أقدم من سينودس دورت

الجدل بين بيلاجيوس وأوغسطين

لم يكن جون كالڤن وجيكوب أرمينيوس هما من استحدثا المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها كُلُّ نظامٍ من النظامين اللذين يحملان اسميهما. من الممكن أن يتم تتبع المبادئ الأساسية لكل من النظامين إلى عدة قرون سبقت الحقبة التي عاش فيها هذان الرجلان. على سبيل المثال، لقد تمَّ الدفاع بقوة عن التعاليم الكالڤنية الأساسية من قِبَل أوغسطين ضدَّ بيلاجيوس خلال القرن الخامس. كتب باننغهام: ”كما أنه لم يكن هنالك أي شيء جديد جوهرياً في كالڤن والمذهب الكالڤنيّ، كذلك لم يكن هنالك أي شيء جديد في أرمينيوس والمذهب الأرمينيّ؛… يُمكن تتبع تعاليم المذهب الأرميني إلى زمن اكليمندس الإسكندريّ، ويبدو أنها كانت قد اعتُمِدَت من قِبَل العديد من الآباء في القرنين الثالث والرابع، وكانت قد تفشَّت في الكنيسة من خلال التأثير الفاسد للفلسفة الوثنية. في القرن الميلادي الخامس، كان بيلاجيوس وأتباعه مُعارضين للكالڤنية بشكل كامل بشكل مشابه لأرمينيوس، مع العلم أنهم كانوا قد انحرفوا بشكل كبير عن العقيدة السليمة بشكل يفوق انحرافه هو.“ [1]

رسم تصوري للقديس أوغسطينوس الذي عاش في القرن الميلادي الرابع 354-430
رسم تصوري للقديس أوغسطينوس الذي عاش في القرن الميلادي الرابع 354-430

كان بيلاجيوس قد أنكر أن الطبيعة البشرية قد فسدت بالخطيئة. وقد أكَّدَ على أن الآثار السلبية الوحيدة التي عانى منها الجنس البشري نتيجةً لخطيئة آدم كانت المِثال السيء الذي قَدَّمه للبشرية. بحسب تعليم بيلاجيوس، يأتي كُلّ طفل إلى العالم في نفس الحالة التي كان عليها آدم قبل السقوط. كان المبدأ الرئيسي الذي اعتمده هو أن إرادة الإنسان حُرّة بشكل كامل، وبالتالي فإنَّ كل شخص يمتلك القدرة الذاتية على الإيمان بالإنجيل وكذلك على حفظ الناموس الإلهي بشكل كامل.

في المقابل، كان أوغسطين قد أكَّد على أنَّ الطبيعة البشرية قد فسدت بشكل كامل نتيجةً لسقوط آدم لدرجة أنَّه لا يوجد أي شخص يمتلك، من ذاته، المقدرة على إطاعة الناموس أو الإنجيل. إن النعمة الإلهية جوهرية إن كان الخطاة سيؤمنون ويخلصوا، وهذه النعمة تصل فقط لأولئك الذين كان الله قد عيَّنهم بشكل مسبق للحياة الأبدية قبل تأسيس العالم. وبالتالي فإن فِعل الإيمان لا ينتج عن الإرادة الحُرَّة للخاطئ (بشكل موافق لتعليم بيلاجيوس) بل عن نعمة الله المجانية التي تُعطى فقط للمُختارين.

