جمال القداسة

مقدمة

ما هو السبب الذي يدفع بنا إلى التراجع حين نسمع الوصية القائلة بأن نكون قِدِّيسين؟ يبدو الأمر كما لو أننا نقوم بالنظر إلى أحد الأمور غير المرغوبة، أو المكروهة بجملتها. لقد اختبرت ذلك الأمر بشكل شخصيّ. بعد استماعي إلى العديد من العظات التي تتحدث عن القداسة، بكل صراحة، غادرت مُحملاً بشعور يُمكن أن يوسم بالإحباط والإرهاق. من المُمكن أنك تود أن تجيبني قائلاً: “لا بد أنَّه الشعور بالذنب، يا أخي!”. إن الأمر الأكيد هو أنَّ اتِّباعنا لأسلوب حياة غير مقدس هو أمرٌ مُحزِنٌ للروح القدس، وهو أمر مُحزنٌ لنا أيضاً. والأمر الصحيح الآخر هو أننا نمتلك ما يدعوه الكتاب المقدس ”اهتمام الجسد“ وهو الذي سيرتد رجوعاً بشكل دائم عند الاستماع إلى دعوات القداسة (رومية ٨: ٧). على الرغم من ذلك، أعتقد، ولو كان الأمر بشكل جزئي، أن عدم مَحبتنا لمصطلح القداسة ناجم عن سماحنا للفهم الخاطئ بتشكيل نظرتنا إليها عوضاً عن الاعتماد على الكتاب المقدس في تشكيلها. فيما يلي بعض الأسباب التي تجعلنا نتراجع عن اتباع الوصية بأن نكون قدِّيسين:

نتيجة للربط بين القداسة وبين تحريم بعض الممارسات

توجد العديد من الممارسات التي يُمكن أن يتم سردها ضمن لائحة الممارسات التي يتم تحريم بعضها أو كُلِّها، مثل وجوب عدم التدخين، والامتناع عن تناول المشروبات الكحولية، والامتناع عن زيارة صالات السينما، والامتناع عن الاتصال الجسدي مع الشريك قبل الزواج، وعدم وضع جهاز تلفاز في الغرفة الخاصة، وسواها. على الرغم من أن العديد من هذه الممارسات تمتلك أساساً كتابياً، ربما يتوجب علينا أن نعتبر بعضاً منها معايير شخصية. المشكلة التي تظهر عند مساواة القداسة مع تحريم بعض الممارسات هي أنَّ هذه العملية تتجاهل هدف القداسة بشكل كامل، إذ إن القداسة لا تهدف إلى تجنب الممارسات السيئة فحسب؛ إذ إنَّ ذلك يتشابه مع الزّهد أكثر من تشابهه مع التقديس الحقيقيّ. من المُمكن للشخص الذي يتبنى الأفكار الأخلاقية (moralist) أن يمتنع عن هذه الممارسات دون أن يكون مُتَقَدِّساً. إن هدف القداسة هو أن تنعكس صورة المسيح في كياننا بكليّته. إن الهدف ليس العِفَّة فحسب، الهدف هو المسيح!

قد تتساءل قائلاً: هل سيفضي السعي لإظهار انعكاس مجد المسيح إلى امتناعي عن ممارسات مُعينة؟ بِكُلِّ تأكيد! ولكن إن تم اختزال القداسة إلى مُجرَّد كونها امتناعاً عن ممارسة الجنس، فإن ذلك هو إساءة فهم لما هو مُراد من القداسة. في بعض الحالات، نجد أن بعض مدخلات هذه القوائم لا تمتلك أساساً لها في الأسفار المُقَدَّسة. إنَّ أساساتها مبنية على التقليد – أي ما اعتدنا على القيام به – عوضاً عن كون الأساسات التي تُبنى عليها متجذرة فقط في الكتاب المقدس. لم يكن الإحباط والنفور الذي أصاب جيلاً كاملاً من الشبان وحده ما نتج عن هذا الأمر، بل تسبب كذلك بتعاظم كبرياء بعض الأشخاص الذين يعتقدون أنهم “اجتازوا اختبار القداسة”، وذلك لأنهم قد نجحوا في الامتناع عن بعض الممارسات السيئة.

