هل ينتمى إنجيل توما إلى العهد الجديد؟

سلسلة الكتابات الغنوصية (٢).

يُمكنكم الإستماع إلى هذه الدراسة من خلال المنصات التالية:

يمكنكم قراءة هذه الدراسة من خلال المنصات التالية:

مقدمة

إنجيل توما هو الأكثر شهرة في الأوساط الأكاديمية المعاصرة بين أسفار أبوكريفا العهد الجديد. كان هذا الإنجيل بين الوثائق التي تمَّ اكتشافها في العام ١٩٤٥ في نجع حمادي. إن مجموعة مخطوطات نجع حمادي تتكون من ثلاثة عشر مخطوطة قديمة تحتوي أكثر من خمسين نصاً أبوكريفيّاً (منحولاً). من بين أشهر النصوص نجد كل من إنجيل توما وإنجيل فيليبس وإنجيل الحق. أما إنجيل توما فهو يحتوي على مجموعة من ١١٤ قولاً ليسوع. بعض هذه الأقوال مُبهمة (مُشفَّرة) وغامضة، وبعضها الآخر مشابه لأقوال يسوع في الأناجيل الأربعة الأصلية.

إن آخر قول من هذا السفر هو الأسوأ سمعة من بين الأقوال المئة والأربعة عشر. ويُقرأ كالتالي: ”قال يسوع … لأن كلَّ امرأة تجعل نفسها رجلاً ستدخل ملكوت السموات.“ سوف نقوم لاحقاً بدراسة هذا القول ضمن هذه الدراسة. إن المؤلِّف يقوم بالإشارة بشكل واضح إلى الفلسفة الغنوصية ومن النادر ما يقوم بدفع القارئ إلى التركيز على خدمة يسوع وعمله. على ما يبدو أن تعليم هذا الإنجيل يدعو القرّاء إلى البحث وإيجاد الشرارة الإلهية في ذواتهم (في داخلهم) للوصول إلى المزيد من الإستنارة. إن هذه التعاليم هي هرطوقية بطبيعتها وقد رفضتها كلّ الكنائس ”الأرثوذكسية“ تقريباً.

يبتدئ الإنجيل بالكلمات التالية: ”هذه هي الأقول السرية التي قالها يسوع الحي والتي دوّنها يهوذا توما التوأم“. يدّعى المؤلف أنَّه ”Didymus“ والتي تُتَرجَم ”التوأم“، والذي كان شاهد عيان عن حياة وخدمة يسوع. يختلف العلماء حول تأريخ هذا السفر. لذلك نجد مجموعة واسعة من الآراء التي يقدمونها. تتراوح التواريخ المُقدَّرة لهذه الكتابة بين ٥٠ وحتى ٢٥٠ ميلادية.

يعتقد ڤالانتاسيس أن صعوبة تأريخ هذا السفر ترجع إلى أنّه مجموعة من الأقوال (logia) دون أن تكون في إطار سرد مما يفضي إلى إمكانية إضافة أقوال فردية بشكل تدريجي مع مرور الوقت. يؤرخ ڤالانتاسيس إنجيل توما بين العامين ١٠٠-١١٠ ميلادي، مع احتواءه لبعض المواد التي تعود إلى القرن الأول والتي يُمكن أن يتم إرجاعها إلى الفترة الممتدة بين العامين ٣٠-٦٠ ميلادي. أما جي أر بورتير فيؤرخ انجيل توما إلى تاريخ متأخر وهو ٢٥٠م. لقد وجدت أن أدلّة تتماشى بشكل أكبر بكثير مع التاريخ الذي أعطاه ڤالانتاسيس أي ١٠٠-١١٠ م، أو بعده بقليل، وذلك مع الأخذ بعين الإعتبار أن بعض التقاليد قد تكون أقدم من ذلك بكثير.

إن فكرة ”السرية“ أو ”[الأشياء] المخفية“ سوف تكون فكرة مُتكرّرة في هذا الإنجيل. إذ أن الكاتب يحاول أن يقوم بتقديم يسوع كما لو أنَّه رجل أرشد تلاميذه لكي يقوموا بإيجاد المعرفة المخفية داخلهم. ويبدو أن مفهوم ”الأقوال السرية“ المذكور في المقدمة يصل نفسه بالتصريح الذي أدلى به يهوذا (ليس الإسخريوطي) في يوحنا ١٤: ٢٢ ”…«يَا سَيِّدُ، مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ؟»“. يبدو أن مؤلف هذا السفر يقوم بربط كتاباته بإنجيل لوقا، وكذلك بالسرد الإنجيلي الذي قدَّمه يوحنا أكثر من السردين الآخرين. إن هدفي في هذه المقالة هو اختبار ستة من أقوال توما ومقارنتها بالأناجيل الأربعة الأُخرى. إضافةً إلى ذلك، فإنني أهدف إلى تقييم أصالة الأسفار فيما يتعلق بقانونيتها.

