لكانت الذبيحة قد اختلفت. 

في الآية الثامنة نقرأ أن هيرودس قد أرسلهم إلى بيت لحم وطالبهم بأن يعودوا ليقدموا له التقرير بهدف أن يذهب ويسجد هو الآخر للمولود الملك، ولكننا نعرف من خلال السرد أن هيرودس لم يكن ليفعل ذلك البتة وأن غايته من الحصول على تلك المعلومة هي اغتيال الملك المولود.

الرؤية الثانية للنجم

نقرأ في الآية التاسعة من الإصحاح الثاني أن المجوس قد رأوا النجم من جديد، إن هذا الأمر مهم للغاية فإنهم قد رأوا النجم في المشرق وهذا الأمر مؤكد من خلال اللقاء السري مع هيرودس الذي سألهم عن موعد رؤيتهم للنجم، أي أنَّهم كانوا قد رأوه مرةً أولى قبل الوصول إلى أورشليم، ومن ثمَّ بعد أن التقوا مع هيرودس رأوا النجم من جديد، وبالتالي فإنهم قد رأوا النجم في مناسبتين منفصلتين على الأقل. أهمية هذا الأمر هو أنه يزيل الكثير من الأفكار المغلوطة التي يتم تقديمها كتفاسير عن النجم، معظم هذه التفاسير الطبيعية تتحدث عن حادثة طبيعية منفردة أي ظهور منفرد للنجم، ولكننا نعرف من السرد الإنجيلي أن النجم قد ظهر في مناسبتين على الأقل، وربما يكون المجوس قد رأوا النجم خلال رحلتهم. إلا أننا يجب علينا أن نميّز أمراً هاماً وهو أنهم حين وصلوا إلى أورشليم لم يكن النجم ظاهراً لهم وإلا لكانوا ذهبوا بشكل مباشر إلى بيت لحم. 

نقرأ في السرد”وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ.“ هذه التفاصيل تزيل البقية الباقية من التفاسير التي تعتمد على الظواهر الطبيعية في تفسير نجم الميلاد، فمعظم الأجسام الطبيعية لن تقود المجوس ومن ثمَّ تتوقف فوق مكان ولادة الطفل! وإن قمنا بالبحث في اللغة اليونانية في محاولة للبحث عن تفاسير بديلة فإننا سوف نجد أن النص يعني ما يقوله، وهو أن النجم وقف فوق، حيث كان الصبي.  ولم يقف فوق مدينة بيت لحم بل وقف فوق البيت حيث كان الصبي موجود.

فرح المجوس

فرح المجوس برؤية النجم من جديد هو محور الآية العاشرة، إلا أنَّه يثير تساؤلاً عن سبب هذا الفرح، وخاصة أنهم قد سبق ورأوا النجم من قبل. فلماذا فرحوا فرحاً عظيما جداً؟ يمكننا أن نقوم بتقديم بعض التخمينات المنطقية لمسببات هذا الفرح: على مايبدو أن النجم لم يكن يتقدَّمهم في الفترة التي سبقت ظهوره، ذلك يظهر من حقيقة أنهم قد ذهبوا إلى أورشليم للبحث عن المولود، وإلا لكانوا قد ذهبوا إلى بيت لحم بشكل مباشر كما سبق وأشرنا من قبل، وهذا ما يشير إلى أنَّ النجم لم يكن ظاهراً لهم خلال تلك الفترة من الزمن. يمكننا أن نقوم بتخمين ردّ فعل المجوس بعد أن التقوا مع هيرودس، غالب الأمر أنهم قد شعروا بالإحباط الشديد، فإن فكرنا بالأمر قليلاً: هؤلاء الأممين قد أتوا من المشرق تابعين نجماً أوصلهم إلى أرض اسرائيل قبل أن يختفي، وقد سألوا هيرودس واليهود عن ملك اليهود المولود، ولكن على ما يبدو فإن اليهود وهيرودس لم يكونوا مُهتمّين بهذا الأمر بتاتاً، ولم يكن النجم ظاهراً ليؤكد لهم مسارهم! لذلك فإنَّه من المنطقي أن يتشككوا في ما إذا كان الله يريد لهم أن يروا المسيح، حيث أنهم لا يستطيعون رؤية النجم، واليهود على مايبدو غير مُهتمين بالموضوع. فالتساؤل الذي قد يطرأ على أذهانهم في ظل تلك الظروف هو هل قاموا بتفسير النبوءة والنجم بشكل سليم؟ إلا أنَّ النجم ظهر من جديد في ظل تلك الظروف ففرحوا فرحاً عظيماً جداً، لأن رؤية النجم قد أكدت على أنهم يسيرون بالإتجاه الصحيح، وبأنَّ تفسيرهم كان سليماً، وبأنهم باتوا قريبين من رؤية المسيح الملك.

