المُحيطات تُظهر لنا أرض حديثة العهد

استمع إلى النص

إن مُعتقد العصور القديمة الممتدة لعدة ملايين من السنوات هو مصطلح واسع الإنتشار في يومنا الراهن. يبدو هذا المعتقد كما لو أنَّه العصا السحرية التي تقوم بحل المشكلات المرتبطة بتحول الجزيئات إلى إنسان. على الرغم من أنَّ وجود ”السنوات المليونية“ هو شرط ضروري من أجل الحصول على التطور البيولوجي (الإحيائي)، إلا أنَّه ليس شرطاً كافياً- لطالما قمنا بإظهار إمكانية استبعاد [هذا الأمر] من خلال أدلة علمية أُخرى.

كانت فكرة ’السنوات المليونية‘ قد ظهرت إلى الوجود من خلال علم الجيولوجيا -من الطبقات الصخرية. بشكل أكثر تحديداً، لقد ظهرت هذه الفكرة من التفسير الذي يَفترض أنَّ تلك الطبقات قد تشكلت من خلال المعالجات التدريجية البطيئة التي نراها في يومنا الراهن، بمعدلات مشابهة للمعدلات الراهنة. يُعرف هذا النظام العقائدي بإسم مذهب الطبيعة الواحدة (Uniformatarianism). لم يكن الأمر نتيجةً للأدلة العلمية، إنما تمَّ فرضه على الأدلة.

يتسبب هذا النظام العقائدي بافتراض نظري يلغي كون الطوفان المسجل في الكتاب المقدس واحداً من التفاسير المحتملة. من الناحية الأُخرى، يمكن للطوفان أن يكون قد تسبب بتشكل كل ذلك العمل الجيولوجي الظاهر في الصخور خلال فترة زمنية قصيرة، عوضاً عن ملايين السنوات.

من المؤكد أن مياه ذلك الطوفان قد انتهت مشكلةً البحار المعاصرة. بمجرد الوقوف على الشاطئ، يمكننا أن نحصل على لمحة عن قدرة الله الفائقة في خلقه لهذا الكوكب وكلّ المياه التي فيه، وكذلك عن النطاق الرهيب الذي شملته دينونة الله في الطوفان. يمكننا أيضاً أن نتعلم أكثر من ذلك بكثير من خلال تلك الأمواج المذهلة؛ يوجد الكثير من خطوط الأدلة التي تنبثق من المحيطات، والتي تدحض فكرة السنوات المليونية وتؤيد التاريخ التوراتي بشكل صارخ.

استخدام إفتراضات مذهب الطبيعة الواحدة – لدحض فكرة العصور الطويلة

تقدِّم لنا المحيطات طريقة أُخرى ”للتأريخ“، ويرجع ذلك إلى قدرتنا على القيام بقياس لمعدلات عدد من العمليات المختلفة المتعلقة بالمحيطات. ومن خلال استخدام النظام العقائدي الشخصي للمؤمنين بالعصور القديمة، يمكننا أن نقوم بتحديد ’الأعمار القصوى‘ التي لا تتوافق مع النموذج العلماني للعمر الطويل. إضافةً إلى ذلك، فإن هذه الأعمال لا تقوم بتقديم أي تحدٍّ للإطار الزمني للتاريخ التوراتي. وبالتالي فإن مذهب الطبيعة الواحدة هو مذهب ذاتي النقد وذلك بخصوص الأدلة العلمية الموجودة بين يدينا.

ملح المحيطات

يمكن أن تقدم لنا ملوحة المحيطات ما يشبه ”الساعة“ وذلك لأننا قادرون على تقدير كمية الأملاح التي تدخل إلى المحيطات، والكمية التي تخرج منها. لقد تبيّن أن الكمية الداخلة تتفوق على تلك الكمية الخارجة، وبالتالي فإن المحيط يزداد ملوحةً مع مرور الزمن. لذلك فلنقم باستخدام هذا الأمر ’كساعة‘ تتبع المذهب ذو الطبيعة الواحدة من خلال افتراض أن هذه العملية كانت قد استمرت وفق معدلات شبه ثابتة. كم هو مقدار الزمن الذي نحتاجه للوصول إلى معدل الملوحة الحالي في حال كنا قد ابتدأنا بمياه عذبة؟

إن نتائج الدراسة التي قام بتقديمها العالمان الخلقيان ستيڤ أوستن وراسل هامفريز، حيث استخدما فيها أكثر الأرقام المتوفرة تحفظاً، قد قدّمت حدّاً أقصى للعمر (وليس عمرّاً فعلياً) يقدر بحوالي ٦٢ مليون سنة.1 في الوقت الذي قد يبدو هذا كزمن طويل، إنَّه لا يزال يقدم رقماً قصيراً جداً ليتسع للعمر العلماني المفترض للمحيطات والبالغ ٣،٨ مليار سنة.2 لاحظ أن المحيطات سوف تبدأ بنسبة من الملوحة فيها، بالإضافة إلى الكم الهائل من الأملاح والمعادن التي سوف تُضاف خلال الطوفان من عمليات الحت والتعرية والنشاطات البركانية. أظهرت تقديرات أحدث أن كمية الأملاح الداخلة تتجاوز تلك التي قام باستخدامها أوستن وهامفريز في حساباتهما، مما يعني أن التقدير يجب أن يكون أقل.3 بكل بساطة، يجب أن تكون المحيطات في يومنا الراهن أشد ملوحةً بكثير مما هي عليه، وذلك فيما لو كانت قديمة إلى درجة قريبة من العمر المفترض لها وفق ادعاءات الإطار الزمني العلماني. إن ’المهرب‘ الوحيد لفكرة العمر الطويل هو من خلال افتراض حدوث تغيّر درامي في المعدلات – وهو الأمر الذي سيقوّض فكرة مذهب الطبيعة الواحدة!

