العبادة الشيطانية (Satanism)

بإمكانكم الحصول على الدراسة من خلال مكتبة غوغل من هنا.

مقدمة

المذهب الشيطاني هو المصطلح العام الذي يشير إلى عبادة الملاك الساقط لوسيفر أو الشيطان (التكوين ٣: ١-١٥؛ اشعياء ١٤:١٢). من الصعب أن يتم إعادة تقديم التاريخ الكامل للعبادة الشيطانية، فالأدلة التي ترجع إلى الفترة التي تسبق القرن السابع عشر هي قليلة للغاية. أما البيانات والأدلة الموجودة من الفترات اللاحقة فهي لن تساعد على إعادة تشكيل الصورة التاريخية لهذه العبادة بشكل دقيق، وذلك يرجع إلى أنَّ هذه الأدلة قد وصلت من قِبَل المسيحيّين في الفترة التي شاعت فيها عمليات مطاردة السحرة، لذلك فإن الأمر المتوقع أنه قد تمَّ المبالغة في الإبلاغ عن نشاطات العبادة الشيطانية أو الفرق التي تمارس هذه العبادات.

يجب أن يتم التنبه إلى عدم الخلط بين عبادة الشيطان وبين السحر (Witchcraft) على الرغم من وجود بعض الإرتباط بين المذهبين في إطارات معينة. وعلى الرغم من أن ممارسي السحر ينطوون تحت لواء الجماعات غير المسيحية أو الوثنية، إلا أنَّ المذهب الشيطاني يمارس طقوسه السحرية في عداءٍ للإله المسيحي-اليهودي ويتميز بكونه مناقضاً له بشكل كامل.

التاريخ

كان نموّ المذهب الشيطاني ردّ فعل ضدَّ المسيحية، ويمتلك هذا المذهب تاريخاً طويلاً ومتقلباً يغيب عنا من تفاصيله الكثير من الأحداث الماضية. إلا أن السرديات الموثقة التي تتحدث عن الجماعات الشيطانية فهي ترجع إلى القرن السابع عشر في كل من أوروبا وأمريكا.

لقد تمَّ نسب العبادة الشيطانية إلى الكثير من المجموعات الهرطوقية عبر التاريخ. وكانت الكنيسة الرومية الكاثوليكية قد وجّهت تهمة ممارسة الطقوس الشيطانية إلى هرطقات مثل الهرطقة البوغوميليّة1 (Bogomils) 2والهرطقة الكاثرية التطهيريّة (Cathari) 3والهرطقة البيجينيّة (Albigeneses). أما في جمهورية الدومينيكان فإن الكاثريّين التطهيرين قد أُعطوا لقب مجمع الشيطان في مرحلة محاكم التفتيش. إلا أن التُّهم لم يكن لها أساس في معظم تلك الحالات إنما كانت موجهة من قِبَل الكنيسة الرومية في العصور الوسطى بهدف الحفاظ على سيطرتها إضافةً إلى الإستيلاء على أملاك وثروات المُتَّهمين. كانت تُهم العبادة الشيطانية والسحر هي التُّهم الرائجة في تلك الحقبة، وكان من السهل أن يتم توجيهها إلى أيّ شخص يتجاوز حدود الإيمان القويم والحدود التوافقية.

امتلك البروتستانت ذات الميل إلى التشكك بالناس على أنهم سحرة أو عبدة شيطان. بشكل خاص بعد أن رسَّخت الحركة الإصلاحية موطئاً لقدميها في شمال أوروبا، وكان اللوثريون والكالڤنيون الملتزمون ينظرون بسهولة إلى كل ما هو رومانيّ كاثوليكي على أنَّه من الشيطان. وقد خَلُصَ مارتن لوثر (١٤٨٣-١٥٤٦) إلى أنَّ البابوية كانت هي مقرّ ضد المسيح وأن روما هي الزانية التي يتحدث عنها سفر الرؤيا في الإصحاح السابع عشر.

وصل الخوف من الشيطان إلى ذروته في أمريكا في مستعمرة ماساتشوستس وذلك خلال ما عرف شعبياً بإسم محاكمات السحر في ساليم (The Salem Witch Trials) في العام ١٦٩٢. كانت تهمة المسّ الشيطاني هي التي تمَّ توجيهها إلى المتهمين، وذلك بعد أن ادَّعت سبعة فتيات بمن فيهنّ ابنة الوزير سامويل باريس، بأنَّهن قد وقعن تحت تأثير سحر الفودو من خلال عمل أَمَة الوزير باريس، المدعوة تيتوبا التي تنحدر أصولها من باربادوس. اعترفت تيتوبا بأنها وسبعة أشخاص آخرين كانوا قد عملوا اتفاقية مع الشيطان. تَبِعَت تلك المحاكمة موجة من توجيه الإتهامات المشابهة، وهو الأمر الذي أدى إلى هستيريا أنتهت بشنق تسعة عشر شخصاً ممن كانوا قد اتّهموا بممارسة السحر وعبادة الشيطان.

المذهب الشيطاني المعاصر

4إن قصة المذهب الشيطاني المعاصر قد ارتبطت بحياة أليستر كراولي (Aleister Crowley 1875-1947). لم يعتبر كراولي نفسه في أي مرة أنَّه من عبدة الشيطان، إلا أنَّ كتاباته عن السحر قد أثرت في المذهب الشيطاني في حركة معاداة الثقافة (أو الثورة على الثقافة) في القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية.

ظهرت قوّة شخصية كراولي منذ طفولته، وقد ترعرع في كنف كنيسة أخوية بلايموث، إلا أنَّه كان معانداً للتعاليم المسيحية منذ بداياته تقريباً. وقد سجل الباحث ريتشارد كانديدلي أنَّ كراولي ”كان قد فضَّل الشخصيات الشريرة من الكتاب المقدس على الصالحة منها، وحين أطلقت عليه أمَّه لقب الوحش العظيم ٦٦٦ الذي في سفر التكوين، قبل هذا اللقب بكل سرور على أساس أنَّه هويته الشخصية.“5

في العام ١٨٩٨ انضم كراولي إلى جماعة الفجر الذهبي الهرمسيةّ6، التقى هناك مع مرشده المؤقت ماك-غريغور ماذيرس الذي كان قائد تلك المجموعة الدينية. يذكر عنه الباحث كانديدلي أنّه حمل لقباً ضمن الجماعة وهو الأخ بردورابو (ويعني: ”سوف أتحمّل“) وابتدأ تعاطي المخدّرات. كانت شراهته الشهوانية تجاه الجنسين واهتمامه البالغ بالقوى المظلمة في الإنسان والحيوان سبباً في اكتسابه للسمعة السيئة. كان يتم اعتبار كراولي أحد أسوأ الشخصيات وأكثرها انحطاطاً في نهاية القرن، يرجع ذلك بشكل خاص إلى شهوانيته وبغضه للمسيحية وتعلّقه بالشر والشيطان.5

7كانت تعاليم جماعة الفجر الذهبي عبارة عن نوع من التعاليم السحرية المشتقة من الكابالاه (Kaballah) ومذهب 8الصليب الورديّ (Rosicruicianism). كما يوجد بعض التشابه مع الماسونية (Freemasonary) والثيوصوفيا (Theosophy). إلا أنَّ السحر لم يكن كافياً لكراولي الذي كان متيقناً من إمكانية السيطرة على قوى أعظم من السحر من خلال الجنس والمخدرات. شهدت تلك المرحلة صراعاً عنيفاً بين ماذيرس وكراولي. في نهاية المطاف ادَّعى كراولي أنَّ ماذيرس قد قُتِلَ في مبارزة في السحر من قِبَل مصاص دماء كان قد قام باستحضاره.