رأوا الصبي

حين وصلوا رأوا الصبي ولم يروا الطفل وهذا أمر مهم فيسوع قد أصبح صبياً حينذاك، وهو الأمر الذي يؤكد على مرور فترة من الزمن بين الولادة وبين وصول المجوس. نقرأ أنهم سجدوا للمسيح عابدين ومعترفين بسلطانه حاملين معهم هدايا من ذهب ولبان ومرّ، وهذه الهدايا هي مميزة للغاية، فإننا إن قمنا بمقارنة مع أحداث العهد القديم فسوف نجد أنه في الكثير من المواضع أنَّ الأُمَّة التي تخضع لأمة أقوى منها تقوم بتقديم هدايا في إعلان مباشر لخضوعها وطلب الحماية من الأمة القوية. كانت الهدايا التي تقدم عادة من ذهب ولبان ومرّ. كانت تلك رسالة جميلة من المجوس الذين أعلنوا أنهم وعلى الرغم من خضوعهم لملك في أمتهم التي أتوا منها، إلا أنَّ هذا المولود هو ملك الملوك وهو المتسلط. هذه هي الإشارة التي تحملها الهدايا التي حملوها والتي تُعلن خضوعهم له ولسلطانه. 

طبيعة النجم وماهيته

بعد أن قمنا بوضع حجارة الأساس التي تسمح لنا بمباشرة بناء حُجَّتنا، بات من الممكن لنا أن نبدأ بالحديث عن النجم وطبيعته وماهيته.

