طوفان التكوين وفلك نوح

بقلم: Tas Walker

احصل على نسختك المجانية من هذا الكتيب

يُمكنكم الوصول إلى التسجيلات الصوتية من المنصات التالية:

يتشكك الكثير من الأشخاص بالسرد التوراتي عن الطوفان الذي حدث في أيام نوح. ينظر الكثيرون إلى هذه القصة كما لو أنها كانت مجرد مبالغة فاضحة أو نوع من أعمال الخيال. ولكن إن كان طوفان نوح غير قابل للتصديق، لماذا نثق بأي سرد تاريخي من الكتاب المقدس؟ لقد قدَّم الناس العديد من الإعتراضات على التفسير الواقعيّ لهذا الحدث وهذا المقال (بالإضافة إلى المقالات المرتبطة به) يجيب على العديد من الأسئلة الرئيسية التي يطرحها الناس عن الطوفان والفُلْك.

١. هل كان الفلك كبيراً بما فيه الكفاية؟

يقوم الكثير من الأشخاص بتصور الفُلك كما لو أنَّه حوض استحمام كبير عائم، مع تلك الزرافات والفيلة ونوح الذين يقفون على سطح السفينة ويلوّحون بأيدهم للحيتان التي تنتشر في المياه. إلا أنَّ الكتاب المقدس يصف الفلك على أنَّه مركب ضخم.

نصف مقطورة

…ثَلاَثَ مِئَةِ ذِرَاعٍ يَكُونُ طُولُ الْفُلْكِ، وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ، وَثَلاَثِينَ ذِرَاعًا ارْتِفَاعُهُ. (التكوين ٦: ١٥)

هذا يقابل ١٤٠م في الطول، ٢٣م في العرض و١٤م في الإرتفاع.1 لقد كان أطول من ملعب كرة قدم وأعلى من مبنى بارتفاع أربعة طوابق. لقد اشتمل على ثلاث طبقات وحجم يبلغ ٤٤،٤٠٠ م٣ (١،٥٢ مليون قدم مكعب).

هذا الحجم يُعادل ما يزيد عن ٣٤٠ نصف مقطورة [قياسية] أمريكية (يبلغ طول نصف المقطورة ٤٠ قدم وعرضها ٨،٥ قدم وارتفاعها حوالي ١٣ قدم [بحجم اجمالي ٤،٤٢٠ قدم مكعب]. لاحظ أن الفلك سيكون أكثر عَرضاً من طريق سريع ذو ستة مسارب مثل شبكة الطرق التي تصل بين الولايات الأمريكية (عرض الطريق القياسي هذا يبلغ ١٢ قدم). يمكن لنصف المقطورة أن تنقل ٣٧ من الثيران البالغة والمعدة للذبح حيث يبلغ وزن الواحد منها حوالي ١،٢٠٠ رطل (٥٤٤كغ)، أو ٩٠ من العجول المسمّنة التي يصل وزن الواحد منها إلى ٥٠٠ رطل (٢٢٦ كغ)، أو ٣٠٠ رأس غنم يصل وزن الواحد منها إلى ١٢٥ رطل (٥٦ كغ).2

هل كان نوح قادراً على بناء فُلك بذلك الحجم؟

إن الفلك يُذكرنا بأنَّ الله الخالق -حتى في وقت الدينونة- يُؤَمِّنُ وسيلة الهروب لأولئك الذين يؤمنون به ويطيعونه.

لم يمتلك الناس الذين عاشوا في أيام نوح قوة بدنية أو مقدرات عقلية أقل من الناس الذين يعيشون في يومنا الراهن. بالقول أنَّ الأشخاص القدماء كانوا أكثر بدائيّة فإننا بذلك نُعبِّر عن فكرة تطوريّة.

نقرأ في الإصحاح الرابع من سفر التكوين أن أحفاد آدم كانوا يقومون بزرع المحاصيل وتربية الحيوانات والعزف على الآلات الموسيقية بالإضافة إلى بناء المدن وتطويع النحاس والحديد. لطالما كانت التقنيات والأدوات والآلات الهندسية التي للإنسان القديم على درجة من الإبداع تفوق ما يتم إدراكه في الكثير من الأحيان.

على سبيل المثال، بعد الطوفان بمدة ليست بطويلة، كان المصريّون يقومون بالكتابة وقصّ حجر الغرانيت وبناء الأهرامات العظيمة على درجة عالية من الدقّة.

كان الإنسان الأول الذي خلقه الله كاملاً. خلال السنوات الستة آلاف التي مضت منذ ذلك الحين، كان مستوانا الذهني يتراجع بالغالب بسبب آثار اللعنة. لحسن الحظ، قمنا بمواجهة ذلك التراجع في المقدرات من خلال تسجيل ونقل المعلومات والإكتشافات.

الحجم الهائل للفُلك.

إن التنوع المثير للدهشة في أنواع الحيوانات الموجودة في يومنا الراهن قد تولَّد من التكاثر والقليل من التهجين“ الذي حصل بين أنواع الحيوانات التي كانت على متن فلك نوح.

لم يُقل لنا [في السرد التوراتي] أن نوح وأبناءه كانوا قد قاموا بكل العمل بمفردهم، على الرغم من أن ذلك كان ممكناً بالنسبة لهم. من المحتمل أنهم قد استأجروا أشخاصاً آخرين لقطع الأخشاب ونقلها، وقطع الألواح الخشبية والعمل على العوارض الضخمة المستخدمة في هيكل الفُلك.

نجد في الكلاسيكيات الأدبية تسجيلات عن سفن خشبية ضخمة بحجم مماثل للفلك.3 فالسفينة ذات البنية المزدوجة والمدعوة تيساراكونتيريس (Tessarakonteres) التي قام بإنشائها بطليموس الرابع في العام ٢١٠ قبل الميلاد، كانت ذات طول يبلغ ١٢٨م، أي أنها كانت بحجم ضخم يقارب من ضخامة الفلك. وكان يتم تسييرها من خلال ثلاثة صفوف من المجدّفين وكانت تحمل على متنها عددا من الجند يصل إلى أربعة آلاف جندي. أما سفينة الليونتيفيرا من هيراكليا فكانت -غالباً- بطول يتراوح بين ١٢٠-١٥٠ م (٤٠٠-٥٠٠ قدم). وهي التي قدَّمت أداءً رائعاً في معركة بحر إيجة في العام ٢٨٠ قبل الميلاد. في وقت لاحق، قام الأدميرال الصيني زينغ هي (أو شينغ هو ١٣٧١-١٤٣٣) برحلات طويلة في المحيط برفقة أسطول يضم سفن كنوز عملاقة مزودة بتسعة من الصواري يبلغ طول الواحدة منها حوالي ١٣٠ م وعرضها حوالي ٥٠م.4 وبالتالي فإن كان قد تمَّ بناء السفن الخشبية ذات الحجم المماثل [لما سبق] وقد عَمِلَت بشكل جيّد، فإنَّ الأمر الواضح هو أنَّ بناء السفن الخشبية القابلة للإستخدام – من ذلك الحجم هو أمر مُمكن أن يكون قد حَدَثْ.

