مقدمة
يُعَدّ أبولونيوس التياني (توفي نحو سنة 98م) من أبرز الشخصيات الفلسفية في القرن الميلادي الأول، وقد ارتبط اسمه بالمدرسة النيوفيثاغورية التي اشتهرت بالدعوة إلى الزهد، والابتعاد عن الملذات الجسدية، وحياة الانضباط الروحي والفكري1. غير أنّ شهرته لم تقتصر على نشاطه الفلسفي فحسب، بل امتدّت إلى ما بعد موته حيث اتخذت بُعداً أسطورياً. فمع مرور الوقت نُسجت حول شخصيته قصص عن ميلاد عجائبي، ورحلات أسطورية إلى الهند وبابل، ومعجزات كطرد الأرواح الشريرة، وشفاء المرضى، وإقامة الموتى، حتى بات يُقدَّم في بعض النصوص بوصفه “الحكيم الإلهي” أو “الرجل الإلهي” (Theios Aner)2.
المصدر الرئيس الذي شكّل صورة أبولونيوس الأسطورية هو كتاب حياة أبولونيوس لفلافيوس فيلوستراتوس (نحو 220م)، الذي كَتَب السيرة بتكليف من الإمبراطورة جوليا دومنا، زوجة الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس. وقد تميزت هذه السيرة بالأسلوب القصصي الرومانسي، المليء بالحوارات الطويلة، والرحلات العجيبة، والتناقضات الجغرافية والتاريخية (مثل الحديث عن نينوى وبابل وكأنهما مدينتان مزدهرتان في القرن الميلادي الأول)3. كما اعتمد فيلوستراتوس على شخصية تُدعى داميس، قُدِّمت باعتبارها المصدر الرئيس لسيرة أبولونيوس، غير أنّ معظم الباحثين يرون أنّ داميس شخصية مُختَلَقَة، جرى توظيفها كأداة أدبية لإضفاء نوع من المصداقية على رواية مُشبَعَة بالخيال4.
بعد نشر هذه السيرة، استُخدم أبولونيوس في الجدل ضد المسيحية، خصوصاً في أوائل القرن الرابع حين حاول هييروكليس، والي بيثينيا، المساواة بين أبولونيوس والمسيح في المعجزات. وقد ردّ عليه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري في كتابه ضد هييروكليس، مؤكداً تفرد المسيح من حيث شخصه وأعماله وقيامته5. ولاحقاً، أعيد تدوير هذه المقارنة في عصر التنوير على يد مفكرين مثل فولتير للتشكيك في فرادة الإنجيل، إلا أنّ الدراسات النقدية الحديثة ـ سواء المسيحية أو غير المسيحية ـ تؤكد أنّ هذه المقارنات سطحية ولا تمتلك ثِقلاً تاريخياً ولاهوتياً6.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ صورة أبولونيوس لم تبقَ محصورة في الأدب اليوناني والروماني، بل انتقلت أيضاً إلى التراث العربي واليهودي في العصور الوسطى، حيث عُرف في المصادر العربية باسم بليناس، وارتبط اسمه بكتب الطلاسم والسحر، وهو جانب يستحق أن يُفرَد له بحثٌ خاصّ.
من هنا تأتي أهمية هذا البحث، والمتمثلة في عرض سيرة أبولونيوس ونقد مصادرها، ثم بيان كيف استُخدمت في الجدل ضد المسيحية، وأخيراً إبراز التفرد المطلق للمسيح، الذي لا يُقارَن بشخصيات أسطورية أو فلاسفة تمت كتابة أساطير حول حياتهم، لأنّه الله الظاهر في الجسد، الذي مات وقام لأجل خلاص البشر. فالخلاص في المسيحية هو بالإيمان وحده، بالمسيح وحده، بالنعمة وحدها، لمجد الله وحده3.
حياة أبولونيوس التاريخية
١- مولده ونشأته في تيانا
وُلد أبولونيوس في مدينة تيانا، إحدى مدن كبادوكيا، ويوجد خلاف حول تاريخ ميلاده بين نهاية القرن الأول قبل الميلاد وبداية القرن الأول الميلادي. كانت تلك المنطقة تحت النفوذ الروماني، مع حضور قوي للثقافة اليونانية. وقد عُرف منذ صغره بذكاءٍ حاد ونزعةٍ واضحة نحو الزهد، وهو الأمر الذي أهّله ليكون من أبرز من ارتبطوا بالفكر النيوفيثاغوري1.
