الإنجيل
أهم أسئلة الحياة المصيرية
”إِنْ مَاتَ رَجُلٌ أَفَيَحْيَا؟“
إن هذا السؤال هو ما قام بطرحه الرجل الذي يحمل اسمه أحد أقدم أسفار الكتاب المقدس (أيوب ١٤: ١٤). فالموت هو المصير الذي سوف يواجهه الجميع في يوم من الأيام (العبرانيين ٩: ٢٧). يعلم جميع الأشخاص بشكل غريزي أنَّ موت أجسادنا المادية ليس نهاية وجودنا (الجامعة ٣: ١١). حتى إن الشخص الذي يدّعي الإلحاد يعرف ذلك. قد يقول الملحد إنَّه لا يؤمن بالله، إلا أنَّه عندما يُلقي برأسه على الوسادة مساءً ويبدأ بالتأمل في الأسئلة العميقة التي تدور في ذهنه، فإنَّه يُدرك في قرارة نفسه وجود خالق. إنَّه يعرف الحق، ولكنَّه يكتم الحق بالإثم (رومية ١: ١٨).

ما هو العامل الذي يُحدّد أين نقضي الأبدية حين يأتي موعد لقائنا مع الموت؟ يمتلك معظم الأشخاص فكرة غامضة تُفيد بأنَّ تفوُّق أعمالهم الصالحة على السيئة منها سيدفع الله إلى أن يسمح لهم بدخول الفردوس. نحن نعتقد أنَّنا أشخاص صالحون، لأننا نميل إلى تقييم صلاحنا من خلال مقارنة أنفسنا بالآخرين. إذا قارنت نفسي بصدام حسين أو أدولف هتلر أو بينيتو موسوليني أو جوزيف ستالين أو بول بوت، فأنا شخص صالح جدًا. أنا لم أفعل أبدًا أيًّا من تلك الأشياء. إلا أنَّ هناك أخبارًا سيئة. إنَّها أخبار سيئة للغاية.
حقيقة الأخبار السيئة
إن الله لا يُقيّم صلاحنا من خلال مقارنتنا مع الأشخاص الآخرين. إنَّه يقوم بتقييم صلاحنا من خلال مقارنتنا بنفسه. وعند المقارنة مع الله، فإنَّ الأمر الأكيد هو أنَّه لن يوجد أي شخص بارّ. جميعنا قُمنا بكسر القواعد الأخلاقية الإلهية. جميعنا قُلنا الأكاذيب؛ نحن كاذبون. تقريبًا كلٌّ منا قام بسرقة شيء ما؛ نحن لصوص. جميعنا قمنا باستعمال اسم الله باطلًا؛ نحن مُجَدِّفون. لقد نظرنا إلى الآخرين بشهوة جسدية؛ نحن زُناة في قلوبنا (متى ٥: ٢٨). جميعنا خُطاة (رومية ٣: ٢٣). جميعنا مُتمرّدون (إشعياء ١: ٢٨). إن خطايانا لا تُبعدنا فقط عن الله (كولوسي ١: ٢١)، بل تجعل منا أعداء له (رومية ٥: ١٠).
حين نقوم بمخالفة القوانين الأرضية، فإن هناك عقوبة يتوجب تأديتها. وحين نقوم بمخالفة القوانين الإلهية، فإن هناك أيضًا عقوبة يتوجب تأديتها؛ فالعقوبة المترتبة على مخالفة القوانين الأرضية هي عقوبة مؤقتة، ولكن العقوبة المترتبة على مخالفة القوانين الإلهية هي أبدية، لأن الله سرمديّ.

يعترض بعضهم قائلين: «ولكن الله إله صالح!» ويؤكدون قائلين: «الإله الصالح لن يرسل أيَّ شخص إلى الجحيم». إن صلاح الله ليس ضمانةً للخاطئ بأنَّه سوف يُخلَّص، بل بالحري هو ضمانةٌ بأنَّ العدل سوف يتحقق. إن الله صالح. وحقيقة الأمر هي أنَّه وحده الصالح بطبيعته (مرقس ١٠: ١٨)، ولا بدَّ من أن يُدين الخطيئة؛ ذلك أنَّه إن لم يُدِن الخطيئة، فلن يكون صالحًا.
فلنفترض أنَّ رجلًا قد ارتكب جريمة قتل ثَبَتَت بكاميرا مراقبة. وعند القبض عليه، عُثر على سلاح الجريمة وبصمات أصابع المُتَّهم في كلّ مكان. وشَهِدَ العديد من شهود العيان بأنَّه القاتل. وبالتالي، فقد أُدين المشتبه به في المحكمة. إنَّها قضية واضحة.