أظهر كراولي غرابة أطواره التي كانت سبباً في طرده من الجماعة. لم يتوانى كراولي في صياغة أفكاره السحرية من خلال طلب المساعدة من الزعماء السريّين لجماعة النظام الهرمسيّ (هؤلاء الزعماء هم كيانات إلهية ذات مقدرات تفوق الطبيعة). كان الوحي قد أتى إلى كراولي في القاهرة حيث تمت زيارته من قبل ملكٍ حارسٍ يُدعى أيواز (Aiwaz). وابتدأ حينها كراولي كتابة الوحي الذي ادّعى أنَّه تلقاه من الملاك. كانت تلك الإملاءات التي قام بتسجيلها هي الأساس الذي استخدمه في إنشاء كتابه الذي يحمل عنوان (كتاب القانون). تمت صياغة الأساسيات للمذهب الشيطاني بالإعتماد على كتاب القانون في الستينيات من القرن العشرين ومن ثمَّ تمَّ تطويرها في وقت لاحق. قدّم كراولي مساهمة أدبية إضافية تحمل عنوان (الإعتدال الشمسي – The Equinox) في الفترة الممتدة بين العامين ١٩٠٩-١٩١٣، وكانت الأفكار التي فيها أساساً للمذهب الشيطاني الحديث.

انضم كراولي في العام ١٩١٢ إلى جمعية سرية ألمانية سرية أسسها الماسوني الممارس للسحر والشعوذة كارل كيلنر (Karl Kellner)، وتحمل اسم جماعة المعبد الشرقيّ (Ordo Templi Orientis). كان تركيز هذه الجمعية على السحر الجنسيّ هو الأمر الذي كان يبحث عنه كراولي. بعد وفاة كيلنر تولى زمام القيادة عضو جهاز المخابرات السرية الألماني المدعو ثيودور روس، وقد عرض على كراولي أن يتولى قيادة الفرع البريطاني من الجمعية وذلك نتيجة لرغبة الأول في إزالة كراولي من الصورة نظراً لاطلاعه على أسرار الجماعة.

أمضى كراولي بعض الوقت في الولايات المتحدة وذلك في الفترة الممتدة بين ١٩١٤ – ١٩١٩. في أثناء إقامته في ولاية نيو هامبشير في عام ١٩١٦ رفَّع نفسه إلى رتبة ساحر (Magus). وخلال الطقس الإحتفالي قام بتعميد ضفدع أطلق عليه اسم ”يسوع المسيح“ ومن ثمَّ صلبه.

إن القسم المتبقي من حياة كراولي هو عبارة عن إرث ضخم من الإنحراف والشر. أسس في العام ١٩٢٠ ”مقرّ ثيليما“ في مدينة تشيڤالو، في صقلية. وعندما اكتشف موسوليني في العام ١٩٢٣ أن هذا المقر كان مسرحاً للأعمال الجنسية الفاسدة، قام بطرد كراولي. تابع كراولي في آخر عقدين من حياته تقديم تعاليمه وممارساته السحرية والجنسية المنحرفة. ومن بين الأمثلة على بعض أنواع السحر الجنسي التي قام بوضعها كراولي نجد:
”الدرجة أو الرتبة الثامنة للإستمناء أو رتبة الجنس التلقائي“، و ”الرتبة التاسعة للجنس المختلط بين الجنسين“، و ”الرتبة العاشرة للسحر المثليّ الجنس“، و”الجنس الشرجي“.

يُعتقد أن ممارسات كراولي الجنسية الفاسدة وتعاطيه للمواد المخدرة قد تسببا بالقضاء على وعيه الأخلاقي وإحساسه بتأنيب الضمير. في المقابل تسبب أسلوب حياته هذا في تمكين ضميره ووعيه الفاقد للإحساس بالمسؤولية من الوقوع تحت تأثير كيانات فائقة للطبيعة.

بعد ذلك، بدأ عالم الصواريخ جاك بارسونز (جون وايتسايد بارسونز ١٩١٤-١٩٥٢) جماعةً جديدةً تسمى كنيسة ثيليما في باسادينا، كاليفورنيا. وقد رصد آرثر ليونز وجود علاقة مميزة بين بارسونز و بين مؤسس الساينتولوجي لافايت رونالد هوبارد.9 في آذار/مارس من العام ١٩٤٦ أقام بارسونز طقوس ”الرتبة الثامنة للاستمناء“ بحسب ترتيب أليستر كراولي، وكان هدفه من هذه الطقوس استحضار القرين10 (الوليف/التابع Familiar). كان هوبارد خلال تلك الجلسات يشغل وظيفة كاتب. عُرفت تِلَك الطقوس فيما بعد بإسم ”عَمَل بابَلون“ (Babalon Working)، قام بارسونز خلال ثلاثة أيام من العمل بإنتاج الفصل الرابع من كتاب بابَلون وذلك لأنه قد تم الإيحاء به من قِبَل الإلهة بابَلون. عندما سمع كراولي عن تلك الأحداث وعن تعويذات بارسونز خلال الطقوس التي أجراها الأخير، أرسل رسائل إلى قيادة جماعة المعبد الشرقي ليُعلِمَهم بسخرية عن الأمر. في نهاية المطاف هرب هوبارد مع صديقة بارسونز الحميمة مصطحباً معه مقداراً كبيراً من أمواله.

كانت نهاية كراولي هادئة حيث أنه توفي بسلام في مدينة هاستينغ في العام ١٩٤٧. أما بارسونز فقد فجَّر نفسه بالخطأ وذلك أثناء إجراءه لبعض التجارب على المواد الكيميائية وذلك في السابع عشر من حزيران/يونيو ١٩٥٢.