القول التاسع

قال يسوع: ”الآن قد خرج الزارع، أخذ بيده حفنة [من البذار] ونثرها. بعضها سقط على الطريق؛ فأتت الطيور وجمعته. البعض الآخر سقط على الحجارة، فلم ينبت له جذور في التربة، ولم يُعطي سنابل. والبعض سقط على الشوك؛ فخنق البذار، وأكلها الدود. وسقط بعضها على التربة الجيدة فأعطت ثمراً جيداً: ستون مكيالاً ومئة وعشرون مكيال.“

يوجد خمسة اختلافات رئيسية في هذا المثل عن التسجيل الموجود في سرديات الأناجيل الإزائية (مرقس ٤: ٣-٨؛ متى ١٣: ٣-٨؛ لوقا ٨: ٥-٨). وعلى الرغم من أنَّ كلَّ سرد من الأناجيل الإزائية يقوم بالتأكيد على جانب خاصّ، إلا أنَّه لا يناقض السرديات الباقية. في الوقت الذي يقدم هذا المثل معلومات جديدة، فإنَّه يتناقض مع السرديات الأُخرى. ومن بين الصفات المهمة لقانونية الأسفار هي قدرتها على إظهار الصفات الإلهية التي تشتمل على الوحدة والدقة. إن هذا السرد لا يُظهر وحدةً مع بقية الأسفار المقدسة، لذلك فإما أن تكون السرديات الواردة في الأناجيل الإزائية خاطئة – على الرغم من كونها تظهر الوحدة بعضها مع بعض- أو أن تكون رواية هذا الإنجيل خاطئة.
يوجد خمسة اختلافات في هذا السرد عن مثل الزارع:
أولاً، عبارة ”أخذ بيده حفنة من البذار“. تخبر الأناجيل الإزائية قارءها عن ”البذار“ التي زرعها الزارع، ولكنا لا تقدم معلومات عن كمَّية البذار التي زُرِعَت. قد يبدو الأمر غريباً في هذا المثل أن يتم زراعة أربعة أنواع تربة مختلفة باستخدام حفنة واحدة من البذار. قد يعتقد المرء أن قطعة الأرض التي يُفترض أن تُنتِج محصولاً وفيراً ستحتاج إلى كمية تفوق حفنة من البذار.
ثانياً، اختار المؤلف أن يضيف عبارة ”لم تُعطي سنابل“ عندما تحدث عن البذار التي سقطت على الحجارة (والتي تتماشى مع سرد لوقا). يقول غرانت وفريدمون بخصوص عدم انتاج سنابل: ”نحن نتواجه في هذا المثل مع العقيدة النحشية (Naassenes Doctrin) القائلة بارتفاع البذار الصالحة إلى السماء.“
ثالثاً، يضيف المؤلف تفصيل الديدان الآتية لتلتهم البذار بعد أن خنقتها الأشواك. يؤكد كل من غرانت وفريدمون أن هذا يشير إلى دود جهنم (انظر مرقس ٩: ٤٨) وذلك يرجع إلى أنَّ الغنوصيّين يعتقدون أن الجحيم هو على الأرض. يبدو أنَّ هذا التأكيد يقدّم إجابة على العشوائية التي ترافق إضافة تفصيل ”الديدان“ إلى المثل. فإن كانت الأشواك كافية لخنق البذار، فلماذا سيحتاج المرء إلى إضافة المزيد من الهلاك إلى هذه المحاكاة؟ في المحصلة، إن يسوع كان يشدّد على الغرض الذي بسببه لم يعد ”التلاميذ“ يتبعونه. لقد اختنقوا بمشاغل الحياة وانغمسوا بلذّاتها.
رابعاً، أكبر كم من الثمار الناتجة عن البذار التي سقطت على تربة جيدة. لقد اختار لوقا التركيز على أعلى كمية من الثمار وهو مئة ضعف. مرقس هو الآخر يذكر ثلاثة كميات محتملة من الثمار وهي ثلاثين وستين ومئة. متى أيضا يذكر ثلاثة كميات محتملة ولكنه يضعها وفق ترتيب معكوس وهي مئة ضعف وستين وثلاثين. أما إنجيل توما فهو يقوم بالتشديد على رقمين وهما ستون ومئة وعشرون ضعفاً. لا يوجد اختلاف حول الستين ضعفاً، لكن يوجداختلاف حول المئة والعشرين؟ تتفق كل السرديات الإزائية على أنَّ أعلى كم من الثمر يمكن الوصول إليه هو مئة ضعف. أما هذا الإنجيل فإنَّه يُعلِّم أنَّه يمكن الوصول إلى ما هو أعلى من ذلك. إن وجود المتواليات سيحمل معنى أكبر وفق إنجيلتوما، على اساس أن مئة وعشرين هو ضعف الستين. وإن أراد المرء أن يقوم بجمع السرديات الأربعة بعضها مع بعض فسيكون من المنطقي الخلوص إلى أن الأرقام ثلاثين وستين ومئة وعشرين ستبدو أفضل من ثلاثين وستين ومئة. ولكن السؤال هو: مالذي قاله يسوع؟ يتفق ثلاثة شهود في شهادتهم عن يسوع. في حين أن انجيل توما يقف وحيداً دون أي دعم في تناقضه هذا.
خامساً، لابد أن يلاحظ القارئ أن المؤلِّف قد اختار عدم ذكر تفسير يسوع لهذا المثل لتلاميذه، في حين نجد أن الأناجيل الإزائية لم تتردد في إعلام القارئ أن هذا المثل قد تم تقديمه لكي يتمكن تلاميذ يسوع وحدهم من معرفة ”أسرار الملكوت“. قد يعتقد المرء أن هذه ستشكل فرصة مواتية لمؤلف هذا الإنجيل حتى يقوم بالتركيز الشديد على عامل ”الأسرار/السريّة“. إن الأمر الواضح هو أنَّ فكرة ”الأسرار“ و ”الأشياء المخفية“ مختلفة بشكل كامل بين كُتاب الأناجيل الإزائية وبين مؤلف هذا الإنجيل. على الرغم من وجود عناصر تشير إلى الوحدة إلا أنَّه يوجد في هذا المثل اختلافات كافية من الناحية اللاهوتية لرفضه.