٢- التزامه بالفكر النيوفيثاغوري
تأثر أبولونيوس بتعاليم فيثاغورس من خلال أحد أساتذته (إيكسينوس)، وقرر أن يلتزم بأسلوب حياة صارم: الامتناع عن أكل اللحوم، تجنّب شرب الخمر، رفض الملابس المصنوعة من جلود الحيوانات، إطلاق شعره، والعيش في بساطة. وقد ارتبط أيضاً بفكرة الصمت الفيثاغوري لمدة خمس سنوات، التي اعتبرها شرطاً للتطهير والانضباط الفكري4. هذا النمط من العيش جعله يكتسب سمعة واسعة بين معاصريه بوصفه فيلسوفاً زاهداً.
٣- تعليمه ورحلاته الفلسفية
درس أبولونيوس في مدينة طرسوس، لكنه سرعان ما انصرف عنها بسبب طابعها المترف، وانتقل إلى إيجاي حيث كان معبد أسكليبيوس، وهناك قضى وقتاً في التعليم والتأمل الفلسفي. وارتبط اسمه منذ ذلك الحين بالزهد واشتهر بالقدرة على إقناع الآخرين، حتى أنه ـ بحسب بعض الروايات ـ أصلح حياة أخيه الأكبر الذي كان مائلاً إلى الترف من خلال المثال الشخصي والنصيحة4. كما تذكر المصادر أنه قام بعد ذلك برحلات طويلة نحو الشرق، وصلت إلى بابل والهند، حيث التقى بالبراهمة الهندوسيّين وتعلّم منهم بعض الأفكار عن التقمص (التناسخ) ونظرتهم إلى علم الكونيات، إلا أنّ تفاصيل هذه الرحلات لا يمكن التحقق منها تاريخياً إذ إنّها تحمل طابعاً أسطورياً1.
٤- صورته في المصادر المبكرة قبل نشوء الأسطورة
المصادر الأقرب زمنياً لأبولونيوس لا تصفه كصانع معجزات، بل كفيلسوف وزاهد وحتى كصاحب نفوذ بين الناس. لم يظهر الطابع الأسطوري المرتبط بمعجزاته حتى وقت لاحق مع كتاب حياة أبولونيوس لفيلوستراتوس في القرن الثالث الميلادي5. كما أنّ بعض النقاد القدماء، مثل موراجينس، وصفوه بالساحر أو الدجال، وهو ما يدل على أن سمعته لم تكن متفقة عليها في عصره. وهذا يبرز التباين في النظرة إليه: بين من رأى فيه زاهداً وحكيماً، ومن اتهمه بممارسة السحر والشعوذة4.
سيرة فيلوستراتوس (القرن الثالث الميلادي)
١- خلفية تأليف السيرة الذاتية
في مطلع القرن الثالث الميلادي، كلّفت الإمبراطورة جوليا دومنا، زوجة الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس، المؤرخ فلافيوس فيلوستراتوس بكتابة سيرة أبولونيوس التياني. جاء هذا العمل في سياق ثقافي روماني يتسم بالانتقائية (Eclecticism)، حيث كان هناك ميل لإحياء النماذج الفلسفية والدينية القديمة وتقديمها كبدائل أو نظراء للمسيحية التي كانت تنتشر بسرعة في الإمبراطورية5.
٢- العناصر العجائبية في السيرة
قدّم فيلوستراتوس أبولونيوس بصورة أشبه ما تكون بالنبي أو الرجل الإلهي. نُسبت إليه معجزات عديدة:
- طرد الأرواح الشريرة من أشخاص ممسوسين. (حياة أبولونيوس لفيلوستراتوس ٢: ٤؛ ٣: ٣٨؛ ٤: ١٠؛ ٤: ٢٠؛ ٤: ٢٥)
- شفاء الأمراض المستعصية. (حياة أبولونيوس لفيلوستراتوس ١: ٩؛ ٦: ٤٣)
- إقامة فتاة من الموت. (حياة أبولونيوس لفيلوستراتوس ٤: ٤٥)
- الكشف عن حقيقة وباء في مدينة أفسس، وربطه بروح شريرة في صورة متسول.
يغيب ذكر هذه المعجزات عن المصادر المبكرة، مما يؤكد أنّها إضافات متأخرة تهدف إلى إضفاء هالة من القداسة على شخصيته1.