يَنظر عبدة الشيطان إلى الشيطان وفق طريقتين. ١) بعض المجموعات والأفراد يعتقدون بأن الشيطان موجود وبأنَّه عبارة عن قوة عظيمة، وفي حال تمت عبادته فإنَّه سوف يقوم بتلبية رغبات أو مكافئة عُبَّادِه. مُعظم أنشطة هذه الجماعات تتميز بطابع السرية وذلك يرجع إلى الطبيعة الإجرامية لطقوسهم الشريرة. يتملك عبدة الشيطان من هذا النوع شعور بوجوب تقديم الذبائح الدموية للشيطان، وفي بعض الأحيان يتم تقديم الأطفال كذبائح على مذبح شيطاني ضمن احتفال يُعرف بإسم القداس الأسود11 الذي يُشكل النقطة الجوهرية للعبادة الشيطانية. الأمر الأكثر شيوعاً هو أن يتم استخدام الحيوانات كذبائح. تم من خلال العديد من الدراسات والتحقيقات الربط بين الأطفال المفقودين وبين المناطق التي يُعتقد أن عبدة الشيطان يمارسون نشاطاتهم فيها. ويتم نسب انتشار العدد المتزايد لبقايا جثث الحيوانات المضرجة بالدماء إلى عبدة الشيطان أيضاً. (٢) أما النوع الثاني من عبدة الشيطان، فهؤلاء لا يؤمنون عموماً بوجود الشيطان، إلا أنهم يقومون بممارسة طقوسهم لأسباب مختلفة سوف نقوم بمناقشتها لاحقاً.

قبل تقديم مناقشة حول تعاليم الجماعات المعاصرة من عبدة الشيطان، سيكون من الضروري أن نقوم بمحاولة وضعها في مجموعات. يقدّم معهد الأبحاث المسيحية تصنيفاً مفيداً وذلك من خلال التمايز الذي يقدمه بين ”مجموعة عبدة الشيطان“ وبين ”عبدة الشيطان الفرديين“. ويتم تقسيم كل فئة من هاتين إلى فئات أصغر. يلخص آرثر ليونز هذه الأمور بالشكل التالي: ”يمكن تصنيف الديانة الشيطانية المعاصرة ضمن ثلاثة فئات متميزة وهي: (١) عبدة الشيطان المنفردين، (٢) الفرق الشيطانية الخارجة عن القانون، (٣) الكنائس الشيطانية الحديثة“.

كنيسة الشيطان

يوجد بين عبدة الشيطان جماعات أو أفراد ممن لا يؤمنون بالضرورة بوجود الشيطان بوصفه كائناً ميتافيزيقاً حقيقيّاً، إنما يعتبرونه مجرّد رمز أو تجسد للشهوات البشرية والملذات الحسية. هؤلاء يُعادون التعاليم المسيحية التي تقول بوجوب قمع الشهوات الجسدية في المسعى الروحي للإنسان. 

قام أنتون لاڤي (Anton Szandor Lavey 1930-1997) بتأسيس كنيسة الشيطان في مدينة سان فرانسيسكو في عام ١٩٦٦ في أمسية احتفال ڤالبورجيس (Walpurgisnacht) الموافقة لأمسية الثلاثين من نيسان/ أبريل، وهي الإحتفالية الألمانية التي يُقال فيها أن السّاحرات يَطِرْنَ عالياً ويحتفلن. كانت الكنيسة التي أسسها لاڤي تندرج تحت الفئة العامة من المجموعات الشيطانية التي سبق ذكرها.

كان لاڤي قد قدم وصفاً لنسخته عن العقيدة الشيطانية في كتابه الذي نشره في العام ١٩٦٩ تحت عنوان ”الكتاب المقدس الشيطاني“.

كتب لاڤي: ”إنَّ الشيطان يُمثّل الإنغماس في الشهوات عوضاً عن العفّة. يُمثل الشيطان الوجود الفاعل عوضاً عن الأحلام الرقراقة الروحية. يمثل الشيطان الإنتقام عوضاً عن إدارة الخد الآخر. يمثل الشيطان كلّ ما يُدعى خطايا، وذلك أنها جميعها تقود إلى إشباع جسدي أو عقلي أو عاطفي“.12

وجدت أفكار لاڤي طريقها إلى الثقافة الموازية لتعاطي المخدرات وموسيقى الروك، ولكن يجب ألا يتم إهمال تأثيرها على قيم الطبقة الوسطى التي تُشكل الأغلبية. لقد اعتنق لاڤي المذهب المادي (materialism) ومذهب الإنغماس في المتعة (hedonism). على الرغم من الرفض الذي يُعلنه الكثيرون للإشارات الواضحة إلى الشيطان، فإنهم ينجذبون إلى التشديد على حقوق المرء في إشباع شهواته ورغباته الطبيعية. كان الماركيز دي ساد (Marquis de Sade 1740-1814) قد قام بصياغة هذه الفلسفة قبل عدة قرون، حيث قام بشكل خاصّ بالتسويق لفكرة عدم وجوب قمع الاحتياجات الطبيعية. أنكر دي ساد الله، وعلَّم أن الجرائم أو الخطايا الوحيدة هي تلك التي تمنع المرء من الإنصياع لصوت الطبيعة. كان لاڤي يقدّم نسخة مُعاصرة وأكثر شعبية من المذهب السادي المذكور من خلال إضافة بعض الزخارف الفلسفية عليها. قام لاڤي بتقديم عدد إضافي من المؤلفات من بينها: الطقوس الشيطانية (THe Satanic Ritual 1972) و السحر الكامل (The Compleat Witch 1970). كان قبيل وفاته يقوم بوضع كتاب يحمل عنوان الشيطان يتحدث (Satan Speaks) وقد نُشر بعد وفاته في العام ١٩٩٨.

أقام لاڤي في منزل في مدينة سان فرانسيسكو، وقد عُرف هذا المنزل بإسم ”البيت الأسود“ نتيجةً لطلائه الأسود والقرمزي. بدأ باختبار السحر والتنجيم وتزايد عدد أتباعه. كان الناس يأتون إلى منزله ويدفعون مبلغ دولارين ونصف مقابل حصولهم على الإذن للدخول إلى دائرته السحرية. إضافةً إلى الدور الذي لعبته مؤلّفاته، كان للاڤي دور في تأليف الموسيقى. أنتج في التسعينات عدداً من الألبومات الموسيقي من بينها: الشيطان يأخذ إجازة.

وصلت الصراعات إلى لاڤي عندما تنصّلت منه ابنته الصغرى زينا شريك (Zeena Schreck) بشكل علني وانضمت إلى معبد سِتْ (the Temple of Set) بعد أن اتهمته بأنَّه منافق ومتصنّع. تولى بلانس بارتون إدارة كنيسة الشيطان بعد وفاة لاڤي في العام ١٩٩٧. 

تحتفل كنيسة الشيطان بعيدين رئيسيّين هما الهالوين و ڤالبورجيس (Walpurgisnacht)، ويجد الأعضاء أن الإحتفال بأعياد الميلاد هو أمر جدير بالإهتمام. يتم الإحتفال بالقداس الأسود بشكل رمزي فقط.

