التعامل مع المشكلة وليس مع الأعراض

,

إن واقع هذا العالم الذي نعيش فيه يُسبب حالةً من القلق لدى المسيحيّين. إذ إنه يوجد ملياراتٌ من الأشخاص الذين لا يعرفون الله. وهؤلاء الأشخاصُ يهلِكونَ في خطاياهُم، متوجهينَ إلى أبديةٍ مُزريةٍ بعيداً عن حضور ومحبة الله. إنَّه واجب ورغبة قوية في الوقت عينه أن نقوم بنقل رسالة الإنجيل، وكثيرون هم من يقومون بذلك.

نحن نشهد لأصدقائنا ولجميع الأشخاص الذين نقابلهم. ونرسل البعثات التبشيرية إلى أراضٍ غريبة لنشر البشارة المفرحة في جميع البلدان وإلى جميع الأُمم. وبالرغم من كل هذا الجهد التبشيري، لا يزال يوجد مليارات من غير المسيحيّين في العالم، فما هو السبب وراء ذلك؟ يمكن أن يُنسَب البعض من هذا إلى حقيقة كوننا لا نبذل الجهد الكافي! وأننا بحاجةٍ للمزيد من الخُدَّام والمُبَشّرين، وأننا أيضاً بحاجةٍ لأن نعملَ على مشاركةِ كلمةِ اللهِ مع غيرِ المؤمنينَ من أصدقائنا ومعارفنا.

لكن هذا ليس كافياً أيضاً، فلا تزال قطعة رئيسية من الأُحجية مفقودةً.

وربما تكون الحيرة الأكبر من الأعداد الكبيرة لغير المسيحيّين والمتواجدة في الدول التي قامت على الأُسُس المسيحية كالولايات المتحدة الأمريكية. وبالرغم من ذلك الأساس المسيحيّ نجد أن المسيحية تتراجع فيها، وذلك وفق المناخ الاجتماعي والسياسي.

يوجد ملايين المسيحيّين، وكمية كبيرة من المصادر المسيحية (كالمكتبات، ودور النشر، والمحطات الإذاعية، والبرامج التلفزيونية). فلماذا إذاً نجد أن المسيحيّة تتراجع؟ ولماذا لم تنجح الكنيسة (حتى الآن) في تلمذة العالم؟

من المؤكد أن التعليم عن التطور كان له أثره الكبير. فالتطور يقلل من شأن مصداقية الكتاب المُقدَّس ابتداءً من سفر التكوين. وتماماً كما قال يسوع المسيح لنيقوديموس ”إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ؟“ (يوحنا ٣: ١٢). كما يتم تعليم الأشخاص بأنه لا يمكن الوثوق بالكتاب المُقدَّس، وذلك ابتداءً من أساساته الموجودة في سفر التكوين؛ وبالتالي فإنهم لا يمتلكون الحافز أو الأسباب الكافية للوثوق برسالة الإنجيل التي تنطلق جذورها من تلك الأساسات. وإن أحد الأسباب الرئيسية التي أفضت إلى عدم فعالية الكنيسة في أداء وظيفتها كما يجب، هو أن المسيحيّين أنفسهم لم يكونوا أوفياء في جانب محدد وهو الدفاعيات (الدفاع عن الإيمان). فالكنيسة قد قامت بالمساومة على كلمة الله عوضاً عن الدفاع عنها.

لقد عرف السيد أنه سيكون هنالك معارضة لرسالة الإنجيل. ومن طبيعة غير المؤمنين أن يرفضوا الحقيقة، وخاصة في الجزء الذي يدعوهم لأن يكونوا مسؤولين أمام الله. لذلك فإن الله قد أعطانا تعليماتٍ لأن نكون مستعدين في كل حين لأن نقدم إجابات – دفاعاً منطقياً عقلانياً – لأي شخص من المتسائلين والمتشككين، وأن نقدم تلك الإجابات بوداعة ومحبة (بطرس الأولى ٣: ١٥).