وقد كان فلك نوح أبسط بكثير من الهياكل السريعة للسفن الحربية اليونانية. يمكنك أن تُفكر في الفلك على أنَّه مركب عابر للمحيط، يمتلك بنية قوية للتعامل مع الأمواج.

كيف اتسع الفلك لجميع تلك الحيوانات؟

بدايةً، إن الله لم يقل لنوح أن يأخذ جميع أنواع الحيوانات على متن الفلك. إن الطوفان كان سيُهلكُ الحيوانات التي تتنفس الهواء وتلك التي تعيش على اليابسة فقط.5

الحيتان والأسماك والمخلوقات المائية الأُخرى مثل المحار والروبيان (جمبري) ستكون قادرة على البقاء على قيد الحياة خارج الفلك، وكذلك هو الحال بالنسبة لمعظم البرمائيات والحشرات. إن هذا الأمر قد تسبب بتخفيض كبير لعدد الحيوانات التي يجب وضعها على متن الفلك.

إضافةً إلى ماسبق، إن ”النوع“ بحسب الكتاب المقدس هو أوسع بكثير من ”الفصيلة“ [بحسب التصنيف الإحيائي] المعاصر. إن الفصائل المرتبطة بعضها ببعض والتي كانت قد انتشرت على سطح الأرض قد انحدرت بسرعة كبيرة من ”نوع“ واحد من الآباء الذين كانوا موجودين على متن الفلك. إن هذا الأمر كان قد فُهمَ من الخلقيين قبل ظهور الداروينية. يقول الكتاب المقدس:

واثنانِ مِنْ كُلِّ نوعٍ مِنَ الخَلائِقِ الحَـيَّةِ لِتَنجوَ بِـحياتِها معَكَ. ذَكَرا وأنثى تكونُ: (التكوين ٦: ١٩)

نقرأ في الإصحاح الرابع من سفر التكوين أن أحفاد آدم كانوا يقومون بزرع المحاصيل وتربية الحيوانات والعزف على الآلات الموسيقية بالإضافة إلى بناء المدن وتطويع النحاس والحديد.

على سبيل المثال، يوجد في يومنا الراهن مايزيد عن ٢٠٠ نوع من ”الكلاب“ وتتضمن ذئاب السهول (القيوط)، الثعالب، بنات آوى، والذئاب. هذه جميعها جنباً إلى جنب مع الكلاب الأليفة (من الكلاب الدانماركية الضخمة إلى كلاب البودل الصغيرة) ربما تكون قد انحدرت من ”نوع كلاب“ أصليّ واحد.

إن الأمر مُشابه بالنسبة للحيوانات الأُخرى، مثل فصيلة القطط وفصيلة الأحصنة وفصيلة الأبقار. إن التنوع المثير للدهشة في أنواع الحيوانات الموجودة في يومنا الراهن قد تولَّد من التكاثر والقليل من ”التهجين“ الذي حصل بين أنواع الحيوانات التي كانت على متن فلك نوح.

يقدّر جون وودموراب في كتابه ”سفينة نوح: دراسة جدوى“، ضرورة وجود ١٦٠٠٠ حيوان على أكثر تقدير على متن الفلك. كان هذا التقدير يتعامل مع النوع على أساس أنَّ ”النوع“ هو ما يوافق ”الجنس“ في التصنيف الإحيائي المعاصر. أما في حال كان يتوافق مع ”العائلة“ بحسب التصنيف الإحيائي فإنه لن يكون من حاجة إلا لتواجد ما يقرب من ألفي حيوان.

كيف استطاع نوح أن يقوم بجمع جميع تلك الحيوانات؟

لم يكن نوح مُضطراً للسفر إلى مسافات بعيدة ليقوم بجمع كل تلك الحيوانات ليُصْعِدَهَا على متن الفلك. إن الكتاب المقدس يقول لنا أن الله قد أرسل الحيوانات إلى نوح دون أن يحتاج للإمساك بهم:

مِنَ الطُّيورِ بِأصنافِها، وَمِنَ البَهائِمِ بِأصنافِها، وَمِنْ جميعِ دَوابِّ الأرضِ بِأصنافِها. (التكوين ٦: ٢٠)

إنه من الممكن أن يكون هذا الجمع أمراً مُعجزياً، لكننا أيضا نرى سلوكيات حيوانية مثيرة للإعجاب في عالمنا المعاصر (الهجرات العالمية [الفراشات الملكية، وطيور القطرس، والسلمون، والحيتان، الخ.] إضافة إلى أنشطة أُخرى مثل السبات الطويل والمعرفة بحدوث الزلازل).كما هو حال المخلوقات الأُخرى، كان عدد أنواع الديناصورات أقل بكثير من عدد الأجناس التي يتم تصنيفها وفقها

عدا عن أنَّ ترتيب القارات والمناخ كان مُختلفاً قبل الطوفان. من المحتمل أن نوح كان قد استوطن في منطقة كانت قادرة على دعم جميع الأنواع بحسب تصنيف الكتاب المقدس وذلك دون حاجة هذه الحيوانات إلى قطع مسافات طويلة. إن التزايد في التنوع ضمن أنواع الحيوانات كان يمكن أن يحدث بعد الطوفان نتيجةً لتزايد التباين بين البيئات والأنماط الإحيائية. إضافةً إلى أن أفضل الظروف التي تسمح بالتنوع والإنتواع الإحيائي السريع ترافق المجموعات الصغيرة المعزولة جغرافياً – تماماً كما هو الحال مع تلك التي انطلقت من جبال أرارات!

هل وُجِدَت ديناصورات على متن الفلك؟

نعم، إن الديناصورات هي مجرد نوعٍ آخر من الحيوانات التي تتنفس الهواء وتقطن اليابسة وقد خلقها الله مع الحيوانات الأُخرى. إن هذا الأمر يتضح من حقيقة كون مستحاثات الديناصورات قد دُفِنَت في الطوفان، مما يدل على أنها كانت على قيد الحياة في أيام نوح. وبالتالي فإنه من المنطقي أن يتمَّ وضعها ضمن قائمة الحيوانات البرية التي تمَّ وضعها على متن الفلك. لكن كيف وجدت لها مكاناً على متن الفلك؟

بعض الديناصورات كانت أصغر من الدجاج (دون أن يكون لها علاقة بالطيور؛ إذ أنَّ الله كان قد خلق الديناصورات في اليوم الذي تلى خلقه للطيور). إن الحجم المتوسط لأي ديناصور بالغ كان معادلاً لحجم الثور.