يوجد العديد من الإقتراحات التي تمَّ تقديمها لشرح طبيعة النجم، ولكن في البداية يجب علينا أن نشير إلى أنه ليس من الضروري أن كلمة نجم تعني ما تعنية في يومنا الراهن وفق المفهوم الفلكي المعاصر الذي يقول بأنها كرة مضيئة من غاز الهيدروجين والتي تبعد عدة ملايين من الكيلومترات. ولكن الكلمة اليونانية التي تعني نجم وهي ἀστήρ [آستير] تتضمن أي غرض أو جسم مضيء في السماء، بما في ذلك الكواكب. وفق التصنيف المعاصر، نحن لا نقوم باستعمال كلمة نجم للإشارة إلى الكواكب وذلك لأن تصنيفهم يتم وفق فئة فرعية أو مجموعة مختلفة، إلا أنَّ الكواكب كانت تصنف على أنها نجوم في العالم القديم، وذلك وفق معنى معين وهو أنها أجسام مضيئة في السماء، وقد كانت تدعى نجوم هائمة لأنها كانت تتحرك في السماء الداكنة وهذا هو أصل معنى كلمة كوكب فهي تشير بالأصل إلى نجم هائم. المذنبات هي الأخرى يُمكن أن يتم اعتبارها نجوم بحسب التصنيف القديم ويمكن أن يتم استخدام ذات الكلمة اليونانية لوصف المذنب. الغاية من هذا الشرح المفصل هو أن كلمة نجم يجب أن تُفسر وفق استخدامها التاريخي الموافق لتلك الحقبة الزمنية وليس وفق تصنيفاتنا المعاصرة. هذا هو السبب الذي يدفع بالعديد من الأشخاص إلى تقديم الكثير من التخمينات المختصة بتفسير ماهية النجم، البعض قد يقول أنه من الممكن أن يكون المقصود بالنجم كوكب أو مذنب أو قمراً من الأقمار الصغيرة للكواكب الأُخرى أو أنه سوبر نوڤا (أي نجم متفجر)، أو ربما يكون الأمر مجرد تقاطع للكواكب، وهو ما يدعى باقتران الكواكب حيث تتقاطع المدارات الكوكبية بالنسبة للشخص الذي ينظر من موقع محايد مثل الأرض. أحد الإقتراحات الشعبية هو أن الأمر كان تقاطعاً ثلاثياً، وهو الذي يحدث في حالات خاصة نتيجة للحركة الكوكبية فيبدو الكوكب كما لو أنه يسير بشكل متردد جيئة وذهاباً أمام كوكب أو نجم آخر. في الحقيقة يوجد تقاطع نجمي ثلاثي قد حدث بين العامين ٢-٣ قبل الميلاد، إلا أن السؤال هو كيف يمكن أن ندعوا الإقتران أو التقاطع الكوكبي باسم نجم في حين أننا نرى نجمين وليس مجرد نجم واحد. بالطبع إن هذه الظاهر قد تحمل معنى معيناً بالنسبة للحضارات القديمة إلا أن ذلك لا يعني بأننا يجب أن نقوم بمحاولة استخدامها لتفسير النجم. فلو أن الأمر كان كذلك لكنا وجدنا أن تصريح المجوس كان ليشير إلى أمر يصف تلك الواقعة وليس تصريحاً بأنهم رأوا نجمه. لا يمكن للنجمين أن يُدعَوا ”نجمه“. 

يوجد اقتراح آخر وهو أن الإقتران الكوكبي قد حصل بين الزهرة وزحل وهو الأمر الذي حدث تاريخياً في تلك المرحلة الزمنية، تحديداً في السابع عشر من حزيران- يونيو من العام ٢ قبل الميلاد. لقد كان ذلك الأمر مميزاً للغاية حيث أن الجسمان كانا قريبان إلى درجة كبيرة من منظور أرضي إلى درجة أنهما قد يبدوان كجسم واحد. لكن اقتران الزهرة وزحل هو حدث اعتيادي يحدث بمعدل مرة كل ثلاثة عشر شهر تقريباً. وبالتالي فإنه حدث اعتيادي وليس حدثاً مميزاً على الرغم من أن ذلك الإقتران كان مميزاً من ناحية تقارب المسارين إلى درجة كبيرة، لكن هذا لن يجعل من ذلك الحدث يطابق نجم المسيح الموصوف في الآيات، فالحدث الموصوف يحدث خلال ليلة واحدة ويجب علينا أن نتذكر انهم قد رأوا النجم مرتين على أقل تقدير. والأهم هو أن هذين الجسمين الهائمين في السماء المظلمة لن يقفا في السماء ليشيرا إلى الموضع الذي كان فيه الصبي كما يقول النص، خلال عشرة إلى خمسة عشر دقيقة سيتحرك هذا الجسمان المتقاطعان نتيجةً لدوران الأرض. الغاية من هذا التوسّع في الإيضاح هو أنَّ نؤكِّدَ ونظهر أن هذا الحدث لا يتوافق مع التفاصيل التي يتم تقديمها في النص الكتابي. في الحقيقة يوجد الكثير من المقاطع المرئية المشهورة والدراسات المكتوبة التي تحاول أن تقوم بالتسويق لهذا التفسير، إلا أنَّ هذا أمر غير دقيق لأنه يقوم بلوي عنق النص ليوافق فكرة خارجية دوناً عن الإلتزام بالنص وما يقدمه.