معبد سِتْ (Temple of Set)

تأسس معبد ست في العام ١٩٧٥ على يد ميخائيل أكينو (Michael Aquino). كان المذكور قد التحق بكنيسة الشيطان تحت قيادة لاڤي في العام ١٩٦٩. وقد ارتقى إلى رتبة ماجِستر (Magister) من الدرجة الرابعة، وهي الرتبة التي تأتي تالياُ في الترتيب بعد رئاسة الكهنة التي كان يشغلها لاڤي. ادّعى أكينو أنَّه تلقى وحياً من الشيطان أعلمه فيه بأنّه يتوجب عليه أن يبتدئ منظمة لعبادة قوى الظلام الحقيقيّة. لكن الأمر الحقيقيّ الذي كان يحدث هو أنَّ لاڤي كان يقوم ببيع الكهنوت في كنيسة الشيطان مقابل الحصول على مبالغ مالية. تسبب هذا الأمر بخيبة أمل للعديد من الأعضاء، وكانت النتيجة بأنَّ أكينو اعتقد بأنَّ لاڤي كان يقوم بالاستهزاء والسُّخرية من القيم الشيطانية الحقيقيّة، وفي المحصلة قام مع ثمانية عشر عضواً آخرين بالإنفصال عن لاڤي واقامة معبد سِتْ.

على الرغم من أن هذه المنظمة قد تأسست في العام ١٩٧٥، إلا أنّ الإدعاء هو أنها تعود إلى عصور ماقبل التاريخ ويتم تتبع تاريخها رجوعاً في الزمن من خلال مدارس الفلسفة التجريدية والديانات الباطنية المتغلغلة بشكل خاص في الديانات المصرية واليونانية القديمة. أبدى أكينو مقاومة لفكرة كون الشيطان مجرّد رمزٍ لقوةٍ ما، حيث اعتقد بأنَّه كان بالفعل قوةً حقيقيّةً خارقةً للطبيعة يُشتق اسمه من الإله المصري سِتْ الذي يشكل بحسب زعم أكينو نموذجاً عن الشيطان المسيحيّ.

يوجد فارق إضافي بين كنيسة الشيطان ومعبَد سِتْ ويرتبط بالجيش والعسكرة. ويلاحظ أن أكينو قد امتلك اهتماماً بالغاً بالثقافة النازية إلى درجة أنَّ الأعضاء كانوا يقومون بارتداء الأوسمة النازية. تمَّ في العام ١٩٨٦ التحقيق مع أكينو فيما يتعلق بادّعاءات بوجود تحرش جنسي بالأطفال، إلا أنَّه لم يتم توجيه أيّة تهم رسمية.

أنهى أكينو كهانته في العام ١٩٩٦، وخلفه دون ويب (Don Webb). إن الكثير من انشطة هذه المنظمة هي ذات طابع سريّ بخلاف كنيسة الشيطان.

جماعة المعبد الشرقيّ (Ordo Templi Orientis)

إن هذه الجماعة ليست بجماعة شيطانية لكن وضعها هو مشابه لما ذُكِرَ أعلاه عن أليستر كراولي الذي كان قد فَهِمَ أنَّه ممارس للسحر (Magick) وليس بعابد للشيطان. كان لكراولي وجماعته تأثيراً عميقاً على الجماعات الشيطانية في أمريكا. وقد ظهرت العديد من المجموعات المشتقة من جماعة المعبد الشرقي في مدن مختلفة.

اعتراض

من الأمور التي يتم ملاحظتها هو أن الكثير من الذين تورطوا بالعبادة الشيطانية المعاصرة كانوا قد تأثروا بشكل كبير بالمخدرات والممارسات الجنسية المحظورة وموسيقى الهيڤي ميتال روك. ينظر البعض إلى هذه الممارسات على أنها وسيلة للتنفيس وتفريغ العداء، أما البعض الآخر ينظرون إلى العبادة الشيطانية على أنها وسيلة للتمرد العلني ضدّ السلطة.

يقول أحد عبدة الشيطان: ”عندما تقتل شخصاً ما، فإن هذا هو أمرٌ لا رجعة عنه. والأمر ينتج عن الشعور بعدم الأمان“. يسعى عبدة الشيطان إلى التحرر من العادات والتقاليد والقيم الأخلاقية والمفاهيم المؤسساتية. يوجد البعض من الأشخاص ممن صرّحوا بأنهم كانوا قد امتلكوا ميلاً فطرياً في الإنجذاب إلى الشيطان والأمور المحرمة دينيّاً.

إن كلّاً من التشبيهات المجازية وكلمات الأغاني التي قدّمتها فرق الهيڤي ميتال روك كانت قد ساهمت بشكل كبير في النهضة التي شهدتها الممارسات السحرية والمتعلقة بالعرافة (Occult) في القرن العشرين. وتقول الأبحاث التي نشرتها وكالة أسوسياتيد بريس (Associated Press) أن ريتشارد راميريز، المعروف بلقب ”المتربص الليلي“ في كاليفورنيا، كان مهووسا بالفرقة الموسيقية الأسترالية AC-DC. وقد ادعى أحد أصدقاء راميريز السابقين، المدعو راي غارسيا، أن الألبوم الموسيقي الذي أطلقته الفرقة المذكورة في العام ١٩٧٩ والذي يحمل عنوان ”طريق سريع إلى الجحيم“ (Highway to Hell)، كان قد لعب دوراً خاصاً في التأثير على المجرم المشهور راميريز. وقد كان متأثراً إلى درجة الهوس بأغنية ”المتسكع الليلي“ (Night Prowler) التي قدَّمت كلماتها وصفاً لمتلصّص يتسلل إلى المنازل أثناء نوم قاطنيها.

تتضمن كلمات الكثير من أغاني الهيڤي ميتال – روك موضوعات مشتركة مثل التمرد على السلطة، الجنس قبل الزواج أو خارجه، تعاطي المخدرات، ممارسة السحر والتنجيم. ونجد في كلمات الأغنية الرئيسية لألبوم  موسيقي حمل عنوان ”لاتظهر أيّ رحمة“ لفرقة موسيقية تحمل اسم Slayer، مايلي: ”خلال الليل نركب أزواجاً… من أعماق ساحات الجحيم… قلقين من أبواب الجحيم… ثقتنا في الربّ الشيطان“.13

يدّعي كير كينغ (Kerr King) مؤلف هذه الأغنية أنَّه ليس من عُبّاد الشيطان، إلا أنَّه يقوم باستخدام رموز شيطانية ليدعم من خلالها الصورة الإعلامية للفرقة الموسيقية. إن هذا الأمر قد يكون صحيحاً بالنسبة للعديد من الفرق الموسيقية التي تقدم موسيقى الهيڤي-ميتال. لكن هذا العذر لم يمنع معجبي هذه الفرق ممن يستمعون لهذه الكلمات من الإنجراف إلى أشكال حقيقيّة وخطيرة من عبادة الشيطان. قامت المجموعة المعروفة تحت عنوان السبت الأسود (Black Sabbath) بإنتاج ألبوم موسيقي يحمل عنوان Sabbath Bloody Sabbath، وقد كان مترافقاً مع الأرقام ٦٦٦. وقد قامت هذه المجموعة ببيع قمصان وقبعات مدموغة برمز الديانة الشيطانية (رأس ماعز مُركَّب ضمن نجمة خماسية مقلوبة). في تلك الأثناء قامت فرقة موسيقية أُخرى تحمل اسم موتلي كرو (Motley Crüe) بإنتاج ألبوم موسيقي يحمل عنوان ”اطلب الشيطان“ (Shout at the Devil) وتظهر فيه رموز شيطانية. يوجد العديد من نجوم موسيقى الهيڤي ميتال من أمثال أوزي أوزبورن والفرق من أمثال  Judas Priest و KISS و IronMaiden التي استخدمت رموزاً شيطانية على غلاف الألبومات الموسيقية وكذلك على ملابس الفرقة. إن هذه الظاهر لا تزال مستمرة مع فرق الميتال المعاصرة كما أنها قد امتدَّت إلى أنواع موسيقية إضافية.