مجسم فنيّ لـ ”عش“ يحتوي على بيض ديناصورات.

إن الديناصورات تفقس من البيض، وأكبر بيضة توازي في حجمها حجم كرة القدم. في الحقيقة لا يمكن أن تكون أكبر من ذلك بكثير، وإلا فإن سماكة القشرة اللازمة لدعم وزنها سوف تمنع تدفق الأكسجين إلى الجنين. بالإضافة إلى أنَّ تحليل حلقات النمو لعظام الديناصورات يُظهر أنها مرَّت بما يُعرف بطفرة نمو الأحداث. لذلك فإنَّه من المنطقي أن يقوم الله باختيار ديناصورات بعمر يسبق عمر النمو السريع للأحداث. وبالتالي فإن أكبر الديناصورات من أمثال الأباتوصوروس والبراكيوصوروس يمكن بسهولة أن يوجد لها مكان على متن الفلك حين تكون يافعة. كذلك كان من الممكن أن يتم التعامل مع الفيلة وحيوانات وحيد القرن وفق ذات الطريقة. إن الزواحف المجنَّحة من أمثال التيروداكتيلوس كانت قد وُجِدَت على متن الفلك، ولكن لم يتم وضع الزواحف البحرية من أمثال البليوصوروس.

كما هو حال المخلوقات الأُخرى، كان عدد أنواع الديناصورات أقل بكثير من عدد الأجناس التي يتم تصنيفها وفقها. كما أن علماء المستحاثات كانوا قد أدركوا مؤخراً أن عينات الأطفال والبالغين كانت قد حصلت على مسميات مختلفة على الرغم من انتماءها إلى ذات النوع من الديناصورات.

ألم تنقرض الديناصورات قبل الطوفان؟

لا، إن الإعتقاد بأن الديناصورات قد ماتت قبل ظهور الإنسان بوقت طويل هو معتقد تطوري. نجد في سفر التكوين أن الله قد خلق كلّ الحيوانات البريّة في اليوم السادس من أسبوع الخلق منذ ما يقرب من ستة آلاف عام. هذا سيتضمن الديناصورات وذلك لأنها من الحيوانات التي تعيش على اليابسة. كما أنَّ الله قد خلق آدم وحواء في اليوم عينه.

يوجد أدلة علمية قوية على أنَّ الديناصورات ليست بعمر يبلغ عدة ملايين من السنوات. لقد وجد العلماء أنسجة رخوة وبروتينات وعينات من الحمض النووي في عظام الديناصورات، ولكن هذه كلها كان يجب أن تتحلل خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

في الاصحاح الأربعين من سفر أيوب (دُوِّنَ بعد الطوفان) نجد وصف بهيموث الذي يمتلك ذيلاً مثل الأرز، وهي أكبر شجرة في الشرق الأوسط. وهذا يتطابق فقط مع حيوان مثل الديناصور من فصيلة الصوربوديات. لذلك لابد أن أسلاف بهيموث كانوا قد تواجدوا على متن الفلك، وبالتالي فإن الديناصورات كانت لاتزال على قيد الحياة بعد الطوفان.

٢. هل حقاً كان الطوفان عالمياً؟

إن التطور (أو فكرة السنوات المليونية بذاتهاتعني كذلك أن المستحاثات، التي تقدم تمثيلاً للألم والموت وإراقة الدماء والأمراض والمعاناة قد تشكلت قبل أن يخطئ آدم وحوّاء.

يقول الكثير من الأشخاص أن طوفان نوح (إن كان حدثاً حقيقياً) فإنَّه كان طوفان محلي. لكن لماذ؟ لأنهم يعتقدون أن عالمنا يبلغ من العمر عدة ملايين من السنوات. وفق هذه الرؤيا، ستمثل المستحاثات المتموضعة في الطبقات الصخرية ظهور أشكال جديدة من الحياة على مدى العصور الزمنية المتعاقبة.

إلا أن العلماء لم ينظروا إلى المستحاثات وفق هذه الطريقة طوال الوقت. قام روّاد علم الجيولوجيا من أمثال نيكولاس ستينو بالربط بين المستحاثات المدفونة في الترسبات الطينية الناجمة عن المياه، وبين طوفان نوح.

إن الأفكار مترابطة (كما هو حال العائلات). إن فكرة التطور تعني أنَّ ’السجل الأُحفوري‘ قد تراكم بشكل تدرج ي خلال عدة ملايين من السنوات، وذلك سيعني عدم وجود أي دليل جيولوجي على طوفان نوح. وبالتالي فإن المسيحيّين الذين يؤمنون بالتطور و/أو ملايين السنوات الجيولوجية مضطرين إلى التمسك بالطوفان المحليّ.

إن التطور (أو فكرة السنوات المليونية بذاتها) تعني كذلك أن المستحاثات، التي تقدم تمثيلاً للألم والموت وإراقة الدماء والأمراض والمعاناة قد تشكلت قبل أن يخطئ آدم وحوّاء. وبالتالي، ماذا كان مقصد الله حين وصف خليقته المكتملة بأنها ”حسنة جداً“؟ إن التطور يعني أن الموت والمعاناة ليست نتائج للخطيئة. هذا الأمر سوف يتسبب بتدمير معنى موت وقيامة المسيح.

الكتاب المقدس يقدم وصفاً لطوفان عالمي

عهد الله من خلال قوس قزح يعني أنَّ الطوفان كان عالمياً.

لو أن الطوفان كان حدثاً محلياً، ما هي الحاجة إلى فلك بهذه الضخامة؟ كان من الممكن أن يغادروا المنطقة ويكونوا آمنين! لماذا تمَّ وضع الطيور على متن الفُلك؟ لقد كانت قادرةً على التحليق بعيداً. إن يسوع آمن أنَّ الطوفان قد مَحى الجميع فيما عداً نوح وعائلته (متى ٢٤: ٣٧-٣٩). لو أنَّ الطوفان كان محلياً، فإن تأثيره لم يكن ليمتد إلى الأشخاص الذين يعيشون خارج المنطقة، بل كانوا سينجون من دينونة الله للخطيئة.

كما أنَّ المسيح كان قد قارن بين دينونة العالم وبين دينونة ”جميع“ الناس في أيام نوح (متى ٢٤: ٣٧-٣٩). وقد فعل بطرس الأمر عينه في (بطرس الثانية ٣). إن حدوث طوفان محلي في أيام نوح، سوف يعني أن الدينونة العتيدة سوف لن تطال الجميع.

كيف للمياه أن ترتفع فوق رؤوس الجبال (التكوين ٧: ٢٠) فيما لو كان الطوفان محلياً؟ إن المياة تجد لها طريقاً.