تراكم النيكل

يمكننا أيضاً أن نقوم بقياس معدلات النيكل التي تدخل إلى وتخرج من المحيطات. لو وُجد الكثير من النيكل الذي يُذاب في مياه المحيط، فإنَّه سوف يصبح سامّاً. وفقاً للإرشادات الصحية البيئية البريطانية، إن التركيز الذي يتجاوز ٣٠ جزيئاً في المليار هو سامّ لأشكال الحياة البحرية – كان يجب أن يتم الوصول إلى هذا المعدل خلال مدة ١،٠٧٦،٠٠٠ سنة وفق معدلات التراكم الحالية!

في الوقت عينه نحن نعرف أن ’العقيدات‘ المعدنية الموجودة على أرضية المحيط تحتوي على أشكال من النيكل، فهل يمكن لهذه العقيدات أن تفسر المعدل المنخفض للنيكل طوال هذه العصور الطويلة؟ إن الإجابة ببساطة هي لا، فلو أن كل كمية النيكل التي تدخل إلى المحيط كانت تتجمع بشكل عقيدات معدنية، فإنه وفقاً لمعدلات الإدخال الحالية ستكون ١٦٨،٠٠٠ سنة كافية لتجميع كل كمية النيكل الموجودة للتو في العقيدات. كما هو الحال بالنسبة للأملاح فإن النيكل هو الآخر يدخل إلى محيطاتنا بمعدل سريع للغاية وهو أكبر من أن يتوافق مع الإطار الزمني المفترض وفق العمر الطويل للأرض.4

أين هي كلّ رواسب قاع المحيط؟

نحن نلاحظ تراكم الرواسب على قاع المحيط والذي ينتج عن تآكل قارّاتنا. يلاحظ في بعض المواضع مثل مصبات الأنهار أنَّ شواطئنا تتصاعد (ترتفع أرضيتها) بشكل تدريجي نتيجةً لعمليات الحت التي تقوم بتفريغ الرواسب من اليابسة إلى البحر؛ في الوقت عينه فإن الأودية والمضائق تزداد عُمقاً نتيجةً لذات عمليات الحت والتعرية. إن كلّ الأشياء تقترب من التساوي مع مستوى سطح البحر، مع معدلات ذات سرعة أعلى عند المرتفعات والمنحدرات.

إن سماكة الرواسب على قاع المحيط بشكل وسطي هي بحدود ٤٠٠ متر (حوالي ١٣٠٠ قدم)، ويوجد بعض المواضع من قاع المحيط التي لا تتواجد عليها أية رواسب. سوف لن نتوقع العثور على أي شيء مماثل في قاع المحيط لو أنَّه كان في الحقيقة بالغ القِدَم. يمكننا أيضاً أن نقوم بتخمين المعدل الأقصى الذي يمكن أن يتم وفقه التخلص من الرواسب على قاع المحيط من خلال عملية إنزلاق الصفائح القشرية (التي تحدث حين تنزلق إحدى صفائح القشرة الأرضية بشكل تدريجي تحت صفيحة أُخرى). بافتراض كون المعدل الحالي هو المعدل السائد (وهنا نقوم من جديد بافتراض مذهب الطبيعة الواحدة)، فإنَّه بطيء للغاية لكي يتسبب بالوصول إلى النتائج الحالية؛ أي أنَّه لا يتم التخلص من كمية كافية من الرواسب الطينية المتراكمة على قاع المحيط وفق هذه العملية. حقيقة الأمر أنَّه وفق المعدل الحالي ستتراكم كامل الكمية الموجودة حالياً من الرواسب خلال مدة لا تتجاوز ١٢ مليون سنة.5 نُكرِّر من جديد، إن الطاقة الهائلة الناجمة عن الطوفان العالمي الذي استمر لمدة عام كامل سوف تعني أنَّ هذه الأمور قد حدثت بسرعة أكبر بكثير من الزمن المقدر سابقاً.