لم تكن الموسيقى هي الوسيلة الوحيدة التي استخدمها عبدة الشيطان. بل يتم تقديم عبادة الشيطان إلى العامة 14باستخدام لوح الويجا (Ouija) الذي يتم تصنيعه من قِبَل شركة باركر برذرز (Barker Brothers). ويعترف مصنعوا اللعبة في كتيب خاص باللعبة بأنهم لا يعرفون مصدر هذه اللعبة ولكنهم يعرفون أن العديد من الأشخاص الذين يستخدمونها ويستمتعون بها هم من المهتمين بالسحر والتنجيم. اعترف أحد المنتمين إلى المذهب الشيطاني بأنَّ تورطه في السحر والتنجيم (Occult) قد ابتدأ من خلال لوح ويجا.

التحيز والإثارة

من الممكن أن يتم وسم الحركات المرتبطة بالعبادة الشيطانية بأنها أكثر الحركات إثارةً للإهتمام، وأكثر الحركات التي تحصل على الإهتمام من وسائل الإعلام والبرامج الحوارية وكذلك في الأدب الشعبي. على سبيل المثال، تفجر الإهتمام الشعبي بهذه الحركة حين تم إظهار عدد من الكنائس الشيطانية في العام ١٩٨٨ في برنامج تلفزيوني حواري يحمل اسم جيرالدو (Geraldo)، ومن ثمَّ في العام ١٩٩١ قام برنامج إخباريّ آخر يحمل اسم (20/20) ببث طقوس رومانية كاثوليكية تتمثل بطرد الأرواح (Exorcism).

إن الخطر المصاحب لمثل هذا النوع من الترويج هو الميل نحو الإثارة. بالنظر إلى الغموض الذي يلتف موضوع العبادة الشيطانية وتفاصيلها التي يجهلها المواطن العادي، فإن الفضول ينشأ بشكل تلقائي حين يتم الإبلاغ عن وجود مجموعات شيطانية تمارس القداس الأسود أو تقوم بنبش القبور لاستخراج العظام أو أجزاء أُخرى من الرفاة. تظهر المشكلات حين يقوم أشخاص مستقلين ضمن الكنائس المسيحية عموماً باتخاذ مكانة الخبراء في الفرق الدينية والطوائف ليقوموا من خلال المحاضرات والندوات غير الموثقة أكاديمياً باستغلال عدم معرفة الجمهور بالأمور التي يقومون بتقديمها، فيباشرون بالمبالغة وتقديم معلومات قد تكون خاطئة إلى درجة كبيرة. على سبيل المثال، تمَّ الإدعاء بأن عدد الأطفال الذين يتم اختطافهم وتقديمهم كذبائح للشيطان يزيد عن خمسين ألف ويصل إلى مليوني طفل في كل عام، وقد قام الكاتب ديفيد الكسندر بتفنيد سذاجة هذه الإدعاءات في مقال قدمه في مجلة (The Humanist)، فكتب التالي:

فكروا في كم التخطيط اللوجستي المطلوب لقتل مليوني شخص سنوياً. يمكن لمثال من التاريخ الحديث أن يساهم في نقل الصورة لنا. خلال الحرب العالمية الثانية، تم اعتقال الملايين من اليهود والغجر والسلاڤيين والبولنديين وغيرهم [من الشعوب] ممن كان النازيون قد صنفوهم على أنهم ”أدنى من البشر“ وتمّت إبادتهم بشكل ممنهج… كان النازيون قد استعملوا ستة مراكز إبادة رئيسية وألفاً وستمئة معكسر أصغر للإبادة. يقدر الباحثون تورَّط عددا يزيد عن مئة وخمسين ألف شخص في إدارة وتشغيل معسكرات الإبادة الجماعية، من مشغلي خطوط السكة الحديدية إلى الحراس الذين يديرون غرف الغاز. كانت عملية كبيرة استمرت في ذروتها من ١٩٤١ وحتى ١٩٤٤. إن إبادة مليوني شخص سنوياً يتطلب وجود منظمة كبيرة وفعالة… هل يمكن أن توجد منظمة للمهووسين بقتل الأطفال – وهي منظمة أضخم بمئة مرة من المنظمات الإجرامية – دون أن يعرف أيٌّ منا بالأمر؟ أين هي الأدلة على وجود مثل هذه العمليات في البلاد؟

يتابع ألكسندر في إيضاح فكرته فيقول:

حتى أنَّ أدنى التقديرات التي تقول بوجود خمسين ألف ضحية للطقوس [الشيطانية] تقدم عددا أقل بقليل من إجمالي عدد الأمريكيّين الذين قُتلوا في ڤيتنام خلال الحرب بأسرها.إن كل شخص (تقريباً) في الولايات المتحدة ممن تجاوزا الثلاثين من العمر يعرف شخصاً قُتِلَ في ڤیتنام أو يعرف شخصاً آخر يمتلك تلك المعرفة. كم هو عدد الأشخاص الذين تعرفهم ممن تمَّ قتلهم ضمن الطقوس؟ إضافةً إلى ذلك، يقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي بجمع إحصائيات تختص بالجرائم الواقعة في الولايات المتحدة. إن كانت الإدعاءات التي يقدمها البعض من ”الخبراء“ صحيحة، أي أنَّه يوجد خمسون ألف جريمة قتل طقسية لم يتم الإبلاغ عنها، فإن هذا سيعني أنَّ أمتنا تمتلك أقسام شرطة وبلديات غير فعّالة إلى درجة كبيرة، حيث أنَّ هذا الرقم يبلغ ضعفين ونصف من عدد جرائم القتل السنوية التي يتم تسجيلها في مكتب التحقيقات الفيدرالي والبالغ عشرين ألف جريمة سنوياً.15

يضيف ألكسندر في إشارة إلى أنَّ الغالبية العظمى من الأطفال الذين يتم اختطافهم في كل عام هم في الحقيقة ضحايا عمليات اختطاف ناجمة عن نزاعات أسرية. بعبارة أُخرى، لم يتم تقديم الدليل اللازم لإثبات الإدعاءات القائلة بأن اختطاف الأطفال يرتبط بشكل مباشر بالنشاط الشيطاني في معظم الحالات.

يوجد عدد كبير من الدراسات والتحقيقات التي تمَّ تقديمها بخصوص الكتب والمنشورات التي أصدرها عبدة شيطان سابقين، حيث تمَّ تفنيد ونقد الكثير من ادعاءاتهم التي تنطوي على كمٍّ كبير من المبالغة وتفتقر إلى الأدلة التوثيقيّة، إلا أنها لاتزال تحصد شهرة واسعة، وخاصة في الأوساط المسيحية.