إن الله قد وضع قوس قزح في السماء كعلامة على أنَّه لن يُدمِّر الأرض بالمياه مرّة ثانية. إلا أن العديد من الطوفانات ”المحلية“ الكارثية قد وقعت (على سبيل المثال، طوفان بحيرة ميزولا أو طوفان نيو أورليانز الأحدث عهداً.) – ولكن لم يحدث [منذ ذلك الحين] أيّ طوفان عالمي تسبب بالقضاء على جميع المخلوقات التي تعيش على اليابسة. لو أن الطوفان كان محلياً، فإن هذا سيعني أن الله قد نكث بعهده المُثبت مراراً وتكراراً. إن الطوفان التوراتي قد غمر العالم بأسره.

من أين أتت كلّ تلك المياه؟

إن الكتاب المقدس يصف لنا مصدرين للمياه – الأمطار من السماء والمياه المتدفقة من ”تفجَّر ينابيع الغمر العظيم“

من الممكن أن تكون الثورات البركانية قد حصلت على نطاق واسع بشكل متزامن مع تفجر مياه الغمر العظيم.

في السَّنةِ السِّتِّ مئةٍ مِنْ عُمْرِ نُوحٍ، في الشَّهرِ الثَّاني، في اليومِ السَّابعَ عشَرَ مِنهُ تفَجَّرَت ينابـيعُ الغَمْرِ العظيمِ وتفتَّحَت نَوافِذُ السَّماءِ. وكانَ المطَرُ على الأرضِ أربعينَ نهارا وأربعينَ ليلَةً. (التكوين ٧: ١١-١٢)

إن الكتاب المقدس يصف لنا مصدرين للمياه – الأمطار من السماء والمياه المتدفقة من ”تفجَّر ينابيع الغمر العظيم“. قد تكون ينابيع الغمر العظيم هذه – التي تمَّ ذكرها أولاً – أهمَّ مصدر لمياه الطوفان. ربما تشير إلى مصادر المياه الجوفية الضخمة. يشير ”التفجّر“ إلى نشاط بركاني وزلزالي واسع النطاق.

اكتشف الجيولوجيون أن الصخور الموجودة في الوشاح الداخلي للأرض لا تزال تحتوي على مياه وفيرة (تكفي لملء المحيطات عشرين مرّة). يعتقد هؤلاء أنه قد حدث في الماضي خروج لبعض المياه الموجودة في الوشاح إلى سطح الأرض. كما أن الجبال وتوزيع كتل اليابسة كانت مختلفة قبل الطوفان. يعتقد بعض العلماء الخلقيّين أن تفكّك كتلة قارّية واحدة كان جزءاً من الآلية التي تسببت في حدوث الطوفان.

كيف تمكن الفلك من النجاة من الطوفان؟

أفادت خلاصة دراسة أجراها مهندسون بحريون أن الفلك الموصوف في الكتاب المقدس هو أحد أكثر الأشكال استقراراً للتعامل مع الأمواج العاتية في محيط هائج. كان سيبقى بوضعٍ معتدل في ظل أقسى الظروف.

بخلاف السفن الشراعية التي تعود إلى القرون الوسطى، فإن الفلك لم يكن بحاجة للسفر إلى أيّ مكان. الحاجة هي أن يبقى طافياً. ربما تكون الأطراف ذات الإنحناءات البسيطة قد حسَّنَت من تعامل الفلك مع الأمواج العاتية، مما يضعف من احتمال استدارة الفلك ليتخذ وضعاً جانبياً موازياً لخط الأمواج. لكن الكتاب المقدس ليس واضحاً، ويوجد احتمال أن الفلك كان مجرد صندوق بسيط، هذا الأمر الذي من شأنه أن يوفر أقصى قدر من التخزين ويكون قوياً من الناحية الهيكلية.

قال النقاد أنَّه من غير المُمكن لسفينة خشبية بهذا الحجم أن تكون قوية بما فيه الكفاية، لكن هذا ليس صحيحاً. إذ أنهم كانوا يفترضون بشكل خاطئ أن الفلك كان مجرّد نموذج أضخم من إحدى السفن الشراعية التي تعود إلى القرن التاسع عشر. حيث أنَّ الخطر الأكبر ينجم من الصاري والأشرعة، حيث أنها تزيد من ذراع العزم لقوة الرياح، مما يتيح عزم دوران كبير قد يتسبب بانقلاب السفينة. كان لديهم نقاط ضعف خطيرة أُخرى فيما يتعلق بالكوة [النافذة]، كما أنَّ الإطار الخشبيّ للهيكل ليس قوياً [بما فيه الكفاية].

لكن يوجد طرق بديلة معروفة مثل نظام ”القشرة الواحدة“ (monocoque) الذي يسمح بأن يتم تأمين القوة الرئيسية اللازمة من خلال الهيكل نفسه، أو باستخدام المفاصل المدمجة، أو الألواح الخشبية المتشابكة، مثل الخشب المصنوع من طبقات [خشب الأبلكاس أو المعاكس]. وبالتالي سيكون من الممكن أن يتم بناء هيكل وفق الأبعاد التوراتية ويكون [متماسكاً] وقادراً على التعامل مع الضغط.

كيف استطاع نوح أن يعتني بكل تلك الحيوانات.

وخُذْ مِنْ كُلِّ طَعامٍ يُؤكَلُ، واجْمَعْه عِندَكَ، لِـيكونَ لكَ ولهُم غِذاءً». (التكوين ٦: ٢١)

لقد كان من الواجب على نوح أن يبقى على الحيوانات في جو دافئ ونظيف، وأن يجمع ما يكفي من الغذاء والمياه لقضاء ٣٧٠ يوماً. وفقاً لوودموراب، فإن المساحة المطلوبة لتخزين غذاء يكفي لستة عشر ألفاً من الحيوانات تشكل ١٥٪ من الحجم الإجمالي للفلك، أما المياه فتحتاج إلى ١٠٪ منه.6 من الممكن أن يتم تخفيض الحجم المطلوب من خلال تخزين المواد الغذائية المُجفَّفة، وجمع مياه الأمطار.ربما كان نوح قد امتلك أنظمة لتزويد الحيوانات بالمياه والغذاء وإزالة البقايا بشكل آلي.

تشير تقديرات وودموراب إلى أن ثمانية أشخاص سيكونون قادرين على رعاية ١٦،٠٠٠ حيوان دون أي أجهزة خاصة. إذ يمكن للأرضيات المفروشة بطبقة سميكة من نشارة الخشب أو الطحالب أن تصمد دون تغيير لعدة أشهر، وتؤدي وظيفتها في امتصاص الرطوبة والرائحة. قد تحتوي بعض الأقفاص على أرضيات مائلة أو منحدرة بحيث يسقط الروث عليها ويتم إبعاده. حتى في الزمن الحديث، يقوم المزارعون الهولنديون بالإحتفاظ بالحيوانات خلال أشهر الشتاء ضمن اسطبلات لا تحتاج إلى رعاية تُسمى بوتستال (potstals) و غروبستالس (grupstals).