يقول القاضي للمجرم المُدان: «لقد أُدنت للتو بارتكاب جريمة قتل. هل لديك ما تقوله قبل أن أُقرّر الحُكم والعقوبة؟» فيرد القاتل المُدان: «حسنًا أيها القاضي، أعتقد أنَّك قاضٍ صالح. ولأنَّك قاضٍ صالح، أعتقد أنَّه يجب عليك أن تسمح لي بالمغادرة. فالأمر أنني ارتكبت جريمة قتل واحدة فقط في يوم واحد، وفي جميع أيامي الأخرى لم أقتل أيَّ شخص قط».
ماذا لو أجاب القاضي قائلًا: «أعتقد أنَّك على حقّ. أنا قاضٍ صالح، ولذلك فإنني سأسمح لك بالمغادرة. أنت حرٌّ في الذهاب. أتمنى لك يومًا سعيدًا». فيخرج القاتل المُدان من قاعة المحكمة رجلًا حرًّا.
هل سيكون ذلك القاضي صالحًا؟ لا! إن ذلك سيكون قاضيًا سيئًا للغاية، لأنَّ القاضي الصالح سوف يطبّق العقوبة على المجرم بسبب جريمته. إن الله هو القاضي الصالح المطلق، ولا بدَّ من أن يُدين الخطيئة. فإن لم يُدِن الخطيئة، فلن يكون قاضيًا صالحًا. إن الكثير من الأشخاص يعتمدون على صلاح الله ليغفر لهم خطاياهم، لكن صلاح الله هو ما سيحتم مصيرهم.
ولكن ماذا عن محبة الله؟ إن الكتاب المقدس يُعلّمنا بوضوح أنَّ الله محبة (يوحنا الأولى ٤: ٨، ١٦). فكيف للإله المُحب أن يُرسل الناس إلى الجحيم؟ إن هذا السؤال من الأسئلة المُتكرّرة.
إن هذا السؤال يحتوي على نوع من التضليل، لأنَّه يُلمِّح إلى أنَّ الله يعاقب بصورة فاعلة أشخاصًا ليسوا أكثر من مشاركين سلبيّين. إلا أنَّ الحقيقة مختلفة عن ذلك. إن الأشخاص الذين يُرسلهم الله إلى الجحيم موجودون هناك نتيجةً لحياة الخطيئة والتمرد على الله. علاوةً على ذلك، فإن محبة الله ليست محبة مُلاطفة وغنج. إنَّ محبته محبة مُقدَّسة وعادلة.
إن واقع الحال يُظهر لنا بجلاء أنَّ محبة الله تتجلّى في إعطائه لنا ما لا نستحقه. تقول رسالة رومية ٥: ٨: «وَلَكِنَّ اللهَ أَثْبَتَ لَنَا مَحَبَّتَهُ، إِذْ وَنَحْنُ مَازِلْنَا خَاطِئِينَ مَاتَ الْمَسِيحُ عِوَضًا عَنَّا». تتجلّى محبة الله في أنَّه، على الرغم من كوننا خطاةً متمرّدين عليه وغير مستحقين لأيِّ شيء سوى غضبه، أرسل ابنه الوحيد ليموت نيابةً عنّا. هذا هو أسمى تعبير عن المحبة.

إن الشخص الذي يموت في الخطيئة ستكون نهايته العادلة والمُحقّة في المكان الحقيقي الذي يدعوه الكتاب المقدس «الجحيم». وهنا يجب علينا ألا نتهاون في الحديث عن الجحيم، إذ يوجد الكثير من الواعظين الذين يقولون إنَّ الإنسان الذي يموت في خطيئته سينفصل عن الله إلى الأبد. لكن هذا الأمر ليس صحيحًا بصورة كاملة. إن الأمر الأكثر رعبًا فيما يختص بالجحيم هو… الله نفسه؛ إذ إنَّ الله موجود هناك، وهو موجود بكامل غضبه. وبحسب ما نقرأ في سفر الرؤيا ١٤: ٩-١١، فإنَّ جميع الذين يُدانون «لَابُدَّ لَهُمْ، فِي حَضْرَةِ الْمَلَائِكَةِ الْقِدِّيسِينَ وَفِي حَضْرَةِ الْحَمَلِ، أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ خَمْرِ الْغَضَبِ غَيْرِ الْمُخَفَّفَةِ، الْمَسْكُوبَةِ فِي كَأْسِ غَضَبِ اللهِ، فَيُكَابِدُوا عَذَابَ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ الْمُتَّقِدِ، وَيَتَصَاعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ».