الجرم السماوي الثابت

لكن كيف يمكن الحصول على جسم أو جرم طبيعي يقف ثابت فوق نقطة ثابتة من الأرض؟ في الحقيقة نحن نمتلك في يومنا الراهن نجم الشمال الذي يقف ثابتاً فوق القطب الشمالي للأرض، وهذا الأمر يحدث لأن محور دوران الأرض يتجه بشكل شبه مباشر نحو هذا النجم وبالتالي فإنَّه يبدو كما لو انَّه كان ثابتاً في موضعه وذلك في أثناء دوران الأرض. إلا أنَّه يوجد مشكلتين في هذا الطرح: الأولى تكمن في أنَّ بيت لحم ليست في مركز القطب الشمالي، والثانية هي أننا لم نكن نمتلك ما يُعرف بنجم الشمال في وقت ولادة المسيح. النجم لطالما كان موجوداً، إلا أن ميلان محور دوران الأرض حول نفسها يتغير بشكل مستمر وبالتالي فإن النجم لم يمكن متموضعاً على امتداد محور دوران الأرض. في الحقيقة في وقت ولادة يسوع كان الخط الممتد وفق محور دوران الأرض متجهاً نحو نقطة في السماء لا يظهر فيها أيّ نجم، وبالتالي فإنَّه لم يكن يوجد أيّ نجم متموضع بشكل شبه ثابت على امتداد الخط الشمالي أو الجنوبي لمحور دوران الأرض وبالتالي فإنه لا يمكن أن يكون نجم الشمال هو نجم الميلاد!

يوجد أمر فكاهي في هذا الأمر، فإنه في سبيل أن يبدو النجم ثابتاً فوق بيت لحم يجب أن يكون النجم متحركاً! لأن الأرض تتحرك وتدور وبالتالي فإنه لكي يبقى النجم ثابتاً فوق بيت لحم يتوجب أن يتحرك ليبقى ظاهراً فوق تلك المدينة أو فوق البيت. ويجب أن تكون حركته متناسقة مع سرعة دوران الأرض وهذا الأمر يزيل احتمالية كون أحد الكواكب السيارة هو نجم الميلاد وذلك لأنها تتحرك وفق ذات الإتجاه المطلوب إلا أنها لاتتحرك بالسرعة المطلوبة فهي أبطأ بكثير من سرعة دوران الأرض.

القمر المتزامن مع حركة الأرض (Geostationary Satellite) هو الإحتمال الأخير، نمتلك في وقتنا الراهن العديد من هذه الأقمار الصناعية  التي تدور حول الأرض على مسافة كبيرة بحيث تكون سرعة دورانها متزامنة مع سرعة دوران الأرض حول محورها، وبالتالي فإنها تكون شبه ثابته فوق نقطة جغرافية معينة. بالطبع إن الله قادر على إنشاء نجم أو قمر يكون موافقاً لهذه المواصفات بحيث أنه يبدو ثابتاً، لكن المشكلة في هذا الطرح تكمن في أنَّ هذا الأمر ينجح فقط على امتداد خط الإستواء ولكن بيت لحم تقع شمال خط الإستواء وبالتالي فإن القمر المتزامن مع الأرض لن يكون خياراً لتفسير نجم الميلاد! وهذا السبب في أن جميع أجهزة الإستقبال الفضائي تتجه نحو خط الإستواء إذ أنَّ الأقمار الصناعية المتزامنة تدور حول الأرض فوق خط الإستواء.

خمسة مُعضلات

يمكننا القول أننا قد قمنا بدارسة معظم الإحتمالات الشائعة عن الظواهر الطبيعية التي يتم تقديمها كتفسير لنجم الميلاد الذي بقي ثابتاً وظهر لمدة امتدت لحوالي سنتين فوق بيت لحم. وهذا لا يترك أمامنا سوى نظرية واحدة لتفسير نجم الميلاد وهي أنَّ هذا النجم هو أمر يفوق الطبيعة أظهر من خلاله الرب الإله قوته وقدرته، فالرب الإله قد خلق شيئاً ما بطريقة معجزية وأَصَعَدَ هذا الغرض (أشرق) فوق بيت لحم، وقد رآه المجوس من بلاد فارس وارتحلوا باتجاهه. يمكنكم بشكل أكيد أن ترفضوا هذا الطرح إلا أننا سوف نعمل بناءً على النص الإنجيلي، ونجد أن هذا الطرح يقوم بحلّ خمسة من المعضلات الرئيسية التي تواجه المفسرين بخصوص النص الذي يتناول موضوع نجم الميلاد. 