٣- شخصية داميس كمصدر مشكوك فيه
أحد المصادر الرئيسية لسيرة أبولونيوس هو داميس من نينوى، الذي قُدِّم على أنّه أحد تلاميذ أبولونيوس وناقل أخباره. لكن الدراسات التاريخية تشير إلى أن نينوى لم تكن قائمة في القرن الأول الميلادي، مما يجعل وجود داميس ذاته موضع شك. يرى كثير من الباحثين أن داميس ليس إلا أداة أدبية استخدمها فيلوستراتوس لإضفاء مظهر المصداقية على عمله، وهو أسلوب مألوف في الأدب الرومانسي القديم4.
٤- الأخطاء التاريخية والجغرافية
تتضمن السيرة العديد من الأوصاف الجغرافية والتاريخية المتناقضة:
- تُذكر بابل وكأنها لا تزال مزدهرة، رغم أنها كانت قد دُمِّرت قبل قرون.
- يتم وضع جبال القوقاز كحاجز بين بابل والهند، وهو خطأ جغرافي واضح.
هذه الأخطاء تؤكد أن السيرة ليست مصدراً تاريخياً موثوقاً، بل أقرب إلى رواية فلسفية ذات طابع أسطوري3.
٥- تصنيف السيرة كأدب رومانسي
أسلوب الكتابة في حياة أبولونيوس يتسم بالسمات المعروفة في الأدب الرومانسي اليوناني:
- الاعتماد على الحوارات الطويلة ذات الطابع الفلسفي.
- إدخال مشاهد غريبة مثل لقاءات مع حكماء الهند أو كائنات عجيبة.
- تطعيم السرد بالخطب البلاغية المنسوبة لأبولونيوس.
هذا يضع السيرة في فئة “الأدب الرومانسي الفلسفي” أكثر من كونها وثيقة تاريخية. ومن ثم فإنّ تصوير أبولونيوس كصانع معجزات وحكيم إلهي ليس انعكاساً للتاريخ بقدر ما هو نتاج بيئة ثقافية حاولت أن تبني نموذجاً يوازي صورة المسيح في الأناجيل2.
أبولونيوس في الجدل ضد المسيحية
١- هييروكليس واستعمال أبولونيوس ضد الإنجيل
في مطلع القرن الرابع الميلادي، ظهر أول استخدام مباشر لشخصية أبولونيوس في الجدل ضد المسيحية على يد هييروكليس، حاكم بيثينيا. ففي كتابه، حاول أن يُثبت أنّ المعجزات المنسوبة لأبولونيوس تجعله على قدم المساواة مع المسيح، بل وربما أعظم منه. اعتمد هييروكليس على حياة أبولونيوس لفيلوستراتوس، واستند خصوصاً إلى روايات طرد الأرواح، وشفاء الأمراض، وإقامة الموتى4. هذا الطرح كان يستهدف تقويض فرادة السرديات الإنجيليّة، عبر الإيحاء بأن المعجزات ليست دليلاً على الألوهية، إذ إنّها تُنسب أيضاً إلى فلاسفة وثنيين.
٢- رد يوسابيوس القيصري
واجه يوسابيوس القيصري هذا التحدي في مؤلفه ضد هييروكليس. وقد فنّد فيه هذه المقارنات عبر:
- الطعن في مصداقية المصادر (إذ لم يكن لدى فيلوستراتوس شهود معاصرين، بل استند إلى شخصية مشكوك فيها مثل داميس).
- بيان الطابع الأسطوري لسيرة أبولونيوس مقارنة بالموثوقية التاريخية للأناجيل.
- التأكيد أنّ المسيح لم يقم بمجرد معجزات، بل قام بالقيامة من الموت وصعد إلى السماء، وهو ما لا يقابله أي حدث حقيقي في سيرة أبولونيوس5.
٣- إعادة تدوير المقارنة في عصر التنوير
لم يتوقف استدعاء شخصية أبولونيوس عند القرن الرابع. ففي عصر التنوير، أعاد بعض المفكرين العقلانيين مثل فولتير استغلالها للطعن في المسيحية. إلا أنّه، بخلاف هييروكليس الذي اعترف بمعجزات المسيح، شكك هؤلاء في معجزات المسيح وأبولونيوس معاً، معتبرين أن جميع هذه السرديات ليست إلا أساطير. ومع ذلك، ظلّ الغرض هو نفسه: تقويض التفرد المسيحي والشك في مصداقية الإنجيل6.