ربما كان نوح قد امتلك أنظمة لتزويد الحيوانات بالمياه والغذاء وإزالة البقايا بشكل آلي. في يومنا الراهن يمكن لمجموعة صغيرة من المزارعين أن تقوم بتربية آلاف الماشية والحيوانات الأُخرى ضمن مساحة صغيرة. ربما سنكون متفاجئين من الأجهزة المميزة التي قد تكون متواجدة على متن الفلك لإطعام الحيوانات والعناية بها.

كيف يمكن لنوح أن يقوم بتشغيل هذه الأجهزة؟ قد يتم ذلك من خلال قوة الرياح أو الجاذبية أو بالإعتماد على اهتزاز الفلك… يوجد احتمالات كثيرة.

في الكوارث الطبيعية، تقوم معظم الحيوانات بالتفاعل بطريقة تسمح لها بالبقاء على قيد الحياة. وبالتالي فإنَّه من الممكن أن يكون عدد كبير من الحيوانات قد دخل في حالة من السبات أثناء وجودها على متن الفلك.

هل دمَّر الفلك كلَّ شيء حيّ؟

لم يشهد أي شخص معاصر أي إعصار أو زلزال أو عاصفة مطرية ذات قوة تدميرية مماثلة لما حدث في طوفان نوح. إنَّ أسوأ الكوارث الطبيعية التي حدثت في الفترات الماضية ستعتبر كلا شيء عند مقارنتها بالكارثة العالمية التي دمّرت الأرض في أيام نوح.

يتحدث الكتاب المقدس عن تفجّر ”ينابيع الغمر العظيم“. وهذا يعني حدوث زلازل وبراكين بالإضافة إلى [تطاير] الحمم البركانية المنصهرة والبخار شديد السخونة والمياه المتدفقة من داخل الأرض في ثوران واهتياجٍ شديدين. لم تتوقف هذه الينابيع إلا بعد ١٥٠ يوم من الطوفان.

فهَلَكَ كُلُّ ما لَه جسَدٌ يَدِبُّ على الأرضِ، مِنَ الطَّيرِ والبَهائِمِ والوحوشِ وكُلِّ الزَّحافاتِ الّتي تزحَفُ على الأرضِ، وجميعُ البشَرِ. كُلُّ مَنْ في أنفِهِ نَسَمةُ حياةٍ على الأرضِ اليابِسَةِ ماتَ. (التكوين ٧: ٢١-٢٢)بعد حدوث طوفان عالمي موافق لما يصفه الكتاب المقدس، سوف نتوقع العثور على مليارات الأشياء الميتة التي دُفنت في طبقات صخرية تموضعت بفعل المياه في جميع أصقاع الأرض. وهذا هو بالضبط ما وجده علماء الجيولوجيا (مليارات المستحاثات الموجودة في طبقات الصخور الرسوبية في جميع أنحاء العالم).

بعبارة أُخرى، هلك كلّ إنسان وكلّ حيوان فقاريّ تواجد على الأرض خارج الفلك وذلك من خلال تعاظم مياه الطوفان الذي استمر حتى لم يعد يوجد أي مكان للفرار بحثاً عن الأمان. بالطبع، إن ذلك لم يشمل الأسماك والحيوانات البحرية الأُخرى، على الرغم من أن العديد منها قد ماتت في الكارثة، أيضاً.

في ديسمبر من عام ٢٠٠٤، تسبب زلزال بالقرب من أندونيسيا في حدوث موجات مدّية عاتية تسببت بدمار العديد من البلدان حول المحيط الهندي. تسببت موجة تسونامي واحدة بدمار مدن بأكلمها في غضون دقائق قليلة. بعد عودة المياه إلى البحر، كان العالم في صدمة من الدمار الذي خلّفته. ولقي نحو مئتي ألف شخص حتفهم. تخيل ما قد يحدث لو أن موجات التسونامي قد استمرت في القدوم، واحدة تلو الأخرى، يوماً بعد يوم لمدة خمسة أشهر حتى يتم تغطية أعلى الجبال.

أين ذهبت تلك المياه؟

إن أرضنا تحمل لقب الكوكب الأزرق لأن معظم سطحها مغطى بالمياه (٧٠٪ من سطح الأرض).

إذا تمَّ بسط الجبال الموجودة في العالم مع رفع قاعدة المحيط لجعل السطح متجانساً، فإن المياه في تلك الحالة سوف تُغطي الأرض بعمق يصل إلى حدود ثلاثة كيلومترات.

كان طوفان نوح قد تسبب بحدوث تحركات أرضية جبلية-ضخمة. ونحن نرى الكثير من الأمثلة حيث كانت سلاسل الجبال ملتوية ومثنية في الوقت الذي كانت فيه الرواسب [التي شكّلتها] لا تزال طريّة. قرابة انتهاء الطوفان، تم دفع الجبال إلى أعلى نتيجةً لتحرك القشرة الأرضية. إن المياه لاتزال موجودة هنا، إلا أننا نعيش فقط على تلك الأجزاء التي تمَّ دفعها خارج الماء عند انتهاء الطوفان. يقترح بعض علماء الكتاب المقدس الموثوقين أن المزمور ١٠٤: ٧-٨ يصف هذا الحدث عندما يتحدث عن ارتفاع الجبال وانخفاض الوديان وهرب المياه عن سطح الأرض.

٣. هل يوجد دليل تاريخي على حدوث الطوفان؟

By BabelStone (Own work), CC0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=10755114
إن محلمة چلچامش كانت قد سُجِّلَت على ألواح طينيّة. لقد تمَّ العثور على العديد من قصص الطوفان في الحضارات المنتشرة على امتداد العالم.

تحتفظ العديد من الحضارات في مختلف أصقاع العالم بذكرى الطوفان في تاريخها المحلي. تمتلك العديد من القبائل الأمريكية الأصلية قصص طوفانات عالمية. تروي إحدى هذه القصص من قبيلة الشوكتاو، كيف أنَّ البشر قد وصلوا إلى درجة من الفساد إلى أنَّ الروح العظيمة دمَّرتهم من خلال طوفان ونجا رجل واحد فقط.

يوجد في هاواي أسطورة أُخرى هي أسطورة نو-يو الذي صنع مركباً يمتلك حجرة على متنه وملأها بالحيوانات. ارتفعت [بعد ذلك] المياه لتغطي جميع أصقاع الأرض وقتلت كلَّ الناس والحيوانات التي لم تتواجد على متن المركب.