المعضلة الأولى، لماذا اتجه المجوس غرباً عوضاً عن الإتجاه شرقا؟ فإن كان النجم شيئاً أو غرضاً طبيعياً وكان المجوس قد رأوه عند شروقه أو صعدوه (علماً أن جميع الأجرام السماوية الطبيعية تصعد أو تشرق من جهة الشرق نتيجة لدوران الأرض بشكل يفرض ذلك)، إلا أنَّ هذا النجم أو الشيء قد ارتفع بشكل مخالف من جهة الغرب وليس من جهة الشرق، وهنا يجب أن نستذكر أن إسرائيل تقع غربي بلاد فارس وليس شرقها، وبالتالي فإن هذا الأمر يقدم تفسيراً عن سبب اتجاههم غرباً ويفسر المعضلة الثانية التي تتمثل في تقديم مُبرِّر للتمييز الذي قام به المجوس في أنَّ هذا هو ”نجمه“ أي نجم المسيح الملك، فالمجوس كانوا خبراء بعلم الفلك وهم يعرفون بأنَّ جميع الأشياء أو الأجرام الطبيعية تشرق من جهة الشرق وتغرب من جهة الغرب، إلا أنهم قد رأوا نجماً قد صعد (أشرق) من الغرب وعرفوا بذلك أن ذلك النجم لم يكن نجماً اعتياداً، وأيضاً أنهم وطوال حياتهم التي درسوا خلالها السماء لم يجدوا أيَّ جُرم قد أبدى هذا السلوك الحركيّ. الأمر مختلف في يومنا هذا وذلك نتيجةً لوجود العديد من الأقمار الصناعية التي قمنا بوضعها على مدار الأرض وهي تشرق من جهة الغرب، لكن قبل ١٩٥٧ لم يوجد أي جرم يشرق من الغرب، أي أنَّه قبل وضع القمر الصناعي سبودنيك على مدار الأرض لم يوجد أي قمر يشرق من الغرب. إن نجم الميلاد قد صعد من الغرب وقد بقي ثابتاً فوق بيت لحم وقد ميّز المجوس ذلك الأمر على أنَّه مُعجزيّ. المعضلة الثالثة التي يقدم هذا الطرح تفسيراً لها هي أنَّه يفسر كون المجوس وحدهم هم من لاحظوا النجم، إذ بقية الأشخاص لم يكونوا على ذات الدراية والمعرفة بأفلاك السماء الداكنة وبالتالي فإنهم لن يميزوا نجماً لم يكن بالضرورة متوهجاً أو لامعاً بطريقة خاصة إلا أنَّه لم ينتمي إلى تلك المجموعة النجمية الموجودة، في حين أن المجوس كانوا يدرسون المجموعات النجمية وكانوا سيميزون وجود نجم جديد في السماء وخاصّة أنه قد أشرق من الغرب وليس من الشرق. أما المعضلة الرابعة التي يتم حلها فهي أن هذا الطرح يقدم تفسيراً لنبوءة بلعام الواردة في سفر العدد ٢٤: ١٧ التي تقول أن نجماً سيخرج من اسرائيل (من يعقوب) وهذا النجم قد خرج أو ارتفع بشكل حرفي من اسرائيل. يمكننا أن نتصور المجوس الذين كانوا يدرسون السماء باحثين عن علامة، ومن ثمَّ في إحدى الليالي يرون نجماً قد خرج أو صعد من اسرائيل ووقف ثابتاً في السماء هناك. إنهم يعرفون أن جميع النجوم تغيب أو تغرب في ذلك الإتجاه فيما عدا هذا النجم المميز وبالتالي فإنه يوافق نبوءة بلعام مما سيقودهم للتفكير بأن هذا لابد أن يكون نجم المسيح.