إن انفصال أولئك الذين في الجحيم عن الله هو انفصال في العلاقة. هذا هو الأمر الذي تشير إليه الآيات الواردة في رسالة تسالونيكي الثانية ١: ٨-٩. لن توجد علاقة بين الله وبين أولئك المُدانين. لن توجد شراكة. لن يوجد حُب متبادل. لكن من الناحية القضائية، فإن الأشخاص الذين في الجحيم سوف يكونون في حضرة الله إلى الأبد، حيث «دُودُهُمْ لَا يَمُوتُ، وَالنَّارُ لَا تُطْفَأُ» (مرقس ٩: ٤٨). إن الأمر الأكثر إثارةً للرعب بخصوص الجحيم هو وجود الله هناك في كامل غضبه.
هذه هي الأخبار السيئة. هذا هو ما تستحقّه أنت وما أستحقه أنا. هذا ما تحصّلنا عليه من خلال خطايانا المتعمدة. إن أجرة الخطيئة هي موت (رومية ٦: ٢٣). لا يُمكن لأي مقدار من الأعمال الصالحة أن يُرضي غضب الله المستعر ضد خطايانا. إن الكتاب المقدس يقول إن أعمالنا هي «كَثَوْبٍ قَذِر» (إشعياء ٦٤: ٦) أمام إله قدّوس، قدّوس، قدّوس (إشعياء ٦: ٣؛ الرؤيا ٤: ٨). إن أعمالنا الصالحة لن تكون ذات فائدة لنا في يوم الدينونة.
إن السؤال هو التالي:
كيف يُمكن للإله القدوس والعادل أن يُسامح الخُطاة دون أن يتنازل عن صلاحه وعدله؟
ولكن توجد أخبار سارّة.
ما هو سبب كون الأخبار السارّة سارّةً جدًا؟
إليك الأخبار السارّة: إن الله يُحبك.
لقد أعدَّ الله لك طريقًا، وذلك من خلال نعمته وحدها — وهو الطريق الوحيد، في الحقيقة — للنجاة من غضبه. لقد أعدَّ لنا، نحن أعداءه، طريقًا لكي نتصالح معه (رومية ٥: ١٠). لقد أرسل ابنه يسوع المسيح إلى عالمنا. لقد كان وما زال إلهًا كاملًا وإنسانًا كاملًا. إنّه شخص واحد بطبيعتين: طبيعة ناسوتية، أي بشرية، وطبيعة لاهوتية. إنَّه الإله المتجسد.
لقد وبَّخ يسوع المعلمين الكذبة والأنظمة الدينية الكاذبة، وشفى المرضى، وطرد الأرواح النجسة والشياطين، وأقام الأموات، وصنع المعجزات، وبشّر بالإنجيل. لقد عاش حياةً في طاعة مثالية لله الآب. ومن ثمَّ، بكامل إرادته، بذل حياته على خشبة الصليب. إنَّ حياته لم تُسلَب منه، بل كان هو من بذلها (يوحنا ١٠: ١٨).
إن كامل غضب الله الذي استحقه شعبه قد انسكب بتمامه على ابنه يسوع. وبذلك أصبح يسوع كفّارةً لخطايانا.

«وَفِي هَذَا نَرَى الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لَا مَحَبَّتَنَا نَحْنُ لِلهِ، بَلْ مَحَبَّتَهُ هُوَ لَنَا. فَبِدَافِعِ مَحَبَّتِهِ، أَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا» (يوحنا الأولى ٤: ١٠).
الكفارة هي «الاسترضاء» أو «التسكين والإرضاء». لقد أرضى يسوع غضب الله من خلال تقديم نفسه ذبيحةً نهائيةً عن الخطيئة. هناك، على خشبة الصليب، حُسِبَت خطايانا للمسيح. يقول الكتاب المقدس في رسالة كورنثوس الثانية ٥: ٢١: «فَإِنَّ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيئَةً، جَعَلَهُ اللهُ خَطِيئَةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ». لم يصبح يسوع المسيح خطيئةً بالمعنى الحرفي، بل بالحري جُعِلَ قربانًا وكفارةً من أجل الخطيئة (رومية ٨: ٣). إن العقوبة التي نستحقها، أنا وأنت، قد طبَّقها الله على ابنه. لقد عاقب الله يسوع نيابةً عنّا (إشعياء ٥٣: ١٠). لقد مات يسوع على خشبة الصليب، ثم قام بالجسد من بين الأموات في اليوم الثالث (متى ٢٨؛ مرقس ١٦؛ لوقا ٢٤؛ يوحنا ٢٠)، ليُثبت بذلك أنَّه كان حقًّا مَن ادّعى أنَّه هو: الإله الذي اتخذ طبيعتنا البشرية.