٤- الموقف النقدي الحديث
تؤكد الدراسات الحديثة أنّ المقارنة بين أبولونيوس والمسيح لا تصمد أمام الفحص التاريخي:
- معجزات أبولونيوس وردت في مصدر متأخر واحد، مكتوب بأسلوب روائي.
- بينما معجزات المسيح وردت في شهادات متعددة، كُتبت في القرن الأول الميلادي على يد شهود عيان أو معاصرين للأحداث.
- لا وجود لقيامة أبولونيوس أو ظهوراته المؤكدة، بل مجرد روايات متناقضة عن اختفائه أو صعوده الأسطوري.
وعليه، فإنّ أبولونيوس لم يكن قط منافساً حقيقياً للمسيح، بل مجرد شخصية فلسفية أُحيطت بهالة أسطورية استُخدمت لأغراض جدلية عابرة1،3.
البعد الفلسفي واللاهوتي
١- فكرة “الرجل الإلهي” (Theios Aner) في الفكر الهلنستي
من بين المحاور التي أُثيرت في النقاش حول أبولونيوس ما يُعرف في الدراسات الحديثة بفكرة “الرجل الإلهي” (Theios Aner). تشير هذه الفكرة إلى أن العالم الهلنستي كان يعرف نمطاً من الشخصيات الفلسفية أو الدينية التي تُنسب إليها قوى خارقة، باعتبارها وسطاء بين البشر والآلهة. يرى بعض الباحثين أن سيرة أبولونيوس التي صاغها فيلوستراتوس تعكس محاولة لتقديمه في هذا الإطار2. إلا أن الدراسات النقدية أظهرت أن هذا النموذج ليس ثابتاً تاريخياً، بل هو تصنيف متأخر استُخدم لتفسير بعض الشخصيات الهلنستية، دون أن يكون له حضور متماسك في القرن الأول الميلادي. ولهذا فإنّ إسقاطه على الأناجيل لتفسير صورة المسيح أمر تعسفي لا تدعمه الشواهد6.
٢- الفروق بين “الرجل الإلهي” والمسيح
حتى لو سلّمنا بوجود فكرة “الرجل الإلهي”، فإنّ الفارق الجوهري بين المسيح وأبولونيوس واضح:
- أبولونيوس لم يَدَّعِ الألوهية لنفسه، ولم ينسب إليه أحد أنه ابن الله بالمعنى اللاهوتي.
- المسيح، بحسب الأناجيل، أعلن بوضوح عن هويته كابن الله، وأكّد لاهوته بأقواله وأعماله ومعجزاته، ومن ثمَّ توَّجها في قيامته من الموت1،3.
وبذلك فإن المقارنة بين الاثنين على أساس “الرجل الإلهي” سطحية، ولا تلامس جوهر الاختلاف في الهوية والرسالة.
٣- الفرق الجوهري: الأبوثيوزيس مقابل التجسد
يُبرز البعد اللاهوتي فرقاً أساسياً آخر:
- في الفكر الوثني، وضمنه روايات أبولونيوس، نجد مفهوم الأبوثيوزيس (Apotheosis)، أي تأليه إنسان بعد موته. هذا يعني أن الألوهية تُمنح لشخص بشري نتيجة لأعماله أو أسطورته.
- أما في المسيحية، فالمسيح ليس إنساناً صار إلهاً، بل هو الله المتجسد، أي أن الله الأزلي صار إنساناً في شخص يسوع المسيح، من أجل فداء البشر وخلاصهم3.
هذا التمييز الجوهري يوضح أن المقارنة بين أبولونيوس والمسيح لا تصمد أمام الفحص اللاهوتي: فالمسيح هو مصدر الخلاص الفريد، بينما أبولونيوس يبقى فيلسوفاً نُسِجَت حوله أساطير، بلا رسالة خلاصية أو دعوى لاهوتية حقيقية.
النقد التاريخي لمصادر أبولونيوس
١- هشاشة المصادر
المصدر الرئيس لحياة أبولونيوس هو كتاب حياة أبولونيوس لفلافيوس فيلوستراتوس (القرن الثالث الميلادي). ولا توجد شهادات من معاصري أبولونيوس تؤكد صحة هذه الروايات. هذا الاعتماد على مصدر واحد متأخر يجعل السيرة فاقدة للمصداقية التاريخية مقارنةً بالأناجيل التي كُتبت في القرن الأول اعتماداً على شهود عيان أو تلاميذ مباشرين1،5.