يوجد جانب إضافي في كون هذا النجم يمثل حدثاً معجزياً وهو يختص بالفهم الخاطئ من قبل العديد من المسيحيّين الذين يعتقدون بأنَّ الله قد خلق الكون وأعطاه تعليمات ليتحرك ويعمل بطريقة معينة ومن ثمَّ جلس متفرجاً بطريقة تشبه صانع الساعات الذي يقوم بصناعة الساعة ويجلس بعد ذلك ليراقبها. ويعتبرون أن الحدث المعجزي سيكون في أنَّ الله يتدخل ليقوم بتحريك أو التلاعب بتلك الآلية التي أعدّها مسبقاً. إلا أنَّ هذه الرؤية ليست برؤية كتابية مبنية على إعلانات الوحي المقدس. الرؤية الكتابية تقول بأنَّ الله بشكل دائم يحمل ويقود جميع الاشياء بكلمة قدرته كما يرد في رسالة العبرانيين ١: ٣. أي أنَّ الكون ليس كياناً أو شيئاً يستطيع أن يعمل بشكل مستقل عن الله، فالله هو من يقوم بشكل دائم بالعناية به وتحريكه وفق هذا الإتساق لصالحنا. فكروا قليلاً بالأمر: إن كل الكترون يدور حول كل نواة من كلّ ذرة في جسمكم يدور وفق هذه الطريقة لأنَّ الله يجعله يتصرف كذلك، نحن نعجز عن مراقبة أمر مشابه إلا أنَّ الله يتسبب بوقوع ذلك الأمر. البعض قد يقول آه نحن لسنا بحاجة إلى الله وذلك لأننا نعرف أن الإلكترونات والذرات متماسكة نتيجةً لوجود القوى الكهرومغناطيسية، وبأنَّ الكواكب متماسكة نتيجة للجاذبية أي أنَّ قوانين الطبيعة تقوم بتفسير هذه الأحداث. لكن قوانين الطبيعة ليست بديلاً عن قدرة الله، في الحقيقة إن قوانين الطبيعة هي أمثلة عن قدرة الله. فالجاذبية ليست أمراً موجوداً بمعزل عن وجود الله، الجاذبية هي الإسم الذي نستعمله لنصف قدرة الله التي تتسبب بحركة أو تصرف الأجسام وفق تلك الطريقة. وبالتالي فإن الفكرة التي تقول بأنَّ الكون موجود بذاته وبشكل مستقل عن الله الذي يقوم بالتدخل بين الفينة والأخرى ليست فكرة مبنية على الوحي المقدس. الفكرة الكتابية تقول بأنَّ الله يتسبب بحدوث جميع الاشياء وفق هذه الطريقة المتسقة والتي يمكن التنبؤ بها والتي ندعوها قوانين الطبيعة التي تمثل وصفاً للطريقة الإعتيادية التي يقوم الله وفقها بإدارة الكون. هذه هي الطريقة التي يجب على المسيحي المؤمن أن يقوم وفقها بالتعريف عن قوانين الطبيعة فهي ليست شيئاً قد خلقه الله إنما هي الوصف للطريقة التي يدير وفقها الله الكون. قد يقول البعض كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحاً فقوانين الطبيعة تبدو كما لو أنها غير شخصانية وتعتمد على الرياضيات، لكن هذه الأمور الصحيحة تقدم لنا معلومات عن طريقة تفكير الله الذي يفكر بطريقة رياضية ويدير الكون بطريقة متسقة لصالحنا حتى نكون قادرين على القيام بالعلوم التي سوف تكون مستحيلة فيما لو لم يكن الأمر كذلك. إن قوانين الطبيعة ليست بديلاً عن قدرة الله إنما هي وصف لقدرة الله وقوته الفائقة

