في كثير من الأوساط المسيحية، يتمُّ الترويج لمفهوم الإيمان الطفولي على اعتبار أنّه يُمثِّل قمة النقاء الروحي والبساطة التي يجب على المؤمنين أن يتحلوا بها. وعلى الرغم من وجود جذورٍ كتابيةٍ لهذا المفهوم، إلا أننا سنجد أن الطريقة التي يتم من خلالها الترويج لاستخدامه إنما تُمثّل ذريعةً يستعملها بعض المؤمنين للتهرُّب من مسؤوليَّتهم في السعي الجاد للتعمق وفهم كلمة الله، عوضًا عن فهمه على أنّه دعوة للوثوق بالرب الإله ووعوده الصادقة.
إن إساءة فهم «قبول ملكوت الله مثل طفل صغير» تقود نحو استخدامه غطاءً لرفض البحث اللاهوتي الجاد، كما لو أنَّ النضوج الروحي إنما هو خطر يُهدِّد «نقاء» الإيمان. حقيقة الأمر هي أن الإيمان الذي لا ينمو ولا تتعمَّق جذوره إنما هو إيمان مُهَدَّد بالركود والجمود. إن دعوة يسوع للثقة بالله لا تُشجّع على الجهل، والاعتماد الكامل على الله لا يُلغي الحاجة إلى فهم مشيئته وكلمته.
إن التهرب من الدراسة الجادة لكلمة الله تحت ستار «بساطة الإيمان» قد يؤدي إلى قِصَر النظر الروحي وضعف القدرة على التمييز بين الحق والباطل. وهنا تكمن الخطورة: فالإيمان بلا فهم عميق يترك المؤمن عُرضةً للتقلبات الفكرية والانجراف خلف أي تعليم خاطئ.
لذلك، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في هذا المفهوم، ليس بُغية النقض والإنكار، بل بهدف الوصول إلى الفهم الكتابي السليم. فالإيمان «كالأطفال» الذي يدعونا إليه المسيح هو إيمان يَتَّسم بالثقة الكاملة بالله، ويسعى بطريقةٍ جِدِّيَّةٍ للنمو والتقدم في معرفة الحق. فالله الذي يدعونا لنكون كالأطفال في بساطة قلوبنا، يدعونا أيضًا لأن نكون ناضجين في فهمنا، ثابتين في الحق، ومتجذرين في كلمته.
ماذا يعني الإيمان كالأطفال؟
يقول الرب يسوع:
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لَا يَقْبَلْ مَلَكُوتَ اللهِ كَأَنَّهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ، فَلَنْ يَدْخُلَهُ أَبَدًا!» (مرقس ١٠: ١٥).
هذا التصريح يحمل معاني عميقة تتجاوز البساطة الظاهرية. فالمسيح لا يدعونا إلى تبني سلوك طفولي ساذج، بل إلى استقبال ملكوت الله بثقة غير مشروطة واعتمادٍ كاملٍ عليه، وذلك كما يفعل الأطفال الذين يعتمدون بشكلٍ كُلِّي على والديهم دون قلق أو خوف. فهم يعيشون بإيمان بسيط يعتمد على الحب والثقة، وليس على الفهم الكامل لحيثيّات كلّ الأمور.
إن قبول ملكوت الله كطفلٍ يعني أن ندخل في علاقة مع الله بقلوب مفتوحة، بعيدًا عن التعقيد والشكوك التي قد تعترض طريقنا كبالغين. الأطفال يمتلكون قدرة فطرية على الثقة، وعلى الرغم من محدودية فهمهم للعالم الذي يُحيط بهم، إلا أنهم يُسلِّمون قلوبهم بسهولة إلى الأشخاص الذين يثقون بهم. وهكذا نحن أيضًا، يجب أن نُسلِّم قلوبنا لله بثقة تامة، عالمين أنه أب محب وعادل.
الثقة بالله لا تعني الطفولة الروحية
غير أن هذا لا يعني أننا مدعوون للبقاء في مرحلة الطفولة الروحية. بل، كما يوضح كاتب الرسالة إلى العبرانيين:
كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا الآنَ قَادِرِينَ عَلَى تَعْلِيمِ الآخَرِينَ، بَعْدَمَا مَضَى زَمَانٌ طَوِيلٌ عَلَى اهْتِدَائِكُمْ. وَلَكِنَّكُمْ مَازِلْتُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْمَبَادِئَ الأَسَاسَ لأَقْوَالِ اللهِ. هَا قَدْ عُدْتُمْ مِنْ جَدِيدٍ تَحْتَاجُونَ إِلَى اللَّبَنِ! فَأَنْتُمْ غَيْرُ قَادِرِينَ عَلَى هَضْمِ الطَّعَامِ الْقَوِيِّ. (عبرانيين ٥: ١٢)
يُوضّح هذا التحذير أهمية الانتقال من مرحلة «اللبن الروحي» إلى «الطعام الصلب»، أي من السطحية إلى العمق. فالثقة بالله لا تتعارض مع طلب الفهم العميق، بل تَحُثّنا على النمو الروحي والنضوج في الحكمة والتمييز.