القول الثاني عشر

قال التلاميذ ليسوع: ”نحن نعلم أنك سوف ترحل عنّا. من سيكون قائدنا؟“ قال لهم يسوع: ”أينما تكونون، يجب أن تذهبوا إلى يعقوب البارّ، الذي من أجله قد صُنِعَت السماوات والأرض.

إن توما يُسجل حواراً بين يسوع وتلاميذه، ومن المرجح أنه قد دار بعد أن أعلن يسوع عن رحيله في يوحنا ١٤. إنَّه لمن المُدهش كيف أن توما يكتب أنَّ دور القيادة سوف ينتقل إلى يعقوب البار (الأخ غير الشقيق ليسوع) عوضاً عن انتقاله إلى الروح القدس، وذلك بحسب وصف يوحنا في الإصحاح الرابع عشر. يستنتج غرانت وفريدمون أن هذه النظرية في انتقال القيادة إلى يعقوب البار بوصفه القائد، قد نشأت من إنجيل العبرانيين والتقليد النحشي (Naassene tradition).
إن التوكيد الأكثر إثارة للإنتباه في هذا القول هو في العبارة الأخيرة. إن توما يشير بطريقة مريبة إلى أنَّ السماء والأرض قد صُنِعَت من أجل يعقوب البار. إن هذا التوكيد يتعارض بشكل كامل مع يوحنا ١ وكولوسي ١. سيشير التفسير السليم لهذين الإصحاحين إلى أنَّ كلَّ شيء قد وُجِدَ بواسطة المسيح ومن أجله. ولابد أيضاً من التنبه إلى أنَّ بولس لم ينظر إلى يعقوب البار على أنَّه الشخص الوحيد الذي كان على الرسل اتباعه بعد صعود يسوع. إنَّه يعترف بأركان ثلاثة للكنيسة وهي: بطرس ويوحنا ويعقوب البار (غلاطية ٢: ٩). إن الواضح هو أنَّه بالنسبة لبولس الرسول أن الروح القدس هو الذي سيقود كل هؤلاء الرجال، إلا أنَّ الكنيسة ككل سوف تتجمع خلف قيادة هؤلاء الرجال الثلاثة، وليس يعقوب وحده.