نحن لا نمتلك الصلاح من ذواتنا، لأننا أموات في الخطيئة (أفسس ٢: ١-٣) ولأننا عاجزون (رومية ٣: ١٠-١٢). لا بدَّ لنا من الحصول على صلاح شخص آخر. لا بدَّ لنا من الحصول على صلاح يسوع المسيح. وكما حُسِبَت خطايانا للمسيح، لا بدَّ من أن يُحسب بِرُّه لنا. ولا يُمكن لنا الحصول على بِرِّه من خلال شرائه بثوب أعمالنا القذر.
السؤال هو: إذا كان البرّ الكامل مطلوبًا للحصول على الحياة الأبدية، فكيف نحصل على الحياة الأبدية إذا كنَّا مذنبين؟
الإجابة هي: إن الله يهب الإيمان للمؤمنين، ويحسب لهم إيمانهم برًّا، وذلك من خلال نعمة التجديد.
يقوم روح الله القدوس بتبكيتنا على الخطيئة والبر والدينونة (يوحنا ١٦: ٨)، ويهب الإيمان بالمسيح (أفسس ٢: ٨-٩؛ فيليبي ١: ٢٩)، والتوبة عن الخطايا (تيموثاوس الثانية ٢: ٢٤-٢٦).
يجب علينا أن نتخلّى عن الاتكال على أعمالنا الصالحة، وأن نضع إيماننا الكامل وثقتنا في العمل الذي أتمَّه يسوع المسيح على خشبة الصليب. يجب علينا أن نضع ثقتنا بيسوع وحده، وأن نتوب عن خطايانا.
تُب وآمن.
لكن ما المقصود بالتوبة؟ إن معظم الأشخاص يعتقدون أنَّ التوبة هي مجرد رغبة المرء في أن يتراجع عن خطايا معيّنة. لكن هذه التوبة ليست هي التوبة التي يطالب بها الكتاب المقدس. إن المصطلح اليوناني للتوبة هو (μετάνοια – مِيتْآنُوْيَا)، وهو يحمل معنى حرفيًّا مباشرًا، هو تغيير المرء لرأيه. نجد أن الكثير من الأشخاص يُعلّمون أنَّه لكي يتوب المرء، يجب عليه ببساطة أن يغيّر رأيه حيال الخطيئة. بمعنى آخر، الاعتراف بالخطيئة على أنَّها خطيئة، وهذا يُشكّل توبة. لكن هذا الأمر ليس إلا حقيقةً جزئية، والحقائق الجزئية لن تكون فعّالة حين يتعلّق الأمر بالقضايا الأبدية.

إن التوبة الحقيقيّة تأتي حين يهب الله التوبة (أعمال الرسل ٥: ٣٠-٣١؛ ١١: ١٧). وعندما تُمنح هذه التوبة، تتغير أذهاننا فعليًّا، ومعها يتغير كل شيء يتعلق بنا. تتغير رغباتنا. تتغير عواطفنا. نبدأ بمحبة ما يحبه الله، ونكره ما يكرهه. والتوبة الحقيقيّة تؤدي دائمًا إلى ثمار حقيقيّة ملموسة (متى ٣: ٨؛ أعمال الرسل ٢٦: ٢٠).