المذهب شبه البيلاجي الذي كان سلف المذهب الأرميني

في أثناء تقديمه لكيفية نشأة [النظام العقائدي] شبه البيلاجيّ (الذي كان سلفاً للمذهب الأرمينيّ) صرَّح جورج سميتون قائلا: ”إن الجدل القاطع الذي قدَّمه أوغسطين كان قد دحض المذهب البيلاجي بشكل كامل من حيث الحُجَّة بحيث أنَّه لم يعد من الممكن أن يكون مقبولاً بالنسبة للذهن المسيحي. لقد انهار. لكن سرعان ما ظهر نظام جديد يُعلِّم أن الإنسان بقدرته الطبيعية الخاصّة قادر على اتخاذ الخطوة الأولى نحو اهتدائه، وأنَّ هذا يمنح أو يجعل من مساعدة الروح القدس أمراً مُستحقّاً. كان كاسيان … مؤسس هذا المذهب الوسطيّ، وهو المذهب الذي أصبح يُعرف في وقت لاحق تحت مُسمى المذهب شبه البيلاجيّ، لأنَّه احتلَّ أرضاً وسطيةً بين المذهبين البيلاجي والأوغسطيني، وكان قد تبنى عناصر من كِلا المذهبين. لقد أقرَّ بأن خطيئة آدم قد امتدت إلى نسله، وأنَّ الطبيعة البشرية قد فسدت بشكل كامل بالخطيئة الأصلية. ولكن من ناحية أُخرى كان قد امتلك نظاماً يقول بالنعمة العالمية الممتدة لجميع الناس على حدّ سواء، مما يجعل القرار النهائي في حالة كل فرد مُعتمداً على استخدام الإرادة الحُرّة.“ يُتابع سميتون حديثه عن أولئك الذين اتَّبعوا كاسيان فيقول: ”لقد تمسكوا بأن الخطوة الأولى للإرادة في قبول الإيمان يجب أن تُنسب إلى المقدرة الطبيعية للذهن البشري. كان هذا خطأهم الأساسي. كان مبدأهم يقول: ”إنَّه في قدرتي أن أشاء أن أؤمن، وإنَّ دور نعمة الله أن تُساعد“ لقد أقرّوا بكفاية نعمة المسيح للجميع، وأنَّ كُلَّ شخص، حسب إرادته الخاصة، سواء قَبِلَ أو رفض الدعوة، في الوقت الذي كان الله قد رَغِبَ وساعدَ جميع البشر سواسية على الخلاص … إن هذا النظام بكليّته يشبه منزلاً تمَّ تأسيسه في منتصف الطريق محتوياً على عناصر من الخطأ وعناصر من الحقيقة، وهو لا يختلف على الإطلاق عن المذهب الأرميني الذي انتشر وفق ذات الطريقة في مختلف الكنائس، وذلك بعد إعادة إحياء تعاليم النعمة من قِبَل الإصلاحيّين“. [2]

المذهب الكالڤني ولاهوت الإصلاح

كان قادة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر قد رفضوا المذهبين البيلاجي وشبه البيلاجي على قاعدة كونهما غير كتابيَّين. بشكل مشابه لأوغسطين، كان الإصلاحيّون قد تمسكوا بتعاليم سيادة الله، الفساد الكامل للإنسان، والاختيار غير المشروط. وكما أظهر بويتنر، لقد وقفوا موقفاً واحداً في رؤيتهم للتعيين المُسبق.”لم يكن قد تمَّ تعليمها فقط من قِبَل كالڤن، بل كذلك من لوثر، زوينغلي، ميلانكثون (هذا الأخير قد تراجع إلى الموقف شبه البيلاجي (Semi-Pelagian))، وكذلك بولينغر وبوسير وجميع القادة الإصلاحيين البارزين. وفي الوقت الذي اختلفوا فيه على عدد من النقاط الأُخرى نجد أنهم قد توافقوا على عقيدة التعيين المُسبق وعلّموها بإصرار. يُظهر عمل لوثر الرئيسي والذي يحمل عنوان ”عبودية الإرادة“ أنَّه قد دافع واعتنق هذه العقيدة بحماسة شديدة كما فعل جون كالڤن نفسه.“ [3]