تشير الكتابات الصينية القديمة إلى حدوث كارثة عظيمة على الأرض حيث غطى الطوفان أعلى الجبال.يمتلك هنود التولك الذين ينتمون إلى الحضارة المكسيكية القديمة قصة تتحدث عن عدد من الأشخاص الذين نجوا من الخراب الذي سببه طوفان عظيم غطى أعلى الجبال.

يمتلك هنود التولك الذين ينتمون إلى الحضارة المكسيكية القديمة قصة تتحدث عن عدد من الأشخاص الذين نجوا من الخراب الذي سببه طوفان عظيم غطى أعلى الجبال. أما القصة التي رواها مجموعة من السكان الأصليين في شمال غرب أستراليا، فهي تتحدث عن صراع رجل وامرأتيه وكلب لإيجاد طريقهم إلى الأمان في زورق، وذلك في الوقت الذي كان يتقدمهم طائر يحمل ورقة شجر في فمه.

تم اكتشاف واحدة من أشهر قصص الطوفان في العام ١٨٥٣ على ألواح عُثر عليها في نينوى القديمة. يُدعى نوح في ملحمة چلچامش هذه بإسم أوتنابشتيم. تمتلك هذه الملحمة أوجه تشابه كثيرة مع سرد الطوفان المسجل في سفر التكوين، لذلك يعتقد العديد من العلماء أن قصة سفر التكوين قد اشتُقَّت منها. إلا أن ملحمة چلچامش هي أسطورة نموذجية، فهي تحتوي على كائنات سحرية وعدد من الآلهة، بالإضافة إلى الزخرفات والفلك ذو الإحتمالية الضعيفة بشكله الصندوقيّ، في حين أن سرد سفر التكوين يُقرأ مثل التاريخ الحقيقي. ربما تشير القصتين إلى نفس الحدث الحقيقي. إذ يحتفظ سفر التكوين بالسجل الأصلي، في حين أن ملحمة چلچامش تُقدم نسخة مشوهة.

By Austin Post – Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=3157525
إن ثوران بركان ماونت سانت هيلين في العام ١٩٨٠ قد تسبب بتغيير التفكير الجيولوجي.

هذه القصص والمئات غيرها تمتلك العديد من أوجه التشابه اللافتة للنظر. إن هذا الدليل يدعم رواية الكتاب المقدس بأنَّ جميع الناس ينحدرون من ثمانية أشخاص نجوا من الطوفان العالمي. إن الكتاب المقدس يحتفظ بسرد لشهادة عيان مكتوبة لحدث تاريخيّ حدث في تاريخ العالم.

ماذا عن الأدلة الجيولوجية؟

حين نقوم بالنظر إلى العالم وفق المنظور التوراتي، يمكننا أن نرى الدليل الجيولوجي على الطوفان في كل مكان. علَّق أحد الأشخاص في إحدى المرات قائلا: ”لو أنني لم أُصَدِّق لما رأيته“.

بعد حدوث طوفان عالمي موافق لما يصفه الكتاب المقدس، سوف نتوقع العثور على مليارات الأشياء الميتة التي دُفنت في طبقات صخرية تموضعت بفعل المياه في جميع أصقاع الأرض. وهذا هو بالضبط ما وجده علماء الجيولوجيا (مليارات المستحاثات الموجودة في طبقات الصخور الرسوبية في جميع أنحاء العالم).

تُشَكِّل الصخور الرسوبية نحو ٧٥٪ من السطح القارّي. تسببت المياه بنشر طبقات سميكة من الحصى والرمال والطمي التي استقرت على الحجارة الصلبة. وقد دُفِنَت فيها المليارات من المستحاثات النباتية والحيوانية.

تشير المستحاثات إلى وقوع كارثة وعملية دفن سريع. لم يكن من الممكن أن يتم دفنها ببطء من خلال عملية استغرقت عدة آلاف من السنوات وإلا لكانت تغذت عليها الحيوانات القمَّامة أو تحلَّلَت. يوجد الكثير من الأمثلة الرائعة، مثل الإكثيوصور الذي تعرض للدفن أثناء الولادة. وكان الإكثيروصور الوليد قد تحجّر أيضاً، وقد تمَّ حفظه وفق تلك الحالة في الوقت المناسب. كما ويتواجد عدد من الأسماك التي لم تمتلك الوقت الكافي لتنتهي من التهام وجبتها.

الدليل على الطوفان موجود في جميع أنحاء العالم، من أعمق المحيطات وحتى أعلى الجبال. أثناء سفرك حول العالم، ستجد كيف تُحافظ المناظر الطبيعية على آثار طوفان نوح من خلال الهضاب والأودية وكذلك من خلال طبقات الفحم والمنحدرات. إن الدليل موجود في جميع أصقاع الأرض ليعاينه من شاء!

كيف يمكن للمستحاثات التي تبلغ من العمر عدة ملايين من السنوات أن تكون قد تشكلت خلال الطوفان؟

يوجد الكثير من الأشخاص الذين لا يقومون بالربط بين المستحاثات وبين طوفان نوح لأنَّه يُفترض بهذه المستحاثات أن تعود إلى عدة ملايين من السنوات. إلا أنَّ هذه الأعمار هي مجرَّد آراء بشرية، ولم يتمّ قياسها بشكل مباشر. يوجد الكثير من الأدلة التي تشير إلى أنَّ عمر العالم لا يتجاوز عدة آلاف من السنوات.

By Wilson44691 – Own work, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=7564321
المستحاثات المدفونة بسرعة في الرواسب في جميع أنحاء العالم هي دليل على كارثة الطوفان.

على سبيل المثال، تم العثور على قطعة من الخشب مدفونة في الحجر الرمليّ في مقلع حجريّ في مدينة سيدني. يُقال أن الحجر الرملي يرجع إلى أكثر من مئتي مليون سنة، إلا أنَّ تحليل قطعة الخشب باستخدام الكربون ١٤ كان قد أشار إلى أنَّ عمرها يرجع إلى بضعة آلاف من السنوات فقط. إن العلماء يقومون بتحديد العمر الذي يجب القبول به وذلك بالإعتماد على توافق قيمته مع معتقداتهم السابقة المتعلقة بالماضي.

اعتاد الناس على الإعتقاد بأن وجود تلك الطبقات الرقيقة في الصخور الرسوبية يشير إلى أنها قد تراكمت ببطئ على مدى عدة آلاف من السنوات، إلا أنَّ انفجار بركان ماونت سانت هيلين في يونيو/حزيران ١٩٨٠، تسبب بترسب ثمانية أمتار من الرواسب ذات الطبقات الرقيقة خلال ساعة واحدة فقط. يدرك علماء الجيولوجيا الآن أن الطبقات الرقيقة المتعددة يمكن أن تتشكل بسرعة.