القول الثالث عشر

 قال يسوع لتلاميذه: ”قارنوني بشخص ما وأخبروني بمن أُشبِه.“ قال له سمعان بطرس:”أنت كملاك بارّ“. قال متى: ”أنت كفيلسوف حكيم.“ قال له توما: ”يا سيّد، فمي عاجز تماماً عن قول من الذي تشبهه أنت.“ قال يسوع: ”أنا لست سيّدك. لأنك قد شربت، وقد أصبحت ثملاً من النبع الفوّار الذي أرقته أنا.“ فأخذه وانسحب وقال له ثلاثة أشياء. حين عاد توما إلى رفقائه، سألوه: ”مالذي قاله لك يسوع؟“ فقال لهم توما: ”إن قلت لكم أحد الأشياء التي قالها لي، فإنكم سوف تتناولون حجارة وترمونها عليّ؛ ونار ستخرج من الحجارة وتُحرِقُكم.“

إن هذا السرد هو الأكثر إثارة للإهتمام في هذا السفر بأكلمه، وهو ينحرف بشكل كامل عن السرد الوارد في الأناجيل الإزائية. يقوم توما بسلب الإعتراف العظيم الذي اعترفه بطرس بخصوص جوهر يسوع. يستخدم المؤلف تشبيهات غريبة مثل ”الثمالة“ و”النبع الفوار“. نجد في هذا السرد أن يسوع كان يسأل تلاميذه عن الشخص الذي سوف يقارنونه به، وتُظهر السرديات الإزائية الثلاثة أن يسوع قد طرح نسخة مشابهة من هذا السؤال.
إن السرديات الإزائية تسجل أنّ شخصاً واحداً معروفاً بالإسم هو من كان قد أعطى الإجابة الصحيحة، وكان ذلك الشخص بطرس. أما التلاميذ كمجموعة كانوا قد أعطوا إجابات مثل: إيليا أو يوحنا المعمدان أو ارمياء أو أحد الأنبياء الآخرين الذي قاموا من الأموات. ولكن نجد أن انجيل توما يسجل لنا أن بطرس قد تحدث أولاً واعطى إجابة غير صحيحة. لقد قارن يسوع بالملاك البار، ولكننا في السرديات الأُخرى لا نجد أن بطرس كان هو أول الذين أعطوا إجابةً بل آخرهم. كان متى هو ثاني الأشخاص الذين أجابوا على سؤال يسوع، وقد قدَّم إجابة بأنَّ يسوع كان فيلسوفاً، وهذه الإجابة كانت خاطئة أيضاً. أجد أنَّه من المريب أن يكون الشخصان اللذان يقدمان إجابات غير صحيحة هما اثنان من الرسل واللذان يقفان وراء اثنين من السرديات الإزائية. يتفق معظم آباء الكنيسة من القرن الأول فصاعدا أن بطرس هو من كان يقف وراء انجيل مرقس. فنجد أن بابياس اسقف هيرابوليس (٦٠-١٣٠م) يقدم ادعاءات بأن مرقس كتب انجيله في روما مسجلاً وعظات بطرس. إيريناوس (١٣٠-٢٠٠م) الآخر قد ادعى أن مرقس كتب انجيله بوصفه كاتباً على يد بطرس. وقد نسب آخرون من أمثال ترتليانوس ويوسابيوس وجاستن مارتر واكليمندس وأوريجانوس انجيل مرقس إلى بطرس. وسيكون من الآمن أن نقوم باستنتاج تاريخي ننسب فيه انجيل مرقس إلى تعاليم بطرس الشفهية.
بعد أن ثبّتنا هذه الأمور، سأتابع في عملية استخلاص العلاقة المثيرة للإهتمام بين التلميذان اللذان تحدثا وأعطيا إجابات خاطئة عن شخص المسيح. إن متى يقدم إجابةً يونانية [الطابع] من خلال قوله أن يسوع كان فيلسوفاً، وذلك على الرغم من أنَّ متى هذا قد أظهر بشكل متكرّر أن كتاباته تحمل طابعاً يهودياً بشكل أكبر. يبدو هذا القول كما لو أنَّه يمثل لحظة افتراء اختار فيها مؤلف هذا الإنجيل أن يستخدمها ضد التلميذين الآخَرَيْن. يبدو الأمر كما لو أن توما يقول أنَّ تسجيله عن يسوع أفضل. يرجع كل هذا إلى أنّه كان قد أُعطي وحده ”معلومات سرية“ من يسوع. لا يستطيع أي شخص أن يقدّم بشكل يقينيّ الدافع وراء هذا الأمر، ولكن انحراف هذا الإنجيل عن السرديات الإزائية يجب أن يدفع المرء للتشكك.
إن توما في هذا السرد يصبح بطل القصة. ولكننا نجد أن يسوع قد صَوَّب توما لأنّه دعاه ”سيّد“. فيسوع هنا يرغب في إعلام تلاميذه أنَّه عندما تنتقل المعرفة إليهم فإنهم سوف يصبحون أصدقاء له وليس خدّاماً. على ما يبدو أنَّ توما كان هو الوحيد الذي استفاد من هذه المعرفة. أخذه يسوع جانباً وقال له ”ثلاثة أشياء“ لا يعرف أي شخص ما هي على وجه اليقين حتى يومنا هذا. في الواقع لقد سأل التلاميذ الباقين توما عن الأمور التي قالها له يسوع. ولكن توما أجاب: ”إن قلت لكم أحد الأشياء التي قالها لي، فإنكم سوف تتناولون حجارة وترمونها عليّ“.
إن هذه المعرفة السرية التي من ”النبع الفوّار“ لم يتم مشاركتها إلا مع توما، وقد تمَّ سكبها عليه بغزارة إلى درجة أنَّه ”ثَمِلَ“. إن هذه الإستنارة التي نتجت عن الأشياء الثلاثة كانت قوية جداً إلى درجة أنها ستجعل التلاميذ الباقين يشعرون بالغيرة إلى مستوى الإجرام. وإن لم يكن الأمر مريباً بما فيه الكفاية، فإن الحجارة التي قد تَتسبب بمقتل توما سوف تُطلق نيراناً تحرق بقية الرسل.