رسم تخيلي لبيلاجيوس
رسم تخيلي لبيلاجيوس

يُصَرِّح باكِر (Packer) بأنَّ: ”جميع اللاهوتيين البروتستانت البارزين في المرحلة الأولى من الإصلاح، وقفوا تماما هنا على ذات الأرض. في نقاط أُخرى، كان بينهم اختلافات؛ ولكن في تأكيدهم على عجز الإنسان الخاطئ، وسيادة الله في النعمة، كانوا جميعهم مُتحدين. بالنسبة لهم جميعاً، كانت هذه التعاليم هي شريان حياة الإيمان المسيحي.… بالنسبة للإصلاحيّين، لم يكن السؤال الحاسم [مرتبطاً] فقط بما إذا كان الله يُبرِّر المؤمنين بدون أعمال الناموس. لقد كان السؤال الأهم هو ما إذا كان الخطاة عاجزين بشكل كامل في خطاياهم، وما إذا كان يجب التفكير بالله على أنَّه خلاصهم من خلال النعمة الحُرَّة، غير المشروطة، والتي لا يُمكن إحباطها، وليس مجرَّد تبريرهم من أجل المسيح حين يصلون إلى الإيمان، ولكن من خلال إحيائهم من موت الخطيئة من خلال روحه المُحيِي لكي يصل بهم إلى الإيمان. هنا كانت القضية الحاسمة: هل كان الله هو مُؤلّف (صانع) – ليس فقط الخلاص – ولكن الإيمان أيضًا؛ ووِفقاً للتحليل الأخير، ما إذا كانت المسيحية هي ديانة الاعتماد المطلق على الله للخلاص وكُل ما هو ضروري للخلاص، أو أنها ديانة الاعتماد على الذات وعلى الجهد الذاتيّ.“ [4]

يتضح من خلال ما سبق تقديمه أنَّ النقاط الخمسة للمذهب الكالڤنيّ، والتي وضعها سينودس دورت في العام ١٦١٩، لم تكن بأيّ حال من الأحوال نظاماً عقائدياً جديداً. بل على النقيض من ذلك، كما يُؤكد الدكتور وايلي عن السينودس قائلاً ”لقد اجتمع في [خِضم] أزمة كبيرة ودُعِيَ إلى المراجعة وإعادة الفحص والمصادقة مرّة جديدة – في الجيل الثاني منذ ظهور الإصلاح – على تلك البنية من الحقيقة والنظام العقائدي الذي كانت تلك الحركة العظيمة قد نشرته في العالم.“ [5]


الهوامش

  1. William Cunningham, Historical Theology, Vol. II, p. 374. عودة
  2. George Smeaton, The Doctrine of the Holy Spirit, pp. 300, 301.
    إن التشديد الموجود في الاقتباس يعود إلى جورج سميتون. لقد تمَّ رفض المذهب شبه البيلاجي في سينودس أورانج في العام ٥٢٩ للميلاد، بشكل مشابه لرفض المذهب الأرميني من قِبَل سينودس دورت بعد ما يقرب من أحد عشر قرناً. عودة
  3. Loraine Boettner, The Reformed Doctrine of Predestination, p. 1. عودة
  4. James I. Packer and O. R. Johnston, “Historical and Theological Introduction,” Martin Luther, Bondage of the Will, pp. 58, 59.
    في الحديث عن الإصلاح الإنجليزي، يُوضح بويس أن ”دُعاة هذا الإصلاح كانوا كالڤنيّين بكل تأكيد.“ لإثبات ذلك، اقتبس من فيشر ما يلي: ”اتفقت الكنيسة الأنغليكانية مع الكنائس البروتستانتية في القارة حول قضية التعيين المُسبق. لفترة طويلة، كان البروتستانت مُتحدين في الرأي حول هذا الموضوع. كان قادة الإصلاح الإنجليزي، منذ الوقت الذي وضعهم فيه موت هنري الثامن، بقوة على أرضية بروتستانتية، يعترفون بمبدأ مُطلق باعتباره مُتميّزاً عن التعيين المُسبق المشروط“
    Harry Buis, Historic Protestantism and Predestination, p. 87. عودة
  5. Quoted by Warburton, Calvinism, p. 58.
    يقول سميتون عن أعمال سينودس دورت أنَّه: ”يُمكن أن يتم التساؤل عما إذا كان قد تمَّ إعداد أي شيء أكثر قيمة كشهادة كنيسة لعقائد النعمة السيادية والخاصّة والفعّالة منذ أيام الرسل.“
    George Smeaton, The Doctrine of the Holy Spirit, p. 320. عودة

التعليقات

اترك رد