٢- مشكلة شخصية داميس
اعتمد فيلوستراتوس على شخصية تدعى داميس من نينوى، باعتبارها المصدر الرئيس لمعلوماته عن أبولونيوس. لكن نينوى لم تكن قائمة في القرن الأول، مما يثير الشك في وجود داميس أصلاً. يرى كثير من الباحثين أن هذه الشخصية أداة أدبية وُظفت لتغطية غياب الشهادات المباشرة4.
٣- مشكلات الرسائل المنسوبة له
توجد مجموعة من الرسائل المنسوبة إلى أبولونيوس، لكنها تختلف في الأسلوب والمضمون عمّا يورده فيلوستراتوس، وتخلو تقريباً من أي عنصر عجائبي. بعض الباحثين يرى أن هذه الرسائل أقدم من عمل فيلوستراتوس وربما تعكس صورة أكثر تاريخية للفيلسوف، بينما يشك آخرون في أصالتها تماماً. في كل الأحوال، لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر موثوق لحياة أبولونيوس4.
٤- التناقضات الداخلية في السيرة
حياة أبولونيوس نفسها مليئة بالتناقضات:
- روايات مختلفة عن مكان موته (أفسس، رودس، كريت).
- تضارب في أخبار رحلاته إلى الهند وبابل.
- اختلافات في طريقة وصف معجزاته وأهدافها.
هذه التناقضات تشير إلى أن السيرة أقرب إلى الأدب الروائي منها إلى التوثيق التاريخي3.
٥- غياب الشهود المعاصرين
بخلاف الأناجيل التي تُسند روايتها بشخصيات وأحداث قابلة للتحقّق تاريخياً، تقوم صورة أبولونيوس على مصدرٍ متأخّرٍ واحد هو حياة أبولونيوس لفلافيوس فيلوستراتوس (نحو 220م)، وهو مؤلَّف لاحق بزمنٍ طويل وغير صادر عن شاهد عيان. كما يعتمد السرد على شخصية «داميس» التي يعدّها النقّاد مختلَقة، وعلى رسائل منسوبة مشكوكٍ في أصالتها. لذا لا تتوافر شهاداتٌ مستقلّةٌ معاصرة لأحداثه، ويتخلّل السيرة مفارقات زمنية وأخطاء جغرافية وتاريخية تُضعِف قيمتها التوثيقية3،4،5.
المقارنة الشاملة بين أبولونيوس والمسيح
١- على مستوى السيرة
- أبولونيوس: تعتمد حياته على مصدر متأخر واحد (فيلوستراتوس في القرن الثالث)، يعتمد بدوره على شخصية مشكوك فيها (داميس).
- المسيح: وردت سيرته في الأناجيل الأربعة التي كُتبت في القرن الأول، مع شواهد مستقلة أخرى (مثل رسائل بولس)، مما يعطيها مصداقية تاريخية عالية1،5.
٢- على مستوى المعجزات
- أبولونيوس: نُسبت إليه أعمال مثل طرد الأرواح الشريرة وشفاء الأمراض وإقامة فتاة من الموت، لكنّها تُروى بأسلوب قصصي غير مدعوم بشهود أو سياق تاريخي متماسك.
- المسيح: معجزاته موثقة بشهادات متعددة، جرت في سياق جغرافي وزمني يمكن التحقق منه، وشهد بها أعداؤه كما شهد بها أتباعه (مثل متى ٩: ٣٤؛ يوحنا ١١: ٤٧)3.
٣- على مستوى القيامة والصعود
- أبولونيوس: لا توجد رواية مؤكدة عن قيامته من الموت. بعض القصص تزعم اختفاءه أو صعوده، لكنّها متناقضة ومروية بعد زمن طويل من وفاته.
- المسيح: قيامته وصعوده إلى السماء يشكلان مركز الكرازة المسيحية منذ البداية، وقد قُدِّما كأحداث تاريخية شهدها التلاميذ وأُعلن عنها في أورشليم نفسها بعد أيام من الصلب (أعمال ٢: ٣٢)1.
٤- على مستوى الهوية
- أبولونيوس: لم يَدَّعِ الألوهية لنفسه، بل صُوِّر لاحقاً كرجل حكيم أو فيلسوف مؤلَّه وفق تقاليد الأبوثيوزيس (تأليه الإنسان بعد موته).