وبالتالي فإنه يُمكن يمكن أن يتم تعريف الأمر المعجزي أو الذي يفوق الطبيعة على أنَّه: الأمر الذي يقوم بتنفيذه الله بطريقة غير اعتيادية، أي بطريقة مختلفة عن الطرق الإعتيادية؛ إنَّ الأمر الذي يجدر بنا أن نشير إليه هو أن قوانين الطبيعة التي هي الطريقة الإعتيادية لإدارة الكون من قِبل الله هي الأمور التي تُعلِن عن وجود الله وليس الإستثناءات لتلك الطريقة الإعتيادية. 

إن حقيقة كون الأرض تتحرك وفق هذه الطريقة التي يمكن التنبؤ بها، وبأنَّ الشمس ستشرق غداً هو دليل على وجود الله. صرَّح الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم عن دهشته من تصريحات البعض من الاشخاص الذين يدّعون بأنَّ: الفلاسفة قد وجدوا تبريراتٍ لوجود هذا الانتظام في الطبيعة في الوقت الذي نجد فيه أنَّ الحقيقة مخالفة تماماً لهذه الإدعاءات، إذ أنهم لم ينجحوا في العثور على أي مبرَّرات طبيعية للإنتظام الموجود في الطبيعة. إن ديفيد هيوم هو فيلسوف ملحد حاول تقديم تفسير إلحادي عن الكيفية التي تجعلنا قادرين على معرفة أن الشمس ستشرق غداً وفق الفكر الإلحادي؛ لم تنجح أيّ من محاولاته، وتجد بنا الإشارة إلى عدم استفادة أي من الإحتجاج بأنّ شروق الشمس في الماضي، وشروقها على إثر توقعنا أنها ستشرق في الماضي، لا يفيد في معرفة أنها سوف تشرق في المستقبل إلا في حال افترضنا بشكل مُسبق وجود الإنتظام في الطبيعة (الاستقراء) أي أن ما حدث هو دليل لما سيحدث. إلا أنَّ هذا الإفتراض بذاته هو ما يحاول الملحدون اثباته.

وحده إله الكتاب المقدس الذي لا يحدّه زمن، هو القادر على أن يُعلِمُنَا بما  يحضره المستقبل لنا، وحقيقة الأمر هي أنَّه يسيطر على المستقبل بطريقة مباشرة وفاعلة. الله هو الذي وعدنا بأنَّه سوف يدير الأمور بطريقة متسقة في التكوين ٨: ٢٢ حيث تعهد بأنَّ الأمور الأساسية سوف تستمر بطريقة متسقة طوال فترة بقاء الأرض. لكن الله يمتلك الحرية ليقوم بالأمور وفق طريقة غير اعتيادية لفترات محدودة وذلك لإتمام أمور معينة ومميزة، وهو الأمر الذي قام به في مرات عديدة. وبالتالي فإن الأمر لا يشكل لنا معضلة في أن نؤمن بأنَّ الله قد أظهر قدرته بطريقة معجزية من خلال خلقِ غرض مؤقت (أي النجم) بطريقة معجزية بغرض الإعلان عن ولادة المسيح. لقد كان سلوك هذا الغرض مختلفاً عن سلوك أي غرض من الأغراض الطبيعية التي يُمكننا أن نُعاينها، ويظهر هذا بشكل خاص من خلال وقوفه فوق المكان الذي كان الصبي فيه.

إن كان التفسير الذي قمنا بتقديمه متماسكاً وسليماً فإن النجم – الذي وفق منظور المعاين في بلاد فارس وارتفع من الغرب فوق اسرائيل – سيكون شيئاً استثنائياً معجزياً، لأنَّ جميع الأجرام السماوية ترتفع من جهة الشرق وليس من جهة الغرب. 