لأننا نخاف من أن تبدو القداسة كما لو أنَّه قد عفا عليها الزمن

بمجرد أن تبتدئ بالحديث عن موضوع الاحتشام أو الطهارة الجنسية في عالمنا المعاصر الذي يروّج بقوة للثورة الجنسية، تشعر أن الأشخاص المحيطين بك يعتقدون أنك خارج الزمن أو بعيد عن الواقع. في الحقيقة، إن العالم سوف يظن بشكل مستمر أنه من الغريب ألا نواكبهم في أسلوب حياتهم في الخطيئة واللامبالاة (بطرس الأولى ٤: ٤). إلا أنه حين يظهر انعكاس حقيقيّ لقداسة المسيح من خلالنا، وذلك من خلال عمل الروح القدس الساكن فينا، يعاين الناس رجاءنا الحيّ. إن هذه هي الطريقة التي علّمها بطرس الرسول في رسالته الأولى. فقد قال للمؤمنين أن يُقَدِّسوا الرب الإله في قلوبهم، وهذه الوصية تدعو المؤمنين إلى التكريس أو إلى القداسة في ضوء سيادة المسيح وسلطانه. ومن ثمَّ يُتبِع هذه الوصية بالتوصية التالية: ”وَكُونُوا دَائِماً مُسْتَعِدِّينَ لأَنْ تُقَدِّمُوا جَوَاباً مُقْنِعاً لِكُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِي دَاخِلِكُمْ“ (بطرس الأولى ٣: ١٥). حين تنعكس قداسة المسيح المجيدة من خلال المؤمن، فإن الذين من العالم لا يقومون بتمييزها على أساس أنها قداسة في حدّ ذاتها، بل ينظرون إليها على أساس أنها رجاء، كما يلاحظون الخصوصية التي تظهر جليّة في ظلّ العُقم والانكسار اللذين يحيون في ظلّهما. على الرغم من أنَّ تعاليم القداسة التي تتخذ الإنسان محوراً لها قد باتت قديمة وعفا عليها الزمن، فإن القداسة التي تتم من خلال شخص المسيح وعمله هي وثيقة الصلة بكل جيل، ورؤية العالم لها حاجة مُلحة!

نتيجة للتعارض المُفترض بين القداسة وبين السعادة

هل سبق لك أن سمعت أحد الوُعَّاظ يقول: “إن الله غير مُهتمٍّ بسعادتك، إنَّه مُهتمٌّ بقداستك”؟ لقد سمعت هذه الكلمات في مناسبات مُختلفة، وأعتقد أنني قد قلت شيئاً مشابهاً لها في الوعظ والتعليم الذي قمتُ بتقديمه في الماضي. ولكنَّ هذا التعارض إنما هو تعارض خاطئ ووَهمي. يُمكنني أن أقول إنَّه إلى أن يتعلم المؤمن كيف تفيض سعادته وتنبع من الرب وفيه، فإنَّه لن يكون مُقدساً في ممارساته. لم تكن الرغبة في الحصول على السعادة ناجمة عن السقوط في الخطيئة، بل بالحري ظهرت نتيجة السقوط في خروج السعادة عن مسارها السليم. إن الله قد خلقنا لكي نحيا بسعادة وفرح به، ونستمتع بخليقته، وبِهِبَة الحياة التي منحنا إياها (انظر تيموثاوس الأولى ٦: ١٧).

إن الرغبة في الحصول على السعادة ليست هي المُشكلة بحد ذاتها، إن المشكلة تظهر حين نعمل على استبدال المصدر الأصيل والحقيقيّ للسعادة ببدائل عن الله. فنحن قد نحاول إيجاد السعادة في الملذات أو الشهرة أو امتلاك الكثير من الأشياء المادية عوضاً عن سعينا إلى التَّشَبُّع من المسيح وإيجاد الرضى فيه. من المُثير للاهتمام كيف أن الناس يُحاولون العثور على المحبة والفرح والسلام في العالم، آملين أن ذلك سيجعلهم سعداء حقاً، في حين أن المحبة والفرح والسلام هي بعضٌ من ثمار الروح، والتي نختبرها عندما نتشارك معه في قداسته.

في الوقت الذي يُمكنني فيه أن أقوم بتقديم المزيد من المُسَبِّبات التي قد تقف وراء تراجعنا عند سماع الوصية القائلة بأن نكون قدّيسين، فإن ما سبق سرده قد يكون كافياً لنا لكي نلاحظ أن الكثير من التحفظّات التي نمتلكها تظهر من خلال فهم خاطئ لقضية القداسة. لقد دُعينا إلى عبادة الرب بجمال (زينة) القداسة خمس مرات في العهد القديم، وحين نبدأ بالسماح للكتاب المقدس أن يقوم بتشكيل نظرتنا إلى القداسة، فإنَّها تصبح مُشتهاةً، وجذّابةً، وبكل بساطة … جميلة.

أود أن أختتم من خلال تقديم مُحاكاة أعتقد أنها ستساعدنا على رؤية جمال القداسة. قُم باستخدام ورقة وارسم عليها خطّاً يقسمها إلى قسمين، واكتب في أحدهما عشر صفات تنظر إليها باحتقار لدى الأشخاص الآخرين. (ربما قد تسرد أموراً مثل عدم الأمانة، والخيانة، والأنانية، والكبرياء). أما في القسم الآخر، فقم بكتابة عشر صفات أُخرى تود أن تراها في الأفراد الآخرين. (ربما قد تسرد أموراً مثل الصدق، والنزاهة، والتواضع، والعطف، والصبر، والفرح). الآن، قم برسم دائرة حول كل واحدة من تلك الكلمات التي وضعتها في قسم الصفات المُحتقرة، وقم بوسمها بأنها غير مُقدَّسة – وهي كذلك. وارسم دائرة حول كل واحدة من تلك الكلمات التي وضعتها في قسم الصفات المرغوبة، وقم بوسمها بأنها مُقدَّسة – لأنها كذلك. إن الصدق والنزاهة والتواضع والعطف والصبر والفرح هي ما يغدقه الروح القدس ليملأ المؤمن بجمال قداسته. لا تسمح للعالم أو للتعاليم الخاطئة أن تقوم بتشكيل رؤيتك للقداسة، فالكُتب المقدسة تُعلِّم بأن القداسة جميلة.