يعتقد الناقد بوجود تناقض بين اللاويين ١٧: ١–٥ والعدد ١٨: ٦–٨ وبين صموئيل الأول ١: ١–٢، ٢٠، و٧: ٧–٩.
وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «قُلْ لِهَرُونَ وَأَبْنَائِهِ وَسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: إِلَيْكُمْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ: أَيُّ إِسْرَائِيلِيٍّ يَذْبَحُ قُرْبَاناً بَقَراً أَوْ غَنَماً أَوْ مِعْزَى فِي الْمُخَيَّمِ أَوْ خَارِجَ الْمُخَيَّمِ، وَلَيْسَ عِنْدَ مَدْخَلِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ حَيْثُ يَتَوَجَّبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهُ أَمَامَ مَسْكَنِ الرَّبِّ، يُعْتَبَرُ قَاتِلاً قَدْ سَفَكَ دَماً، وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَأْصَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ مِنْ بَيْنِ شَعْبِهِ، وَذَلِكَ لِكَيْ يَأْتِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِذَبَائِحِهِمِ الَّتِي يَذْبَحُونَهَا فِي خَلاءِ الصَّحْرَاءِ وَيُقَدِّمُوهَا لِلرَّبِّ عِنْدَ مَدْخَلِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، عَلَى يَدِ الْكَاهِنِ، وَيُقَرِّبُوهَا ذَبَائِحَ سَلامٍ لِلرَّبِّ.
اللاويين ١٧: ١–٥
فَقَدِ اخْتَرْتُ إِخْوَتَكُمُ اللّاوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ الإِسْرَائِيلِيِّينَ لِيَكُونُوا لَكُمْ عَطِيَّةً مِنَ الرَّبِّ، لِيَعْتَنُوا بِخِدْمَةِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. أَمَّا أَنْتَ، وَأَبْنَاؤُكَ مَعَكَ فَقَطْ، فَتَقُومُونَ بِخِدْمَةِ الْكَهَنُوتِ فِي جَمِيعِ مَا لِلْمَذْبَحِ ومَا هُوَ وَرَاءَ الْحِجَابِ، فَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ خِدْمَةَ الْكَهَنُوتِ هِبَةً. وَكُلُّ غَرِيبٍ يَقْتَرِبُ مِنَ الْمَقْدِسِ يُقْتَلُ». وَقَالَ الرَّبُّ لِهَرُونَ: «هَا أَنَا قَدْ وَلَّيْتُكَ الْقِيَامَ بِخِدْمَةِ قَرَابِينِي. وَكُلُّ التَّقْدِمَاتِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي يُحْضِرُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لِي، أَمْنَحُكَ إِيَّاهَا أَنْتَ وَبَنِيكَ لِتَكُونَ لَكُمْ نَصِيباً فَرِيضَةً دَائِمَةً.
العدد ١٨: ٦–٨
كَانَ رَجُلٌ أَفْرَايِمِيٌّ اسْمُهُ أَلْقَانَةُ بْنُ يَرُوحَامَ بْنِ أَلِيهُوَ بْنِ تُوحُوَ بْنِ صُوفٍ، يُقِيمُ فِي رَامَتَايِمَ صُوفيِمَ مِنْ جَبَلِ أَفْرَايِمَ. وَكَانَ مُتَزَوِّجاً مِنِ امْرَأَتَيْنِ هُمَا حَنَّةُ وَفَنِنَّةُ. وَكَانَ لِفَنِنَّةَ أَوْلادٌ؛ أَمَّا حَنَّةُ فَكَانَتْ عَاقِراً. … وَفِي غُضُونِ سَنَةٍ حَبِلَتْ حَنَّةُ وَأَنْجَبَتِ ابْناً دَعَتْهُ صَمُوئِيلَ قَائِلَةً: «لأَنِّي سَأَلْتُهُ مِنَ الرَّبِّ».