القول الرابع عشر

قال يسوع لهم: ”إن صمتم، فإنكم تجلبون على أنفسكم خطيئة؛ وإن صلّيتم، فإنكم تُدانون؛ وإن قدّمتم صدقة، فإنكم تؤذون أرواحكم. عندما تذهبون إلى أي أرض وتتجولون في مناطقها، فإن استقبلوكم، فكُلوا مما سيضعونه أمامكم، واشفوا المرضى بينهم. لأن ما يدخل فمك لن ينجسك، بل ما يخرج من فمك – هو ما يُنجّسك“.

يوجد ثلاثة جوانب لهذا القول وهي مرتبطة بالموعظة على الجبل. إن الإرتباط الذي يقدمه المؤلف بين الصوم والصلاة والصدقات يُظهر أنّه قد خلط بين متى ٥-٧ ولوقا ١٠: ٧-٨. إن يسوع كان قد علَّم بأنَّ الصوم والصلاة وتقديم الصدقات هي أمور نافعة للمؤمن، وذلك بحسب السرد الوارد في السرديات القانونية. ولكن في هذا الإنجيل، يبدو الأمر سلبياً. الصوم يتسبب بإنتاج رغبة شديدة بارتكاب الخطيئة. إن الغنوصيّين لم يروا أن ممارسة ضبط النفس هي ممارسة جيدة. كما أنَّ الصلاة، بحسب فكر توما، تجلب الدينونة والصدقة تؤذي الروح.

في الجزء الثاني من هذا القول، يقوم توما بتقديم تشابه بين سرده وبين السرد الذي دوّنه لوقا. إذ أن يسوع حين أرسل تلاميذه ليبشروا برسالة الإنجيل، أعطاهم تعليمات ليتصرفوا وفق طرق معينة وذلك بناءً على قبولهم أو رفضهم. إن توما يُعلِم القارئ بأنَّه يجب على التلاميذ أن يأكلوا أي شيء يُقدَّم لهم، كما أعلم لوقا جمهوره. على ما يبدو أنه يوجد خطأ من قِبَل توما، وهو ما قد يثبت أن الإنجيل مزور. إن الكاتب كان يقوم بشكل واضح بالإقتباس من الإصحاح العاشر من لوقا وعلى ما يبدو شمل في اقتباسه عبارة ”اشفوا المرضى بينهم“. إن هذه العبارة لم تكن ذات طبيعة غنوصية، وهذا هو المكان الوحيد في هذا الإنجيل حيث نجد ذكر الشفاء في هذا النوع من السياق. كتب غرانت وفريدمون ”إن التصريح المتعلق بشفاء المرضى لا يمتلك أي صلة بالسياق في انجيل توما؛ إنَّه مُرتبط فقط بمجموعة أقوال لوقا. وبالتالي فإن توما قام بالنسخ من لوقا.“