إن لم توجد توبة حقيقيّة، فلا يوجد اهتداء حقيقيّ (لوقا ١٣: ٣). وبالتالي، فلا يوجد خلاص. وإن كنت تشعر بالحيرة حيال ما إذا كنت قد تبت حقًّا أم لا، فيتوجب عليك أن تتبع تعليمات الرسول بولس في رسالة كورنثوس الثانية ١٣: ٥، فتختبر نفسك لترى ما إذا كنت في الإيمان. تأمّل في حياتك واسأل نفسك الأسئلة التالية:
- هل أثق حقًّا بالمسيح وحده من أجل خلاصي؟
- هل حدثت تغيّرات في حياتي؟
- هل أُحبُّ ما يُحبُّه الله؟
- هل أكره ما يكرهه الله؟
- هل أجوع إلى كلمته؟
- هل أُحبُّ الإخوة؟
- هل أقف مع المسيح في وجه الاضطهاد؟
- هل يوجد نمط متزايد من القداسة في حياتي؟
- هل أحزن بسبب خطاياي؟
ربما يكون من المفيد الاستفاضة في السؤال الأخير، لأن الحزن على الخطيئة هو إحدى السمات المميّزة للمسيحيّين. إن الكتاب المقدس يتحدث عن نوعين من الحزن على الخطيئة: حزن العالم، والحزن الذي يوافق مشيئة الله (كورنثوس الثانية ٧: ٩-١٠). إن حزن العالم يؤدي إلى الموت، ولكن ما هو حزن العالم؟
إن حزن العالم، أو الحزن الدنيوي، هو ذلك الحزن الذي يكون موجّهًا أفقيًا. بمعنى آخر، هو الحزن الذي يتمحور حول أنفسنا. إنَّه ذلك الحزن الذي يتساءل: «ماذا سيحدث لي إن كُشِفَت خطاياي؟ وما العواقب المترتبة عليَّ؟» إن الحزن الدنيوي هو الحزن الذي يهدف إلى إخفاء خطايانا، لأننا لا نريد مواجهة عواقبها. إن الشخص الذي يمتلك حزنًا دنيويًا على الخطيئة سوف يعود مباشرةً إلى تلك الخطيئة، إن استطاع أن يُفلِتَ من العقوبة دون أن يُكتَشَف. إن هذا النوع من الحزن يؤدي إلى الموت، أي الموت الأبدي.
إلا أن هناك حزنًا على الخطيئة من نوع آخر، وهو الحزن الذي يوافق مشيئة الله. وينتج عن هذا النوع من الحزن «تَوْبَةً تُؤَدِّي إِلَى الْخَلَاصِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَدَمٌ» (الآية العاشرة). إن الحزن الذي يوافق المشيئة الإلهية هو ذلك الحزن الذي يكون موجّهًا عموديًا. أي إن الحزن الإلهي ليس موجّهًا نحو أنفسنا، بل نحو الله. إن الحزن الذي يوافق المشيئة الإلهية يحدث حين نحزن بسبب خطايانا، لأننا نُدرِك أن خطايانا تُحزِن الله (أفسس ٤: ٣٠)، وأننا لا نريد أن نُحزِنَه.
إن الله صالح جدًا، ولطيف وكريم ورحيم جدًا في تعامله معنا. إلا أننا أخطأنا إليه. لقد احتقرنا العطايا الحسنة التي منحنا إياها، واستغللنا صبره ولطفه، وتصرّفنا جميعًا بأنانية، واستهزأنا بقداسته. وعلى الرغم من ذلك، «وَنَحْنُ مَازِلْنَا خَاطِئِينَ مَاتَ الْمَسِيحُ عِوَضًا عَنَّا» (رومية ٥: ٨).
إن هذا تصريح مثير للدهشة. لقد قدَّم الله ابنه الوحيد (يوحنا ٣: ١٦)، الذي لم يرتكب أيّة خطيئة، والذي يحبّه محبةً غير محدودة، ليكون ذبيحةً من أجلنا. ففي صليب المسيح وحده يمكننا أن نرى مقدار كُره الله للخطيئة ومقدار محبته لنا. وحين نُخطئ، فإننا نُحزِن الله، وهذا الأمر يجب أن يُحزننا.
أرجو ألا تُفهم الكلمات السابقة على أنَّها تعني أن المسيحيّين لا يستطيعون أن يُخطئوا. يمكن للمسيحيّين أن يرتكبوا الخطايا. فالمسيحيّ قد يتعثّر في الخطيئة، لكنه لا يُبحر فيها. والمسيحيّ الحقيقيّ لا يستمتع بالخطيئة، ولا يبحث عن فرص لارتكابها. أما حين يُخطئ، فإنَّه يحزن بسبب خطيئته. وكما يجب أن نريد مُخلِّصًا من الجحيم الأبدي، يجب أن نريد أيضًا مُخلِّصًا من الخطيئة. إذ إن الإنسان الذي يريد مُخلِّصًا من الجحيم، لكنه لا يريد مُخلِّصًا من الخطيئة، لن يكون له مُخلِّص من أيٍّ منهما.