التناقض مع المسيحية

لطالما أظهرت المسيحية بغضها للمذاهب الشيطانية وممارساتها المختلفة. إن التحذيرات المنتشرة في الكتاب المقدس ضد الممارسات المرتبطة بالسحر والتنجيم هي شديدة الوضوح (اللاويين ١٩: ٢٦-٣١؛ ٢٠: ٦، ٢٧؛ التثنية ١٣: ١-٥؛ ١٨: ٩-١٤؛ اشعياء ٨: ١٩-٢٢؛ ارمياء ٢٩: ٨-٩؛ وسواها) بالإضافة إلى ذلك، إن الكتاب المقدس يتحدث عن الشيطان بوصفه ”إله هذا الدهر“ (كورنثوس الثانية ٤: ٤)، وبأنَّه المخادع الذي أضل الجنس البشري (التكوين ٣: ٤-١٣)، وبأنَّه عدو الله (متى ٤: ٦؛ يوحنا ٨: ٤٤؛ كورنثوس الثانية ٢: ١١). لقد سُمح له بأن يؤذي الصالحين مثل أيوب، ويسود على الخطاة (أعمال الرسل ٢٨: ١٨)، وهو يحاول أن يستولي على المسيحيّين ليتسلط عليهم (أفسس ٦: ١٢)، وبأنَّ عمله شرير وآياته كاذبة (تسالونيكي الثانية ٢: ٩).

لم يوجد أي إشارة مباشرة إلى الشيطان في قانون إيمان الرسل. إلا أن الجزء الثاني من قانون إيمان الرسل وقانون الإيمان النيقاوي يتعاملان مع شخص يسوع المسيح وعمله. فالمسيح كان قد هزم الشيطان من خلال ولادته (التكوين ٣: ١٥). وكذلك من خلال التغلب على كل اغراءاته في التجربة على الجبل (متى ٤: ١-١١)، وفي رأس التجارب التي تمثلت في تجنب الصليب (متى ١٦: ٢١-٢٣). وفقاً لتعليم الكتاب المقدس والإيمان المسيحي، فإن موت يسوع المسيح وقيامته كان بمثابة إعلان على نهاية حكم الشيطان على الأرض، مع وجود يقين ثابت من اقتراب هلاك الأخير (رؤيا ٢٠: ٧-١٠). وإلى أن يأتي ذلك اليوم الموعود فإن الله قد سمح للشيطان بممارسة تأثيره الشرير على العالم (أيوب ١؛ كورنثوس الثانية ٤: ٤).

كما هو الحال في المذهب الشيطاني، نجد أن المسيحية منقسمة في معتقدها حول حقيقة الشيطان، وذلك على الرغم من تعليم الكتاب المقدس الواضح بأنَّ الشيطان هو حقيقيّ وبأنَّه كيان ملائكي ساقط. يتصارع اللاهوتيون مع الأسئلة التي ترتبط بمشكلة وجود ”الشر“، تفاقمت حدة الصراع خلال القرن العشرين تحت تأثير الميول الحداثية. على سبيل المثال، يرفض اللاهوتي رودولف بولتمان وجود الشيطان الحرفي ويعتبره  أنَّه نتاج تفكير ”أسطوري“ يرجع إلى الفترة التي سبقت التقدم العلمي. يوجد الكثير من الأشخاص المنتمين إلى طوائف مسيحية مختلفة ممن يوافقون على رأي بولتمان. إلا أن الرأي المسيحي التقليدي المستقيم الرأي يستمر في الدفاع عن المعتقد الكتابي القائل بوجود الشيطان والجحيم الحقيقيّين.

القدّاس الأسود

إن مناقشة موضوع التناقضات بين المسيحية والديانة الشيطانية لايمكن أن تتم دون التطرق إلى موضوع القداس الأسود، ولابد للمرء أن يلاحظ بشكل فوري التباين بين الإثنين. كما سبق وذكرنا، إن الديانة الشيطانية تقوم بتقديم نفسها على أساس أنها النقيض الحقيقيّ للمسيحية. إن التقاليد الشيطانية التقليدية مبنية على كراهية ذات ميول إنتقامية لكل ما تمثله المسيحية.

إن التركيز الأساسي في القداس الأسود هو على العشاء الرباني، ولاسيما بحسب الفكر الكاثوليكي الرومي (والأرثوذوكسي التقليدي). أما على الجانب البروتستانتي، فيما عدا اللوثرية والأنجليكانية، فإن الكنائس البروتستانتية لا تتبنى عقيدة الوجود المادي للمسيح في الخبز والخمر. لذلك فإن القداس الأسود لا يتم توجيهه كنقيض لسر الشكر البروتستانتي.

يقوم ريتشارد كاڤنديش بمعالجة شمولية للقداس من منظور تاريخي في كتابه المدعو ”الفنون السوداء“ (The Black Arts 1968)، لابد لنا من التنبه من وجوب عدم شمل جميع عبدة الشيطان في فكرة أنهم يقومون باستخدام السحر الأسود للتنفيس والإعلان عن كراهيتهم للمسيحية. ونجد أن كاڤنديش يشير إلى هذه الحقيقة قائلا:

إن المعنى الضمني لممارسات مثل هذه هو أن القداس قد اشتمل على قوة ضمنية يمكن أن يتم توظيفها في العديد من الأمور. لقد تمَّ تعزيز هذا المعنى من خلال الإصرار الكاثوليكي على أن الكاهن يمكن أن يقوم بالخدمة بفعالية حتى لو كان في حالة الخطيئة (لأنه لم يقم بذلك في شخصه بل في شخص المسيح). على ما يبدو أن الإحتفال بذاته بالإضافة إلى الأشياء المرتبطة به تمتلك قوتها السحرية الخاصة بها، وذلك بغض النظر عن الحالة الروحية لأولئك الذين استخدموها أو الأغراض التي يتم استخدامها وفقها. سواء كان ذلك في السحر الأسود16 أو في السحر الأبيض.17

الخلاصة

إن عبادة الشيطان هي ظاهرة معقدة في عالم السحر والتنجيم والشعوذة (Occult). للوصول إلى تقييم وتقديم أمين للموضوع يجب أن يتم التعامل معه على مستويات مختلفة وربما يمكن الرجوع إلى عدد من المصادر المختلفة وقراءتها بعين مفتوحة. تستمر العبادة الشيطانية في جذب الإهتمام بين الناس من مختلف المستويات. هنالك أولئك الهواة الذين يستعملونها لأغراض تجارية، والبعض الآخر ممن يستعملونها للمتعة من أمثال لاڤي، وأخيراً يوجد أولئك الذين ينغمسون بجدية في طقوس عبادة الشيطان ويقومون بارتكاب جرائم متنوعة في مسعاهم وغيرتهم على تنفيذ رغبات سيدهم وإرضاءه.