هذا ما نُطلق عليه بالمفهوم المسيحي “الدفاعيات”. إذ إنَّه من المفترض أن نقوم بالرد ودحض أي جدال أو اعتراض يُقدَّم ضد كلمة الله (٢كورنثوس ١٠: ٥). يجب علينا أيضاً أن نقوم بدراسة القضايا التي تُقدَّم ضد الكتاب المُقدَّس حتى نستطيع تقديم الردّ المناسب عليها حين يقوم المتشككون بتقديمها لنا. ولكننا نجد أن الجزء الأكبر من المسيحيّين ليسوا مُستعدّين للقيام بهذا الجزء من الخدمة. فعوضاً عن الوقوف والدفاع عن سلطان الكتاب المقدس والأساسات التاريخية للسرد الوارد في سفر التكوين، يقومون بتجاهل موضوع الأُصول، أو ما هو أسوأ من ذلك – يقومون بالمساومة وتقديم التنازلات للعالم العلماني. وكنتيجة لذلك، نجد أن الكنيسة قد ضعفت بشكل كبير في أداء وظيفتها بتلمذة جميع الأُمم. فالمسيحيّون لن يكونوا قادرين على نشر رسالة الإنجيل إن لم يكونوا أولاً مؤمنين بها بشكل كامل، وثانياً إن لم يعرفوا كيف يقدمون دفاعاً عنها.

التعامل مع المشكلة، وليس مع الأعراض

إننا نعيش في عالم يُقاد بالأعراض الجانبية. فعند التعامل مع أي مشكلة أو صعوبة، إننا نميل إلى محاولة تخفيف الأعراض عوضاً عن التعامل مع المشكلة بحد ذاتها. لديك صداع؟ خُذ قرصاً من الأسبرين. لكن الصداع ليس هو المشكلة؛ إنما هو العارض الناجم عن المشكلة. فقد تكون بحاجة لأخذ قسط كافٍ من النوم، أو ربما أنت بحاجة لزيارة طبيب العيون للحصول على وصفة جديدة للنظارات الطبية. النقطة من هذا الطرح أننا نميل إلى الحصول على الحلول السريعة عوضاً عن الحل طويل الأمد.

وبالطريقة عينها فإن الصعوبات المتواجدة في المجتمعات المختلفة (كالعنف في المدارس، والإجهاض، والشذوذ الجنسي، والجريمة، والفشل الاقتصادي، ونقص الحريات، والكثير الكثير من المشاكل الأُخرى…) ليست هي المشكلة الرئيسيّة. إنها مجرَّد أعراض جانبية للمشكلة الرئيسية التي هي فقدان سلطان الكتاب المُقدَّس، وذلك ابتداءً من سفر التكوين.

بالرغم من ذلك، فإننا نجد أن معظم المسيحيّين يركزون جهودهم على أعراض هذه الأمراض الاجتماعية، لكنهم لا يتعاملون مع المشكلة بحد ذاتها. فالعديد من البرامج المسيحيّة تحاول التعامل مع مشاكل مثل العنف في المدارس، والإجهاض، والمخدرات وما شابه. ولكن القليل من المسيحيّين هم من يعملون على الدفاع عن المسيحيّة، ابتداءً من التكوين. وللملاحظة فقط، لا يوجد أي مشكلة في محاولة تخفيف الأعراض؛ فمن الأكيد أننا لا يجب أن نتخذ موقفاً مضاداً للبرامج والمشاريع المسيحية التي تتعامل مع المشاكل الاجتماعية مثل الإجهاض وغيرها، كما هو الحال مع الأسبرين لتخفيف الصداع. النقطة التي نحاول الوصول إليها أننا يجب ألا نحدّد جهودنا بالعمل على الأعراض. يجب أن نتعامل مع المشكلة التي هي الهجوم على الكلمة الإلهية في الوحي المُقدَّس ابتداءً من سفر التكوين.

إن المفتاح لحل مشاكل عالمنا هو تعليم الناس بأنهم قادرون على الوثوق بسلطان الكلمة الإلهية. فالكتاب المُقدَّس مصدر موثوق في كلّ ما يقدمه من التعليم. وعلى المسيحيّين أن يقوموا بدحض الحُجَج الزائفة التي يقدّمها المعاندون، وأن يظهروا مدى سُخف الأفكار التطورية من الناحية العلمية، بالإضافة إلى إظهار الإفلاس الفلسفي والمنطقي للأفكار العلمانية، والدفاع عن الكتاب المُقدَّس من أساساته في سفر التكوين. فحين يمتلك الناس أسئلة منطقيّة عن الكتاب المقدس، فإن واجبنا هو دراستها وتزويدهم بإجابات عليها. وحين يقوم المعترضون بالمُحاجَجة والجدال حول نسختهم من الأصول، نقوم بوداعة ومحبة بالإشارة إلى مدى سُخف موقفهم.

هل يوجد لديكم أي شكّ بأن الله سيستخدم هذا لجذب الملايين من الناس إلى الخلاص؟ سيكون من السهل أن نعاين الأُمم تعود مرّة جديدة إلى الله، ذلك إن قام المسيحيّون بالعمل على إنجاز الواجب الذي كلفهم به الرب سابقاً.