- المسيح: أعلن هويته كابن الله، وأكّد لاهوته بالقول والفعل، وتقدم بسلطان إلهي على مغفرة الخطايا (مرقس ٢: ١٠) والسلطة على الطبيعة والموت (يوحنا ١١: ٢٥–٢٦)2،3.
٥- على مستوى الرسالة
- أبولونيوس: بقي في إطار الفلسفة الأخلاقية والطقوس الدينية ذات الطابع الإصلاحي، دون أي رسالة خلاصية.
- المسيح: جاء برسالة الخلاص الفريدة: الخلاص بالنعمة وحدها، بالإيمان وحده، بالمسيح وحده، لمجد الله وحده. وهذا هو جوهر الإنجيل الذي لم يوجد له مثيل في العالم الوثني أو اليهودي المعاصر له6.
الخاتمة
تُظهر دراسة شخصية أبولونيوس التياني أن ما نُسب إليه من عجائب وتعاليم ليس سوى نتاج أدب روائي متأخر، صاغه فلافيوس فيلوستراتوس في القرن الثالث الميلادي ضمن سياق ثقافي هلنستي متأثر بانتشار المسيحية على مستوى واسع. لم يكن أبولونيوس منافساً حقيقياً للمسيح، بل فيلسوفاً نُسجت حوله الأساطير، واستُعملت سيرته في الجدل ضد الإنجيل منذ هييروكليس وحتى بعض فلاسفة عصر التنوير.
لكن بالمقابل، المسيح يسوع الناصري هو شخصية تاريخية ثابتة في القرن الأول، ارتبطت حياته وشهادته بمصادر متعددة ومعاصرة، وشهد له أعداؤه قبل أتباعه، وتمحورت حول حدث فريد هو قيامته من الأموات وصعوده إلى السماء.
إنّ المقارنة بين أبولونيوس والمسيح تكشف عن فجوة جوهرية: الأول يمثل مثالاً لفيلسوف مؤسطَر، بينما الثاني هو ابن الله المتجسد، الذي دخل التاريخ ليتمم الخلاص.
إن رسالة الإنجيل ليست دعوة إلى تقليد فيلسوف أو حكيم، بل هي إعلان خلاص الله للبشرية من خلال شخص المسيح:
- الخلاص بالنعمة وحدها: ليس من أعمال أو تقوى بشرية (أفسس ٢: ٨–٩).
- بالإيمان وحده: لا بالطقوس أو الفلسفة أو استحقاق الإنسان، بل بالثقة في عمل المسيح الكامل على الصليب (رومية ٣: ٢٨).
- بالمسيح وحده: ليس هناك اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص (أعمال ٤: ١٢).
- لمجد الله وحده: الغاية النهائية ليست تمجيد إنسان أو فيلسوف، بل تمجيد الله الذي أرسل ابنه للعالم ليخلّص الخطاة (رومية ١١: ٣٦).
إنّ تفرد المسيح لا يقوم فقط على معجزاته أو حكمته، بل على شخصه وعمله: الله صار إنساناً، مات لأجل خطايانا، وقام ليهب الحياة الأبدية لكل من يؤمن به (يوحنا ٣: ١٦).
المراجع
- Andrew J. Kelley, “Apollonius of Tyana,” Lexham Bible Dictionary (2016).
- Rudolf Bultmann, The History of the Synoptic Tradition, trans. John Marsh (New York: Harper & Row, 1963); Hans-Dieter Betz, “Jesus as Divine Man,” in Jesus and the Historian, ed. F. Thomas Trotter (Philadelphia: Westminster, 1968), 114–133.
- Norman L. Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids: Baker, 1999).
- William Smith & Henry Wace, eds., A Dictionary of Christian Biography, Literature, Sects and Doctrines, Vol. I–IV (London: John Murray, 1877–1887).
- F. L. Cross & E. A. Livingstone, eds., The Oxford Dictionary of the Christian Church, 3rd rev. ed. (Oxford: Oxford University Press, 2005).
- Maria Dzielska, Apollonius of Tyana in Legend and History, trans. P. Pieńkowski (Rome: Bretschneider, 1986); G. Petzke, Die Traditionen über Apollonius von Tyana und das Neue Testament (Leiden: Brill, 1969).