ليس من الممكن أن يتم ذكر أعداد دقيقة لأولئك الأشخاص الذين يمارسون العبادة الشيطانية الجدية، وذلك يرجع إلى أسباب أمنية تجعل من الصعب أن يتم التشهير بهم أو التسويق لأسمائهم. لن يكون من الممكن أن نعرف ما هو الشكل المستقبلي لهذه العبادة التي تنتشر في مجتمعات مختلفة بألوان مناسبة للعصر.

معلومات إضافية

كنيسةالشيطان

المقر الرئيسي:

PO Box 210666, San Francisco, CA 94121.

الموقع الإلكتروني:

https://www.churchofsatan.com

النصوص المقدسة:

”الكتاب المقدس الشيطاني“ الذي ألَّفة لاڤي، ”الساحر الشيطاني“، ”الطقوس الشيطانية“.

المنشورات:

سجلات النجم الأسود (The Black Star Chronicles).

عدد الأعضاء:

حوالي عشرة آلاف عضو.

معبد سِت (The Temple of set)

المقر الرئيسي:

PO Box 470307, San Francisco, CA 94147.

الموقع الإلكتروني: 

https://xeper.info

النصوص المقدسة:

يتم استعمال كتابات مايكل أكينو ودون ويب بشكل رئيسي.

عدد الأعضاء: 

يقدر عدد الأعضاء بحدود خمسمئة عضو، لكن لا يوجد إحصائية رسمية بهذا الخصوص.

الهوامش

  1.  الهرطقة البوغوميليّة (Bogomils) هي هرطقة ظهرت في القرن الثامن في الامبراطورية البيزنطية، وهي إحدى أشكال الهرطقة المانوية (Manichaeism).
  2.  الهرطقة الكاثرية التطهيريّة (Cathari) إحدى أشكال الهرطقة المانوية وقد ظهرت في أوروبا بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر.
  3.  الهرطقة البيجينيّة (Albigeneses): شيعة هرطوقية انطلقت من مدينة ألبي الفرنسية. كان البيجينيّون قد حافظوا على أجزاء من الهرطقة المانوية القديمة (Manichaeism) ذات النظرة الثنائية (dualism)، وقد علّموا بأن الجسد شرير، وبأن الجنس هو أداة شريرة من أدوات الشيطان، وأن موت يسوع على الصليب كان مجرّد وهم نتيجةً لرفضهم لناسوت يسوع المسيح (كما هو حال الهرطقة الدوستية Docetism). رفضت هذه الشيعة تعليم المطهر الكاثوليكيّ الروميّ وكذلك رفضت تعليم الزواج وقيامة الأموات وممارسة الأسرار الكنسية. انتشرت هذه البدعة في جميع أرجاء جنوب فرنسا إلى أن أدت الحملة الصليبية إلى القضاء عليها بشكل كامل في مرحلة ما بعد العام ١٣٣٠.
  4.  أليستر كراولي (Aleister Crowley 1875-1947): هو من أشهر الشخصيات المرتبطة بالسحر والشعوذة في القرن العشرين، اشتهر بدوره المؤثر على عبادة الشيطان المعاصرة وبدراسته وممارسته للسحر. عمل على إضافة حرف K إلى كلمة ”سحر“ اللاتينية Magic لتصبح Magick وذلك بهدف التمييز بين السحر بمعنى ألعاب خفة اليد، وبين السحر الذي يقصد به الممارسات الخارقة للطبيعة التي تنطوي على تسخير قوى سحرية.
    نشأ في كنيسة متشدّدة تُعرف بإسم كنيسة أُخوة (أو أخوية) بلايموث، إلا أنَّه تخلى عن إيمانه بعد أن درس السحر والشعوذة (Occult). أطلقت عليه والدته في نهاية المطاف لقب ”الوحش العظيم“ (٦٦٦) المذكور في سفر الرؤيا. في العام ١٨٩٨، أصبح كراولي عضواً في جماعة الفجر الذهبي الهرمسية (Hermetic Order of the Golden Dawn). عَمل على شق طريقه عبر الرتب المختلفة وكان يريد أن يصبح قائد الجماعة. إلا أن الخلافات التي دارت بينه وبين أعضاء آخرين من أبرزهم الشاعر سامويل ليديل ماثيرس (Samuel Liddell Mathers) قد أدت إلى انفصاله وتأسيسية لجماعته الخاصة التي أطلق عليها اسم وسام النجم الفضي. كانت رحلات كراولي كثيرة خلال حياته وشملت مناطق مختلفة مثل الهند ومصر وإيطاليا. تضمنت رحلاته انحرافات جنسية وممارسات شاذّة بما فيها الشذوذ الجنسي، والجنس الجماعي، والجنس مع الحيوانات، والممارسات الطقسية الجنسية. أثناء وجوده في إيطاليا، قام الديكتاتور بينيتو موسوليني بطرده بعد أن عرف عن الأمور التي كان يقوم كراولي بالتسويق لها. في مصر وفي أثناء زيارة كراولي وزوجته روز لأحد المعارض صادفا تمثالاً للإله المصري حورس وقد كانت المصادفة أنَّه كان يحمل الرقم ٦٦٦. هذا الأمر قاد كراولي إلى الإستنتاج بأنَّ هذا الإله هو ضدّ المسيح وذلك نتيجة لتطابق هذا الرقم مع الرقم المذكور في سفر الرؤيا.
    ابتدأت بعد ذلك زوجته وهي في حالة من النشوة، بإملاء كتاب القانون (the Liber Legis) عليه، ابتدأ بعد تلك الحادثة بتأسيس جماعة جديدة أطلق عليها اسم أرجينتيوم آستروم (Argentium Astrum). كان لكراولي تأثيراً كبيراً على عدد كبير من جماعات السحر والشعوذة وعبدة الشيطان والويكا ومجموعات أُخرى.
  5.  Richard Cavendish, A History of Magic (London: Weidenfeld and Nicholson, n.d.), 148. See also Rosemary Guiley, The Encyclopedia of Witches and Witchcraft (New York: Facts on File, Inc., 1984), 75.
  6.  جماعة الفجر الذهبي الهرمسيةّ (Hermetic Order of the Golden Dawn): هي واحدة من أشهر الجماعات التي تمارس السحر والشعوذة (Occult)، نشأت في أواخر القرن التاسع عشر بغرض ممارسة السحر. كانت تعاليمها عبارة عن خليط من جماعات مختلفة مثل كابالاه (Kabbalah) والماسونيّين (Freemasonary).
  7.  الكابالاه (Kaballah): أحد التقاليد اليهودية الروحانية، نشأ في القرن الثاني عشر وقد اعتمد على تفسير التوراة بحسب المعرفة السرية المخفية. تعود أقدم التقاليد الكاباليّة إلى فلسطين في القرن الأول، حيث كان اليهود الصوفيّون يتأملون في ”العرش“ و”البكرات“ التي تحدث عنها النبي حزقيال في الإصحاح الأول. إن الكلمة العبرية קַבָּלָה [كابالاه] تعني في الأصل ”التقليد الشفوي“. إن المعرفة السرية المخفية في التوراة قد فُسِّرَت ونُقلت في سلسلة معلم-تلميذ. إن النص الرئيسي للكابالاه، وهو الذي يحتوي على الكثير من التقاليد يُعرف بإسم (كتاب العَظَمَة) وقد كُتب حوالي العام ١٢٨٠.
  8.  مذهب الصليب الورديّ (Rosicruicianism): ديانة نشأت من مزيج بين المذهب الغنوصي والإيمان المسيحي، والفلسفة العقلانية الأوروبية، والسحر والشعوذة بالإضافة إلى العديد من المذاهب الفكرية الأُخرى. 
  9.  لافايت رونالد هوبارد (Lafayette Ronald Hubbard): ١٩١١-١٩٨٦. مؤسس الساينتولوجي، وقد نشر جوهرة فكره في كتابه المُعَنون ”الدِيَانِيَّة (Dianetics): العلم المعاصر للصحة العقلية“ (١٩٥٠). يجمع الكتاب بين الأفكار البوذية وعلم النفس والخيال الإبداعي لكاتب من كُتّاب الخيال العلمي، حيث أنَّ هوبارد كان كذلك.
  10.  القرين (الوليف/التابع Familiar): القرين في الطقوس السحرية القوطية القديمة هو الشيطان الذي يعمل كمرافق للسحرة. يعتقد في بعض الأحيان أن قرين الإنسان يتخذ أحد أشكال الحيوانات. يقوم السحرة بحسب هذه المعتقدات باستشارة قرينهم بشكل متكرر لأغراض مختلف مثل إطلاق اللعنات والبشائر. نجد في العديد من الكتابات أنَّه يتم التعامل والتخاطب مع القرين بالإسم.
  11.  القداس الأسود (Black Mass): هو نوع من المحاكاة الساخرة التي يقوم بتأديتها عبدة الشيطان في تقليد لسر الشكر (الإفخارستيا) بحسب المفهوم الكاثوليكي الرومي، ويتم فيها تدنيس المضيف (الحمل/الذبيح). قد تشتمل على ممارسات آُخرى مثل تلاوة الصلاة الربية بشكل معكوس أو تقديم الذبائح الحيوانية أو البشرية على المذبح. وفي بعض الحالات، يتم استخدام جسد امرأة عارية كمذبح في الوقت الذي يكون فيه المُحتفلون عُراة. في حالات أُخرى، يتم مزج دم الضحية مع الخمر قبل احتساءه كتقدمة للشيطان. في العصور الوسطى كان يقوم الكاهن المخلوع بتدنيس المضيف (الحمل).
  12.  Anton Szandor LaVey, The Satanic Bible (New York: Avon Books, 1969), 25 Larry A. Nichols, George A. Mather, and Alvin J. Schmidt, 
  13.  كلمات الأغنية باللغة الإنكليزية هي التالية:
    ”Through the night we ride in pairs … / From the depths of hell’s domain … / Worried from the gates of hell / In Lord Satan we trust.“
  14.  لوح الويجا (Ouija): هو لوح يحتوي على أرقام وحروف، ويتم استخدامه في المذاهب الروحانية للإتصال بأرواح الراحلين خلال جلسات خاصة لاستحضار الأرواح. يجلس المشاركون على طاولة حول لوح الويجا ويضعون أيديهم على ”مؤشر“، ثمَّ يتم تحريك المؤشر حول اللوحة ليشير إلى أحرف مختلفة بواسطة الروح (أو الأرواح) التي تمَّ استحضارها. وتكون الرسالة التي يتم الحصول عليها هي الرسالة القادمة من العالم الروحي الخارق للطبيعة.
  15.  David Alexander, “Giving the Devil More Than His Due,” The Humanist (March/April 1990), 6.
  16.  السحر الأسود (Black Magic): هو نوع من أنواع السحر المستخدم في الفرق المرتبطة بالسحر والشعوذة والتنجيم، ويهدف إلى استحضار الشر واللعنات والتأثيرات السلبية على الشخص أو الأشخاص المستهدفين. يتم استخدامه في العبادة الشيطانية وكذلك في بعض المجموعات السحرية . الهدف الرئيسي هو استحضار الأرواح الشريرة واستدعائها وتوجيهها لتنفيذ الأذى المقصود. ولكن وفقاً لقانون ويكان (Wiccan Rede) والقانون ذو الثلاثة طبقات، فإنه يتم تحذير الممارسين من التسبب بالأذى للآخرين وذلك خوفاً من عودة اللعنة إلى الشخص الممارس بقوة سبعة أضعاف.
    قانون ويكان(Wiccan Rede): هو المبدأ الأخلاقي الذي يتبناه أليستر كراولي والذي يتبعه الكثير من ممارسي السحر ويقول: ”لا يؤذي أحد، افعل ما تشاء“. لابد من الإشارة إلى أن المذاهب الشيطانية تشير إلى هذا القانون أيضاً ولكنها تستخدمه وفق الطريقة التي أرادها كراولي الذي كان يمارس هذا المبدأ من خلال الدعوة إلى تحقيق الذات على حساب الآخرين. ونجد أن البعض من السحر يقومون باستخدام هذا المصطلح بطريقة مختلفة ليعني ”افعل ماتريده طالما أنه لايضر أي شخص، حتى نفسك“ وبذلك يتم خظر استخدام السحر لصب اللعنات على الآخرين أو التلاعب بهم.
  17.  Richard Cavendish, The Black Arts (New York: Capricorn, 1968), 356.