الأخاديد (الأودية) المائية الهائلة

نحن نجد حول العالم أمثلة عن الأودية الهائلة في البحار – البعض منها أضخم من الوادي العظيم (Grand Canyon)- وهي متموضعة في المياه العميقة وتتخذ زاويةً عموديةً مع خط الساحل. واحد من بين هذه الأمثلة هو أخدود مونتيري الذي يقع مقابل شواطئ مدينة مونتيري في كاليفورنيا. يبلغ أقصى ارتفاع لجدار هذا الأخدود المائي ١٧٠٠ متر (٥٦٠٠ قدم)! لكن حتى هذه الأرقام تتلاشى أمام ارتفاع جدار أضخم الأخاديد المائية – وهو أخدود كابريتون المائي الذي يصل ارتفاع جداره إلى ٣٠٠٠ متر (١٠،٠٠٠ قدم). مالذي يمكن أن يفسر وجود هذه الأخاديد (الأودية) تحت الماء؟

يقف علماء الجيولوجيا المؤمنين بمذهب الطبيعة الواحدة حائرين من أمرهم، ويعترفون بعدم وجود أي نظريات مقبولة عموماً وقادرة على تقديم تفسيرٍ لوجود هذه الأخاديد. إلا أنَّ هذا الأمر منطقيٌّ عند النظر إلى هذه السمات [الجيولوجية] وفق منظور الأرض الحديثة العهد وطوفان نوح. لقد تمَّ شقّ هذه الأخاديد من خلال ’التيّارات [المائية] الموجّهة‘ التي أتت من القارّات في مرحلة انحسار الطوفان. هذا هو السبب الكامن وراء وجودها في الكثير من الأحيان بشكل موازٍ للأودية المتواجدة على البرّ. إذ أنَّ التيار المتدفق الذي تسبب بشقّ الأودية على البر كان قد تسبب بشق الأخاديد المائية الواقعة في البحر.6

الصورة الكليّة

إن المحيطات لا تقوم بعكس الصورة التي نتوقعها فيما لو كان عمرها يرجع حقاً إلى عدة مليارات من السنوات. إن هذا الأمر متسق مع الكتاب المقدس؛ إذ أنَّ وجود المحيطات المعاصرة كان قد ابتدأ مع في اليوم الأول من أسبوع الخلق، قبل حوالي ٦٠٠٠ عام، وهي تغطي الأرض.

إن المحيطات المعاصرة تحتوي على كمية أكثر من كافية من المياه لتغطي كلّ الأرض. لو أنَّنا قمنا ببسط جميع تباينات [الإرتفاع] الحالية بين اليابسة وقاع البحر فإن مياه المحيط سوف تغطي كامل الأرض بعمق يبلغ حوالي ٣ كم (٢ ميل)! إن الحركة التكتونية لصفائح القشرة الأرضية التي حدثت في بداية الطوفان قادرة على تفسير غمر المياه لليابسة.

في الفترة التي تلت الطوفان كما يشير المزمور ١٠٤: ٨، لقد ”ارْتَفَعَتِ الْجِبَالُ وَغَاصَتِ الْوِهَادُ“7مُعطِيةً لنا السطح المتباين في الإرتفاع للكوكب الذي نعيش عليه. حتى إن جبل ايڤريست الذي يمتلك واحدةً من أعلى القمم على الكوكب، كان ليرتفع في المراحل النهائية للطوفان، لينشأ في تلك المرحلة كسمة [جغرافية] جديدة. (إن قياس ارتفاع قمة هذا الجبل يشير إنها إلى لاتزال ترتفع في يومنا الراهن إنما بمعدل أبطأ بكثير.) لذلك فإنه ليس من المستغرب أن نجد قمتها تحتوي على طبقات من الحجر الجيري المتضمن لبقايا مخلوقات بحرية. إن ماسبق يقدم إجابات على الأسئلة التي يقدمها [المؤمنون] بقدم عمر الأرض مثل: ’من أين أتت كل تلك المياه؟‘، و’هل كانت كافية لتغطي كامل وجه الأرض؟‘، وكذلك ’أين ذهبت كل [تلك المياه]؟‘

كما سبق ورأينا، لا تحتوي محيطاتنا على أدلة تؤيد التاريخ التوراتي فحسب، بل هي تحتوي على ذات تلك المياه التي فاضت على الكوكب قبل زمن طويل – المياه ذاتها التي حملت فُلكَ نوح.8

مراجع

  1. Austin S.A. and Humphreys, D.R., The sea’s missing salt: a dilemma for evolutionists, Proc. Second International Conference on Creationism, Vol. II, pp. 17–33, 1990.
  2. Why do we have oceans? oceanservice.noaa.gov, 25 June 2018
  3. Sarfati, J., Salty seas, Creation 21(1):16–17, 1998; creation.com/salty.
  4. Whyte, D., Nickel concentration indicates young oceans, Creation 38(3):54–55, 2016; creation.com/nickel. Figures used are those updated on 8 March 2021.
  5. Walker, T., The mud is missing, Creation 32(3):52, 2010; creation.com/missing-mud.
  6. Oard, M., Submarine canyons bigger than Grand Canyon: Carved as Noah’s floodwaters receded, Creation 41(3):48–51, 2019.
  7. نص المزمور من ترجمة كتاب الحياة.
  8. Batten, D., Ed., The Creation Answers Book, Chap. 12: Noah’s Flood—what about all that water? creation.com/cab12.