الأودية هي الأُخرى ليست بحاجة إلى عدة ملايين من السنوات لكي تتشكل. على الرغم من أنَّ وادي بورلينغام (الواقع في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية) يظهر كما لو أنَّه قد تآكل ببطء على مدار عدة آلاف من السنوات، إلا أنّه قد شُقَّ بسرعة أثناء هطول الأمطار الغزيرة والفيضانات خلال أيام معدودة.

يعتقد الكثير من الأشخاص أن الصخور تحتاج عدة ملايين من السنوات حتى تتصلب، إلا أنَّ هذا الإعتقاد خاطئ. في مطحنة للدقيق في الولايات المتحدة، تحجَّر كيس من الدقيق (تحول إلى حجر) في غضون أسابيع معدودة عندما غمرت المياه المعدنية المطحنة.

في بداية الثورة الصناعية (١٦٥٠) كان يتواجد ٥٠٠ مليون شخص فقط على وجه الأرض. لقد كان النمو السكاني مذهلاً، حيث يبلغ عدد السكان في عالمنا المعاصر [نحو] سبعة مليارات نسمة، وهذا الرقم صغير للغاية فيما لو كان البشر قد تواجدوا على الأرض منذ عدة ملايين من السنوات. إن عدد السكان الحالي يتوافق مع الفترة الزمنية التي مرّت منذ الطوفان الذي حدث قبل نحو ٤٥٠٠ سنة، وليس مع التطور الذي استغرق عدة ملايين من السنوات.

كيف تمكنت الحيوانات من الهجرة من جبل أرارات إلى جميع أرجاء الأرض؟

إن الصورة التي يمتلكها العديد من الأشخاص تقدم زوجاً من الحيوانات يُغادر الفلك ويخوض رحلةً طويلة للغاية. إلا أنَّه قد مضت عدة قرون وقد هاجرت الحيوانات على امتداد أجيال متعددة.

مباشرةً بعد حدوث الطوفان وخلال فترة العصر الجليدي، كانت مستويات البحر أخفض بكثير [مما هي عليه في يومنا الراهن]، وهو الأمر الذي تسبب بتوفير الجسور البرية للحيوانات لكي تعبر من خلالها. يمكن أن تكون الحيوانات قد انتقلت أيضاً عبر المحيط على متن طوافات عائمة تتشكل من النباتات، وهو الأمر الذي تتم ملاحظته بشكل متكرر في الآونة الأخيرة. كما أنَّ البشر كانوا قادرين على نقل الحيوانات إلى أجزاء مختلفة من العالم، كما يحدث في يومنا الراهن.

إن تقديم مثال واقعي يمكن أن يساعد. عندما تمَّ إدخال ضفادع القصب من قبل البشر إلى أستراليا، استغرقت عشرة أعوام حتى انتشر أعضاء هذه المجموعة عبر امتداد ٢٠٠٠ كم. إن معدل الإنتشار الحالي يتراوح بين ٥-٥٠ كم في السنة. [وتجدر الإشارة] إلى أنَّ الضفادع ليست حيوانات متنقلة مثل الماشية والقطط ومختلف الزواحف.

بعد الطوفان، لم يكن هنالك من مشكلة في انتقال المجموعات الحيوانية بشكل موجات متتالية إلى أماكن بيئية ”فارغة“ في جميع الإتجاهات.

هل تمَّ العثور على فلك نوح؟

فاستَقَرَّتِ السَّفينةُ في الشَّهرِ السَّابعِ، في اليومِ السَّابعَ عشَرَ مِنهُ، على جِبالِ أراراطَ. (التكوين ٨: ٤)

يقوم الكثير من الأشخاص بالربط بين جبل الكتاب المقدس وبين جبل أرارات الموجود في تركيا الحالية. على الرغم من الرحلات الإستكشافية المتعددة التي توجهت إلى ذلك الجبل خلال القرن الماضي، لم يتم العثور على أي دليل قاطع على وجود الفلك.

مع ذلك، لا يمكننا أن نكون متأكدين من أنَّ جبل أرارات الموجود في تركيا هو الجبل الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس (إن الكتاب المقدس يتحدث عن ”جبال“ أرارات وليس ”جبل“). إن جبل أرارات المعاصر يتميز بقمة مدبّبة لن تشكل مرسى آمناً للفلك. يقترح البعض من الخلقيّين أن الفلك قد استقر على سلسلة جبال في منطقة أُخرى في الشرق الأوسط، وقد قدموا اقتراحات لاستكشاف بعض المناطق. يقترح البعض أن جبل أرارات المعاصر لم يحصل على اسمه هذا إلا منذ بضعة آلاف من السنوات.

ربما لن يتم العثور على آثار الفلك. ذلك أنَّ الفلك قد استقر منذ نحو ٤٥٠٠ عام، وربما يكون قد تحلل أو هُدِمَ (ربما ليتم استخدام أخشابه للبناء أو كحطب للنار). من ناحية أُخرى، يعتقد البعض من دراسي الكتاب المقدس والعلماء أنَّه من الممكن أن يكون الفلك محفوظاً حتى الآن. وفي حال تمَّ اكتشافة في يوم من الأيام، فإنَّه سيقدم تذكيراً للعالم بدينونة الله التي تمت في الماضي، والدينونة العتيدة أن تأتي.

لماذا أخرب الله الأرض؟

إن أحد أهم الدروس التي يمكن تعلّمها من طوفان نوح هو السبب الذي من أجله أخرب الله الأرض. إن الكتاب المقدس يقول التالي:

ورأى الرّبُّ أنَّ مَساوِئَ النَّاسِ كثُرَت على الأرضِ، وأنَّهُم يتصَوَّرونَ الشَّرَّ في قلوبِهِم ويَتهيَّـأونَ لَهُ نهارا وليلا. (التكوين ٦: ٥)

إن الطوفان هو تحذير لجميع الناس بأن الله الخالق يهتم بخليقته. إنَّه يهتم بكيفية تصرفنا وهو سوف يدين الأرض. وكذلك هو سوف يُخلِّص أولئك الذين يضعون ثقتهم به.

إن جميع الأشخاص الذين كانوا على الأرض – باستثناء نوح وبنيه ونسائهم – كانوا قد تابعوا في عنفهم (اللفظ العبري المستخدم هو ”حماس“، التكوين ٦: ١١) وفي فسادهم. لذلك طبق الله عليهم الدينونة. على الرغم من أن العقوبة كانت شديدة، إلا أنَّه لم يوجد أي شخص بعذر.