دعوة الكتاب المقدس إلى النضوج
وفي رسالة بولس إلى أهل كورنثوس نجد دعوة إلى النضوج الروحي:
فَلَمَّا كُنْتُ طِفْلًا، كُنْتُ أَتَكَلَّمُ كَالطِّفْلِ، وَأَشْعُرُ كَالطِّفْلِ، وَأُفَكِّرُ كَالطِّفْلِ. وَلَكِنْ، لَمَّا صِرْتُ رَجُلًا، أَبْطَلْتُ مَا يَخُصُّ الطِّفْلَ. (كورنثوس الأولى ١٣: ١١)
هذا التمييز بين الإيمان الطفولي والنضج الروحي يعلمنا أن الإيمان الحقيقي لا يكتفي بالثقة البسيطة، بل يقودنا نحو معرفة أعمق بالله وكلمته. فالنضج الروحي يتطلب منا دراسة الكتاب المقدس بجدية، وطلب الحكمة من الروح القدس، والانفتاح لتعلُّم الحقائق الجديدة.
يؤكد وارين ويرزبي في شرحه لإنجيل مرقس أن الإيمان الطفولي لا يعني القبول الساذج، بل الاعتماد الكامل على الله بثقة الطفل في والديه، مع السعي إلى النضوج في الفهم الروحي. كما يشير بروس بارتون إلى أن التغيير المطلوب ليس في المشاعر فقط، بل في العقلية، حيث يجب على المؤمنين تجاوز الاكتفاء الذاتي البشري والتواضع أمام الله القدير.
نجد في هذا السياق مثالًا آخر في حياة التلاميذ، الذين رغم قربهم الجسدي من يسوع، احتاجوا إلى النمو في فهمهم الروحي. فهم كثيرًا ما أساءوا فهم تعاليمه، وتجادلوا حول مَن هو الأعظم بينهم (مرقس ٩: ٣٤). إن دلَّ هذا على شيء، فإنّه يدل على أن النمو الروحي ليس مرتبطًا فقط بالمعرفة الظاهرية، بل يتطلب تغيُّرًا في القلب والعقل.
الإيمان الحقيقي بين الثقة والفهم
نحن مدعوون إلى العيش بإيمان بسيط كالأطفال فيما يتعلق بثقتنا بالله، ولكن هذا يترافق مع عقول ناضجة تسعى إلى فهم عميق لمشيئته. الإيمان الحقيقي يجمع بين بساطة الثقة وعمق الفهم. لذا دعونا نستجيب لدعوة الله إلى النضج الروحي، ولنسعَ لنكون ثابتين في الحق، ومتجذرين في كلمته، عالمين أن رحلتنا معه هي رحلة مستمرة نحو الكمال في المسيح.
«لِكَيْ تَسْلُكُوا سُلُوكًا لَائِقًا بِالرَّبِّ وَمُرْضِيًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، مُنْتِجِينَ الثَّمَرَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ إِلَى التَّمَامِ» (كولوسي ١: ١٠).
لنواصل رحلتنا معًا نحو النضوج الروحي، متشجعين ومعتمدين على نعمة الله التي تقودنا في كل حين، ولنتذكر أن النضوج الروحي ليس نهاية الطريق، بل هو بدايةٌ لرحلة مستمرة نحو معرفةٍ أعمق بالله.
المراجع
- Royce Gordon Gruenler, Evangelical Commentary on the Bible, 1995, 3, 786.
- Matthew Henry, Matthew Henry’s Commentary on the Whole Bible: Complete and Unabridged in One Volume. (Peabody: Hendrickson, 1994), 1799–1800.
- Warren W. Wiersbe, The Bible Exposition Commentary. (Wheaton, IL: Victor Books, 1996), 1:145.
- James A. Brooks, Mark, The New American Commentary. (Nashville: Broadman & Holman Publishers, 1991), 23:160.
- Bruce B. Barton, Mark, Life Application Bible Commentary. (Wheaton, IL: Tyndale House Publishers, 1994), 286–287.
- Craig A. Evans, The Bible Knowledge Background Commentary: Matthew–Luke, eds. Craig A. Evans and Craig A. Bubeck, First Edition. (Colorado Springs, CO: David C Cook, 2003), 351–353.
- Morna D. Hooker, The Gospel according to Saint Mark, Black’s New Testament Commentary. (London: Continuum, 1991), 239.
- Walter W. Wessel, The Expositor’s Bible Commentary: Matthew, Mark, Luke, 1984, 8, 713–714.
- Ronald J. Kernaghan, Mark, The IVP New Testament Commentary Series. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2007), 193–195.
- William Barclay, The New Daily Study Bible: The Gospel of Mark, The New Daily Study Bible. (Edinburgh: Saint Andrew Press, 2001), 280–282.
- Kim Huat Tan, Mark: A New Covenant Commentary, eds. Michael F. Bird and Craig Keener, New Covenant Commentary Series. (Eugene, OR: Cascade Books, 2015), 135–136.
- Sharyn Echols Dowd, Reading Mark: A Literary and Theological Commentary on the Second Gospel, Reading the New Testament Series. (Macon, GA: Smyth & Helwys Publishing, 2000), 96–98.
- Ben Witherington III, The Gospel of Mark: A Socio-Rhetorical Commentary. (Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing Co., 2001), 278–282.
- Eckhard J. Schnabel, Mark: An Introduction and Commentary, ed. Eckhard J. Schnabel, Tyndale New Testament Commentaries. (London: Inter-Varsity Press, 2017), 2:237–238.
اترك رد