إن هذا النجم كان حدثاً معجزياً أعلن الله من خلاله عن الولادة المعجزية والتجسد العجيب للأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي أتمَّ من خلال تجسده هذا النبؤات التي سبق وأُعلم عنها على فم الأنبياء، ليحيا حياة البر التي بلا خطيئة، ويحمل خطايانا – راضياً طائعاً – متمّما دوره في الفداء ليُحسَبَ لعنةً من أجلنا، حاملاً في جسد بشريته عار خطايانا معلقاً إياها على خشبة الصليب لتحسب له ويموت عنها ويقوم في اليوم الثالث ليصعد إلى السماوات ويجلس عن يمين الآب وهو الذي سيأتي في الموعد الذي قد حدَّدَته للدينونة الأخيرة واستعادة كلّ شيء. 

مُلخص

إن أردنا أن نقوم بتقديم مُلخص لما سبق وقمنا بتقديمه فإنه سيشمل بالنقاط التالية:

١- إن النجم كان مصدراً معجزياً للنور.

٢- لم يكن براقاً بشكل مميز، إلا أنَّ نوره كان كافياً ليصل إلى بلاد فارس حيث رآه المجوس. 

٣- ارتفع أو أشرق فوق مكان ولادة المسيح في بيت لحم التي لن يكون من الممكن أن يتم التمييز بينها وبين أورشليم للناظر الذي يُعاين من بلاد فارس.

٤- احتاج المجوس فترة من الزمن، قد تكون امتدت لعدة أشهر، لإتمام الرحلة إلى بيت لحم. من المُمكن أن تكون قد استمرت لمدة تصل إلى عام كامل، إلا أنها لا يمكن أن تكون قد تجاوزت سنتين، لأن هذا هو الحد الذي نتعرف عليه من خلال ما قام به هيرودس الذي سألهم عن موعد رؤية النجم.

٥- لقد أشرق هذا النجم في الغرب وليس في الشرق، بشكل مُخالف لبقية الأجرام الطبيعية التي تُنظر في السماء الداكنة، وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل من المجوس يميّزون أن هذا هو نجم المسيح، وقد يكون هذا إتماماً لنبوءة بلعام التي ترد في سفر العدد ٢٤: ١٧. لقد كانوا في انتظار حدوث أمر ما وذلك لأن نبوءة دانيال عن السبعين أسبوعا منذ السبي كانت تشير إلى أنَّ الموعد قد اقترب،إذ أنهم كانوا يعرفون أن التوقيت سليم ولكنهم ونتيجة لعدم مقدرتهم على رؤية النجم حين وصلوا إلى أورشليم احتاجوا إلى الإستفسار بغية الوصول إلى معلومات إضافية عن مكان ولادة المسيح. ولو أننا كنا متواجدين بينهم لشعرنا بالإحباط إذ أنَّ اليهود لم يكونوا مهتمين أو متنبهين للأمر برمته ولم يكونوا باحثين أو في انتظار المسيح. 

٦- بعد أن التقوا مع الملك هيرودس، رأوا النجم من جديد. وقف هذا النجم فوق بيت لحم ليشير إلى البيت الذي كان فيه الصبي يسوع موجوداً.

ليس من المستغرب أن تترافق الولادة المعجزية لملك الملوك ورب الأرباب بإعلان معجزي يستعرض قدرة الرب الإله الذي لم يترك نفسه بلا شاهد. الأمر الذي ينبغي علينا أن نعلنه في يومنا هذا هو أن ننقل أمر الروح القدس لجميع الناس بأن يتوبوا ويستجيوا للنور الحقيقيّ الذي أتى إلى العالم، وجميع من يستجيبون سوف ينالون بحسب وعده حياةً أبدية، أما أولئك الذين قد يدَّعون أنهم ينتمون ويؤمنون بالله ولكنهم لا يستجيون فإنهم لا يختلفون عن أولئك اليهود الذين لم يكونوا في انتظار الملك الذي يفترض بهم أن ينتظرونه؛ لذلك، فلنبقي أعيننا ثابتةً على مصدر رجائنا ولنتمسك به إلى أن نلتقي معه في مجيئه العتيد. 

تمَّ لمجد الرب.