إضافةً إلى ما سبق، نرى أنَّ الله قد استخدم الطوفان كطريقة لتطهير الأرض – من خلال الفصل بين أولئك الذين يثقون به وبين أولئك الذين لا يفعلون ذلك. كما نلاحظ عبر التاريخ المسجل في الكتاب المقدس، إن الله قد استخدم هذا النمط من الدينونة والتطهير في تعامله مع البشر.

لذلك يجب علينا أن نقوم بإطاعة التعليمات الإلهية وأن نتذكر الكيفية التي تعاطى الله وفقها عبر التاريخ. وإلا فإن نصيبنا سوف يكون في تكرار ذات الأخطاء ومواجهة ذات العواقب، وذلك إن لم نقم بالتنبه للتاريخ الحقيقي وفهم العالم بناءً على ما هو مسجل في الكتاب المقدس.

٤. هل يحمل فلك نوح رسالة لنا؟

إن الفلك يُذكرنا بأنَّ الله الخالق -حتى في وقت الدينونة- يُؤَمِّنُ وسيلة الهروب لأولئك الذين يؤمنون به ويطيعونه. وهذه هي رسالة الكتاب المقدس وبشارة يسوع المسيح، التي هي الطريقة التي يمكن من خلالها لكل شخص منا أن يخلص من الدينونة العتيدة.

فاَبنُ الإنسانِ جاءَ ليُخلّصَ الهالِكينَ. (متى ١٨: ١١)

وبالتالي فإنّ الرب يسوع المسيح، إبن الله، في عملية طلب وتخليص الضّالين يشابه الفلك بالنسبة لنا. الفلك الذي خلَّص نوح وعائلته من مياه الطوفان. يتحدث الكتاب المقدس عن دمار الأرض القادم بالنار. ولكننا حين نضع ثقتنا في يسوع المسيح ونطيعه بوصفه ربّنا ومخلّصنا، فإنَّه سوف يُخلصنا من كامل دينونة الله القادمة. لقد كان على نوح وعائلته أن يدخلوا إلى الفلك من خلال الباب لكي يخلصوا، ونحن أيضاً بحاجة إلى الإستجابة ليسوع المسيح، بشكل مشابه للدخول من ”البوابة“. إن يسوع قد قال:

أنا هوَ البابُ، فمَنْ دخَلَ مِنّي يَخلُصُ… (يوحنا ١٠: ٩).

ههنا الخبر السَّار

تسعى إرساليات الخلق الدولية إلى إعطاء المجد والكرامة للإله كخالق، وكذلك تسعى إلى التأكيد على حقيقة السرد التوراتي للأصول وكذلك على حقيقة تاريخ العالم والبشرية.

جزء من هذا التاريخ الحقيقي هو الأخبار السيئة التي تتحدث عن عصيان (آدم) الإنسان الأول لوصية الله. لقد كانت نتيجة عصيانه دخول الموت والمعاناة والإنفصال عن الله إلى هذا العالم. نحن نرى النتائج في كل مكانٍ حولنا.على الرغم من أن يسوع المسيح الخالق هو بلا خطيئة، لكنه بالنيابة عن البشرية قد قاسى الموت والإنفصال عن الله، وكان ذلك عقوبةً لخطايانا.

إن كل نسل آدم هو في الخطيئة من قبل أن يولدوا (المزمور ٥١: ٥) وهم بذواتهم قد دخلوا في هذا التمرّد (الخطيئة). لذلك لا يمكنهم أن يعيشوا مع إله قدّوس، إذ أنه محكوم عليهم بالإنفصال عنه. يقول الكتاب المقدس: ”فهُمْ كُلّهُم خَطِئوا وحُرموا مَجدَ اللهِ.“ (رومية ٣: ٢٣) وبالتالي فإن الجميع سينالون ”عقابُهُمُ الهَلاكَ الأبدِيّ، بَعيدًا عنْ وَجهِ الرّبّ وقُدرَتِهِ المَجيدَةِ،“ (تسالونيكي الثانية ١: ٩)

لكن الخبر السار هو أنَّ الله قد فعل شيئاً حيال تلك الحالة.

”هكذا أحبّ اللهُ العالَمَ حتى وهَبَ اَبنَهُ الأوحَدَ، فَلا يَهلِكَ كُلّ مَنْ يُؤمِنُ بِه، بل تكونُ لَهُ الحياةُ الأبدِيّةُ.“ (يوحنا ٣: ١٦)

على الرغم من أن يسوع المسيح الخالق هو بلا خطيئة، لكنه بالنيابة عن البشرية قد قاسى الموت والإنفصال عن الله، وكان ذلك عقوبةً لخطايانا. من خلال هذا الفعل أرضى مطالب قداسة وعدالة الله، أبيه. كان يسوع هو الذبيح الذي بلا عيب. مات على الصليب، ولكنه في اليوم الثالث قام من بين الأموات ليهزم الموت، وبذلك فإنَّ كل شخص يضع ثقته به ويتوب عن خطاياه ويخضع له بالحقيقة (عوضاً عن أن ينال استحقاق [خطاياه]) سيتمكن من العودة إلى الله ليحيا في حضرة الخالق إلى الأبد.

فمَنْ يُؤمِنُ بالاَبنِ لا يُدانُ. ومَنْ لا يُؤمِنُ بِه دِينَ، لأنّهُ ما آمَنَ باَبنِ اللهِ الأوحدِ. (يوحنا ٣: ١٨)

يا له من مُخلّص رائع – ويا له من خلاص عجيب في المسيح خالقنا!

إذا كنت ترغب في معرفة المزيد حول ما يقوله الكتاب المقدس عن كيفية الحصول على الحياة الأبدية، من فضلك تواصل مع أقرب مكتب من مكاتب إرساليات الخلق الدولية سواء كان من خلال البريد الإلكتروني أو الرسائل أو الإتصال الهاتفي – للحصول على تفاصيل الإتصال، قم بزيارة creation.com/contact-us.

مراجع

  1. باستخدام القياس المقبول عموماً للذراع وهو ١٨ إنشاً (٤٥،٧ سم). انظر Lovett, T., Which cubit for Noah’s Ark?, J. Creation 20(3):71–77, 2006.
  2. Sarfati, J., The Genesis Account, Creation Book Publishers, Powder Springs, Georgia, 2015. 
  3. Pierce, L., The large ships of antiquityCreation 22(3):46–48, June–August 2000; creation.com/huge-ships. 
  4. Nunn, W., Giant sea-going wooden vessels challenge Ark skeptics, Creation 37(1):12–13, 2015. 
  5. كُلُّ مَنْ في أنفِهِ نَسَمةُ حياةٍ ـ هذه العبارة تشير إلى الحيوانات الفقارية (التكوين٧: ٢٢
  6. Woodmorappe, J., Noah’s Ark: A Feasibility Study, Institute for Creation Research, El Cajon, Calif.