القول الرابع والعشرون

قال له تلاميذه: ”أرنا المكان الذي أنت فيه، حيث أنه يجب علينا أن نطلبه.“ قال لهم: ”من له أذنان، فليسمع. يوجد نور داخل إنسانٍ من نور، وهو يُنير العالم بأسره. فإنَّه إن لم يُنِر، فهو ظلمة.“

يتم تقديم هذا السؤال إلى يسوع باهتمام كبير. كان تلاميذه يتساءلون عن السعي إلى ”المكان“ الذي سيكون فيه يسوع. يُمكن أن يتم فهم هذا الطلب بطريقة أفضل على أساس أنَّه يُظهر رغبتهم برؤية الآب، تماماً كما كان طلب فيليبس في يوحنا ١٤: ٨ ”أرنا الآب“، ونجد في انجيل يوحنا أن يسوع قد أشار إلى نفسه من خلال إجابته: ”الذي رآني قد رأى الآب“ (يوحنا ١٤: ٩). في هذا الإنجيل نجد أن يسوع يشير إلى النور الذي في داخلهم. نجد من جديد الإختلافات بين لاهوت الأناجيل القانونية وبين لاهوت الأناجيل الغنوصية. إن السرد القانوني يُعلمنا بأنَّ الإنسان ضائع في الظلمة ولا يُمكنه أن يأتي إلى النور (يوحنا ٣: ١٨-٢٠؛ رومية ٣: ٩-٢٠). وبأنَّ الإنسان لا يمتلك نور داخلي يتبعه. إن النور الذي للإنجيل وحده هو الذي يستطيع أن يقوم بتحويل أبناء الظلمة إلى أبناء للنور (بطرس الأولى ٢: ٩).

القول الرابع عشر بعد المئة

قال له سمعان بطرس: ”قل لمريم أن تُفارقنا، لأن النساء لسن أهلاً للحياة.“ أجاب يسوع: ”أنا بنفسي سوف أقودها لتصبح رجلاً، حتى تصير هي الأُخرى روحاً حيّة تشبهكم أنتم الرجال. لأن كلَّ امرأة تجعل من نفسها رجلاً سوف تدخل ملكوت السماء.“

يقدم تصريح بطرس الذي قدمه ليسوع والمختص بمريم قراءةً فريدةً. يمكن للمرء أن يفترض بأن هذا التصريح يشير إلى مريم المجدلية، ذلك على اعتبار أن الغنوصيّين كانوا مفتونين بوجودها. إضافةً إلى ذلك يبدو أنَّ دخول الحياة الأبدية يتطلب تغييراً في الجنس. يختلف الإيمان الغنوصي بالإعتماد على معنى هذا القول. يقترح جيرد لودمان أن هذا القول قد أُضيف في فترة متأخرة في سبيل استكمال النصوص الغنوصية الزهدية المتداولة.

كتب روبرت ماكلاشلان ويلسون ”بهذه الطريقة تمَّ الوصول إلى ذروة تعليم توما عن الأمور الأُخروية، حيث تم إزالة الجنس.“ لابد من الإشارة هنا إلى أنَّ هذه النقطة تختلف بين الفرق الغنوصية. على سبيل المثال، في المذهب الڤالانتيني (نسبةً إلى ڤالانتينوس) إن روح المُختار تدخل إلى البليروما (المَلَأ / الكون الروحي حيث يسكن الله) ليس كما العرسان إنما كعروس للملائكة. ولكن يبقى المفهوم الأساسي هو نفسه“. بصرف النظر عن تاريخ القول الرابع عشر بعد المئة، إن الأمر الواضح هو بأن هذا التعليم يتناسب مع الفكر الذي يقف وراء الغنوصية. فالجسد هو شرير بطبيعته والخلاص الحقيقي يأتي من خلال الهروب من الجسد. وبالتالي فإن الخلاص النهائي للغنوصية هو من خلال الصيرورة كروح ومحو الجنس.