إن لم تكن على ثقة من المكان الذي ستقضي فيه أبديتك في حال وفاتك اليوم، فأرجو منك، بل أترجّاك، أن تكون صادقًا أمام الله. اعترف له بخطاياك. اعترف له بحاجتك المطلقة إلى رحمته ومغفرته. اطلب منه أن يُخلِّصك. تُب عن خطاياك، وضع ثقتك بيسوع المسيح. إن أتيت إليه حاملًا الحزن على الخطيئة الذي يوافق المشيئة الإلهية، وبرغبة حقيقيّة في اتباعه من خلال طاعته طوال حياتك، فإنَّه سيخلّصك، وسوف تنتقل من الموت إلى الحياة (يوحنا ٥: ٢٥). سوف يعبر عنك غضب الله، وتُغفر لك خطاياك، وتُبعَد عنك كبُعد الشرق عن الغرب (مزمور ١٠٣: ١٢)، ولن يذكرها لك الله فيما بعد (العبرانيين ٨: ١٢).
«كُلَّ مَا يَهَبُهُ الآبُ لِي سَيَأْتِي إِلَيَّ، وَمَنْ يَأْتِ إِلَيَّ لَا أَطْرَحْهُ إِلَى الْخَارِجِ أَبَدًا» (يوحنا ٦: ٣٧). أليس هذا الوعد مُثيرًا للعجب؟ إن أتيت إلى المسيح خالي الوفاض، طالبًا مغفرة خطاياك، فإنَّه لن يردَّك خائبًا، بل سوف يُخلّصك. إن الدليل على اهتدائك وحياتك الجديدة في المسيح هو عُمرٌ من الطاعة والإتيان بثمار جيّدة لمجده.
لقد وضعت ثقتي بالمسيح، ماذا أفعل الآن؟
إن كنت قد وضعت ثقتك في يسوع المسيح ربًّا ومُخلِّصًا لحياتك، فأنت الآن بحاجة إلى العثور على كنيسة تتبنّى التعليم العقائدي السليم. وإن كنت بحاجة إلى المساعدة في العثور على كنيسة جيّدة، فلا تتردَّد في الاتصال بنا؛ فربما نكون قادرين على مساعدتك في العثور على كنيسة سليمة عقائديًّا في منطقتك.
إن هذا الأمر ضروري جدًا، فأنت بحاجة إلى أن تكون ضمن كنيسة جيّدة، حيث ستسمع كلمة الله يعظ بها رجال مؤهّلون للكرازة تأهيلًا كتابيًّا. أنت بحاجة إلى أن تتغذّى روحيًّا، وأن تتشجّع، كما تحتاج إلى الرعاية والمساءلة. وتحتاج كذلك إلى مكان تخدم فيه، وإلى الشركة مع الإخوة والأخوات الذين يشاركونك الإيمان المسيحي.

يعتقد الكثير من الأشخاص أنَّ الاهتداء إلى المسيحية سيجعل حياتهم أفضل. وبالفعل، ستكون الحياة أفضل، ولكن ليس بالمعنى الذي يتبنّاه معظم الناس حين يفكّرون في «الحياة الأفضل». إن حياتك في المسيح ستكون «أفضل» من حيث إنَّها ستكون مليئة بالفرح والنعمة اللذين لا يمكن أن يأتيا إلا من خلال عيش حياة الطاعة للمسيح. إلا أن حياتك في المسيح لن تكون «أفضل» بمعنى أنَّها ستصبح أسهل.
حاول اقتناء كتاب مقدس دراسي، وننصح شخصيًّا باقتناء الكتاب المقدس الدراسي لجون ماك آرثر، سواء كان بترجمة البستاني–فاندايك أو بأي ترجمة أخرى.
إن أردت مساعدةً في العثور على مواقع دراسية تساعدك على تعلُّم الكتاب المقدس ودراسته، فلا تتردد في مراسلتنا لطلب المعونة في الحصول على هذه الموارد، أو للتعرّف إلى بعض المواقع والتطبيقات التي ننصح بها في سبيل النمو في النعمة ومعرفة الكلمة.
«وَلْتَكُنْ مَعَكُمْ جَمِيعًا نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (كورنثوس الثانية ١٣: ١٤).
لقد تبنّينا النص الذي أعدَّه المبشّر جاستن بيترز، لكونه يقدّم رسالة الإنجيل بأمانة. ويمكنكم الوصول إلى نسخته الإنجليزية من هنا.
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.