صموئيل الأول ١: ١–٢، ٢٠
وَإِذْ سَمِعَ أَقْطَابُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ بِتَجَمُّعِ الإِسْرَائِيلِيِّينَ فِي الْمِصْفَاةِ، احْتَشَدُوا لِمُحَارَبَتِهِمْ. وَعِنْدَمَا بَلَغَ الْخَبَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْتَرَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَقَالُوا لِصَمُوئِيلَ: «لا تَكُفَّ عَنِ التَّضَرُّعِ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِنَا مِنْ أَجْلِنَا حَتَّى يُخَلِّصَنَا مِنْ قَبْضَةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ». فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ حَمَلاً رَضِيعاً، وَقَدَّمَهُ بِكَامِلِهِ مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ إِنْقَاذِ إِسْرَائِيلَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ.
صموئيل الأول ٧: ٧–٩
الرد
لا يوجد أي أساس منطقي لهذا الاعتراض، فإنَّ أي شخص يستطيع أن يأتي ويُقَدِّم ذبيحة لله بشرط أن يتم ذلك بطريقة سليمة موافقة للشريعة التي أعلن عنها الرب الإله. وبعد أن تم بناء خيمة الشهادة، كَرَّس الرب الإله سبط لاوي وكلَّفهم بوظيفة تقديم الذبائح والقرابين.
كان الشعب في ظل الشريعة الموسوية يقوم بإحضار قرابينهم إلى خيمة الشهادة أو الهيكل (بعد أن تم بناؤه في عهد سليمان)، حيث لم يكن من المسموح إلا للكهنة اللاويين بالدخول بالذبائح وتقديمها على المذبح (اللاويين ١٧: ١–٩؛ العدد ١٨: ٦–٨). كان الله قد استثنى من هذا الأمر أولئك الذين يحيون في مواضع بعيدة، بحيث إنَّه يصعب عليهم الوصول إلى الهيكل لتقديم الذبائح في أورشليم (التثنية ١٢: ٢١).
إن السرد الذي يرد في سفر صموئيل الأول ١: ٣، ٢٠ يتوافق مع ما سبق، إذ إن ألقانة كان قد قدم الذبائح بطريقة سليمة من خلال الكهنة (صموئيل الأول ١: ٣) بشكل موافق لمتطلبات الشريعة.
وَكَانَ مِنْ عَادَةِ أَلْقَانَةَ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَدِينَتِهِ مَعَ عَائِلَتِهِ فِي كُلِّ عَامٍ ليَسْجُدَ وَيُقَدِّمَ ذَبَائِحَ لِلرَّبِّ الْقَدِيرِ فِي شِيلُوهَ، وَكَانَ حُفْنِي وَفِينْحَاسُ ابْنَا عَالِي كَاهِنَيْنِ لِلرَّبِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
صموئيل الأول ١: ٣
كما أنَّ صموئيل بذاته كان كاهناً للرب الإله، وذلك على الرغم من أنَّ الكتاب المقدس لا يصفه صراحة بلقب “كاهن”، إلا أنَّنا نقرأ أنَّه قد قام بتقديم ذبائح ومحرقات على الأقل في مناسبتين ورد ذكرهما في صموئيل الأول ٧: ٩، و١٠: ٨. كما نقرأ أنَّه قام ببناء مذبح للرب في الرّامة في صموئيل الأول ٧: ١٧. ناهيك عن أن سفر أخبار الأيام الأول يتعقّب سلسلة نسبه رجوعاً إلى لاوي، وذلك في الأصحاح السادس في الآيات ١–٢٦، وبالتالي فإنَّه مؤَهَّل لتقديم القرابين والذبائح.
إن القراءة الأمينة للآيات والنصوص السابقة تُظهر بشكل جلي التوافق فيما بينها، والأمر المطلوب من القارئ هو ألا يُحاول أن يلوي عنق النصوص لكي تظهر كما لو كانت متناقضة فيما بينها.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
المنطق المُخادِع
تحدث هذه المغالطة حين يقوم الناقد بقفزات غير منطقية بين المقدمات والنتائج، فيستنتج شيئاً لا يلزم بالضرورة مما قُدّم من معطيات.
فلنفترض مثلاً أن ناقداً ادّعى أن القول: “إن أجاج قد أُعدم” يتناقض مع القول: “إن لأجاج ذرّية، أي نسلاً”. هذا مثال على المنطق المُخادِع، أو على الاستنتاج غير اللازم؛ إذ لا يوجد أي مبرّر منطقي يمنع أن يكون أجاج قد أنجب بنين، ثم أُعدم بعد ذلك في وقت لاحق. فذريته لا تتلاشى لمجرّد موته.
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.