المراجع

Stanley Grenz, David Guretzki, and Cherith Fee Nordling, Pocket dictionary of theological terms, 1999, 75.

M. G. Easton, Easton’s Bible dictionary, 1893.

Geoffrey W. Bromiley, Ed., The International Standard Bible Encyclopedia, Revised, 1979–1988, 2, 279.

Sinclair B. Ferguson and J. I. Packer, New dictionary of theology, 2000.

Larry A. Nichols, George A. Mather, and Alvin J. Schmidt, Encyclopedic Dictionary of Cults, Sects, and World Religions, 2006, 250–259, 370, 380, 393-394, 405, 412, 419, 429-430, 462.

Arthur Cadbury Jones, Encyclopædia of Religion and Ethics, 1908–1926, 10, 856–857.

J. Bass Mullinger, Encyclopædia of Religion and Ethics, 1908–1926, V1, Pages 279-288.

A. A. Bevan, Encyclopædia of Religion and Ethics, 1908–1926, 8, 394.

Edward Bagby Pollard, The International Standard Bible Encyclopaedia, 1915, 1–5, 1094.

Derek Brown, The Lexham Bible Dictionary, 2016.

Walter A. Elwell and Philip Wesley Comfort, Tyndale Bible dictionary, 2001, 460.

F. L. Cross and Elizabeth A. Livingstone, Eds., The Oxford dictionary of the Christian Church, 2005, 35, 221, 303, 923, 1033, 1428.

Nathan P. Feldmeth, Pocket Dictionary of Church History: Over 300 Terms Clearly and Concisely Defined, 2008, 9, 34, 93.

William Cathcart, Ed., The Baptist Encyclopædia, 1881, 18.

Alberto L. García, The Westminster Dictionary of Theologians, 2006, 9.