الخلاصة

يقف إنجيل توما إلى جانب الأسفار غير القانونية الأُخرى في الفشل في تلبية معايير النموذج القانوني. إن أعظم طريقة لتفحص صلاحية الأسفار من أجل قوننتها هو من خلال اختبارها وفق نموذج المصادقة الذاتية. توجد طرق أُخرى للقوننة مثل النموذج الكاثوليكي الرومي، والنموذج التاريخي، ونموذج النقد القانوني وسواها. لكن وبغض النظر عن منهجية المرء المتبعة فإن معظم النماذج سوف تودي إلى رفض إنجيل توما.

وفق نموذج المصادقة الذاتية يوجد ثلاثة معايير وهي:

  1. يجب أن تحتوي صفحاتها على صفات إلهية. وبحسب ما رأينا في الأقوال التاسع والرابع عشر وسواهما، فإن هذا الإنجيل فشل في تلبية تلك المتطلبات. إنه يفتقر إلى الوحدة، ليس مجرد الوحدة الداخلية ضمن السفر نفسه، إنما الوحدة مع الأسفار القانونية الأُخرى أيضا.
  2. يجب أن يتم تتبعه إلى الرسل. إن هذه الوثيقة قد ظهرت في وقت لاحق من التاريخ وذلك بعد أن مات الرسل. إنه من المؤكد أن الكاتب ليس هو توما الرسول. حتى أن العلماء غير المؤمنين سوف يؤيدون هذه الفكرة. كما أشرنا في المقدمة فإن أحدث تاريخ يمكن أن يتم منحه بدقة لهذا الإنجيل يرجع إلى الفترة الممتدة بين ١٠٠-١٢٠ م.
  3. يجب أن يتم قبوله من الكنيسة ككل. إن حقيقة اختفاء هذه الأناجيل المنحولة لما يقرب من خمسة عشر قرناً، تشير إلى أن الكنائس على مرّ العصور قد رفضت هذه الأسفار. لقد تمَّ نسخ وحفظ الأناجيل القانونية الأربعة فقط، وتمت ترجمتها بشكل مستمر عبر امتداد تاريخ الكنيسة. ليس هذا فحسب، بل إن الأناجيل القانونية تتفرد بإمكانية ربطها بالرسل في القرن الميلادي الأول.

يجب ألا يتم قبول إنجيل توما كواحد من الأناجيل القانونية، إذ أنَّه فشل في جميع الجوانب الثلاثة لنموذج المصادقة الذاتية. على الرغم من وجود تصريحات عن الحقيقة وهي متوازية مع الأناجيل القانونية، فإنَّه يجب أن يتم النظر إليه على اساس أنه مزور ويمتلك تأثيراً غنوصيا. إن الأمر الواضح من محتوياته هو أنه لم يكن إنجيلاً مستقلاً، ولكن كان مثل نسخة من الأناجيل الأربعة الأصلية مع إضافة تلك الفروقات البسيطة. يجب أيضاً أن يتم اعتبار مضمونه هرطوقياً. ونجد أن يوسابيوس في تاريخه الكنسي لم يقم بوسم إنجيل توما بأنه هرطقة فحسب بل وسمه أيضاً بأنَّه ”شرّير وغير تقويّ“.

في الختام، كيف يجب على المسيحيّين أن يتعاملوا مع هذا السفر؟ أعتقد أنَّ الوقت قد حان لكي يقوم المسيحيّون بالقضاء على جهلهم بهذه الأنواع من الكتابات. يجب أن يتم فحص هذه الأسفار ومقارنتها مع الحقيقة. لقد قام دان براون مع أشخاص كثيرين بالتسويق لهذه الأسفار من خلال بيع ملايين الكتب وجني ملايين الدولارات من الأفلام التي قامت بمنح الشهرة لهذه التعاليم. لقد ابتليت الكنيسة الأمريكية [والعالمية] بالجهل فيما يتعلق بتاريخ التلقي والقبول المسيحي للأسفار القانونية. يجب أن تكون هذه الأسفار دافعاً للمؤمن لكي يُحب ويدرس ويثمِّن الأناجيل القانونية الأربعة بطريقة أكبر.

نعمة وسلام

الدكتور ستيڤن بويس


يمكنكم قراءة النص الإنكليزي للدراسة السابقة.

يمكنكم الوصول إلى المزيد من المواضيع التي قام بتقديمها الدكتور بويس من خلال الموقع الإلكتروني لكنيسة سيتي لايت: