ما الذي قد يكون نوح عاينه عند الخروج من الفُلك؟

,

يمكنكم قراءة المقال من الموقع الرسمي لـإرساليات الخلق الدولية (CMI): ما الذي قد يكون نوح عاينه عند الخروج من الفُلك؟

سدّ سبيلغا وعالم ما بعد الطوفان

الطريق القديم المكشوف بعد انخفاض مياه سد سبيلغا
الطريق المُعرَّض للغمر المائي، حيث كان الناس قادرين على السير عليه.

هل فكّرت في يومٍ من الأيام في ماهية الأشياء التي قد يكون نوح عاينها عندما غادر الفُلك؟ هل هبط من جبل أرارات وحدد مكان موطنه القديم؟ هل كان بإمكانه السير نزولاً عبر الجبل في مسالك مألوفة، أو زيارة قطعة ساحلية مميزة، أو تفقّد إحدى المعالم المعمارية المميزة لديه؟ بالطبع إن هذه المقترحات هي على سبيل الدُّعابة، حيث إنه لا يوجد أدنى احتمال بأن يكون هذا هو الحال! فالكتاب المقدس واضح تماماً فيما يتعلق بالآثار الاستثنائية والغمر الشامل الذي اشتمل عليه الطوفان العالمي (على سبيل المثال تكوين ٧: ١٩-٢٠).

المشكلة تكمن في أن معظم الناس، بما في ذلك العديد من المسيحيين، لا يمتلكون وجهة النظر الكتابية عن الطوفان. وذلك نظراً للصورة النمطية الكرتونية عن الفُلك الشبيه بحوض الاستحمام، كما أن بعض الأشخاص يُعلّمون بشكل خاطئ أن الطوفان قد يكون حدَثاً محليّاً، ويتم غالباً تجاهل مدى شدّته، وبدلاً من ذلك يَحضر في أذهان الناس للأسف صورة الطوفان الهادئ، الذي يتشابه إلى حد كبير مع صورة الماء المتدفق من الصنبور الذي يملأ حوض الاستحمام، أو النهر الذي يملأ حوض سدٍّ ما.

سدّ سبيلغا

كنتيجة لموجة الحر الأخيرة التي أصابت المملكة المتحدة، من يونيو إلى يوليو ٢٠١٨، تمكنت من مناقشة هذه المسألة بالذات في بلدي أيرلندا الشمالية. حيث كان من الممكن أن يتم من جديد معاينة جزء من التاريخ الذي غمر بمياه سد سبيلغا في جبال مورون الجميلة، وسرعان ما أصبح المكان نقطة لجذب السياح المحليين.1 غطّى الحوض الذي تم بناؤه خلف السد، بعد إتمام بنائه في الخمسينات، طريقاً وجسراً مألوفين في منطقة اسمها ”مرج الغزلان [Deer’s Meadow]“. يمتلئ حوض السد بنهر بان، الذي هو أطول أنهار أيرلندا الشمالية، الذي ينبع من جبل موغ القريب، ويتدفق بشكل مباشر إلى حوض السد، ثم على بعد ٩٩ ميلاً (١٥٩ كم) أُخرى إلى البحر. إن المناخ الجافّ الاستثنائي قد تسبب بانخفاض مستوى المياه في الحوض بشكل كبير، مما أظهر الطريق والجسر القديمين اللذين كانا مغمورين بالماء. هذا يعني أن الطريق المكشوف حالياً يمكن السير عليه لبضعة مئات من الأمتار، وينتهي بشكل مريب في وسط السّد.

ما الذي قد يكون نوح عاينه؟

طريق قديم يمتد داخل خزان مياه سد سبيلغا
يمتد الطريق بشكل مخيف في وسط خزان المياه الاحتياطي لسد سبيلغا.

مع أخذ الأمور السابقة بعين الاعتبار، هل عاين نوح وعائلته أيضاً جزءاً من التاريخ المغمور بعد خروجهم من الفُلك وانخفاض مستوى المياه؟ الإجابة هي بكل تأكيد ”لا“. إذ إن تدفق المياه من نهر بان، الذي تسبب بتشكل خزان مياه سدّ سبيلغا، والطوفان الذي غمر الأرض في وقت نوح كانا حدثين مختلفين بشكل واضح.

يحدِّثُنا الكتاب المقدس أنه، في بداية الطوفان، تفجَّرت ينابيع الغمر العظيم (تكوين ٧: ١١). حيث حدث نشاط تكتوني هائل في كتلة اليابسة الأصلية (التي ربما كانت قارَّة واحدة فقط، تكوين ١: ٩) ثم شكّلت العديد من الجزر القاريَّة (الأصغر) التي نعاينها. حيث أنتج هذا النشاط التكتوني البراكين الهائلة، والأعاصير العملاقة، بالإضافة إلى موجات ضخمة من المياه التي اجتاحت اليابسة.

  • إن مياه الطوفان لم ”تغمر الأرض“ بالطريقة ذاتها التي يمتلئ بها حوض الاستحمام الخاص بك أو سدّ سبيلغا. فلا شكّ أن موجات المياه الضخمة (بما في ذلك موجات المدّ والجزر الهائلة وأمواج تسونامي) قد تسببت بإعادة تشكيل تضاريس الأرض بشكل كامل، وذلك من خلال تقطيع الصخور وتفكيكها في أحيان أُخرى، بالإضافة إلى إعادة وضع الرواسب القارية الحجم التي تحتوي على العدد الهائل من الأحافير الذي نعاينه في وقتنا الحاضر. إن أي طريق أو جسر من عالم ما قبل الطوفان مثل الموجود في سد سبيلغا، سيتم طمس معالمه بكل بساطة، ولن يمكن رؤيته أو السير عليه مرة أُخرى.
  • إن الكتاب المقدس كان واضحاً حين قال بأن المياه قد غطَّت وجه الأرض كلَّها (تكوين ٧: ١٩). وبعد ١٥٠ يوماً من الطوفان، سدّ الله نوافير الغمر العظيم وأُغلقت طاقات السماء وأجاز ريحاً على الأرض فهدأت المياه وبدأت تنحدر (تكوين ٧: ٢٤-٨: ٣). ويقدم لنا المزمور ١٠٤: ٨ المزيد من المعلومات حول هذه المرحلة من الطوفان، حيث يقول إن الجبال ارتفعت (مثل جبل إيفريست) والوديان انخفضت، ومياه الطوفان قد انتُهِرَت. ثم وضع الله حداً للمياه بحيث لا تتعداه ولا ترجع فتغطّي وجه الأرض من جديد ـ وهذا تقويض مهم لأي ادعاء بأن الطوفان كان محلّياً. خلال تلك الفترة من النشاط التكتوني الهائل تعرضت الكثير من الطبقات الرسوبية التي تشكلت حديثاً جرّاء الطوفان إلى عوامل الحتّ [التآكل]، حيث إن المياه قد هرعت خارجةً من القارّات. الأمر الذي ترك لنا العديد من المسطحات الزراعية التي نعاينها حالياً.
  • بعد أن دخل نوح وعائلته إلى الفلك، بقوا هناك طوال مدة الطوفان الذي استمر أكثر من عام كامل. وخلال هذا الوقت، كان بإمكان الفلك أن يقطع مسافات كبيرة مبحراً على سطح مياه الطوفان، قبل أن يستقر على جبال أرارات. فكم كانت المسافة إلى المكان الذي دخل نوح وعائلته الفلك؟ بما أن العالم أدناهم كان يتغير بشكل كبير، فهم عاجزون عن معرفة تلك المسافة، ونحن كذلك. فلا توجد في الكتاب المقدس أي إشارة إلى أن نوح أو أحد أفراد عائلته قد عاين بعد مغادرة الفلك أي معلم من المعالم السابقة للطوفان. إلا أن الأسماء التي كانت مستخدمة قبل الطوفان قد تم إعادة استخدامها في العالم ما بعد الطوفان. ونحن نرى هذا في مواضع عديدة من الكتاب المقدس. على سبيل المثال، نجد نهري دجلة والفرات وأرض كوش في تكوين ٢: ١٣-١٤، حيث تم إعادة استخدام تلك الأسماء بعد الطوفان. إلا أنها لم تكن هي ذات الأنهار أو الأراضي، حيث إنها بشكل مشابه لجنة عدن، قد دُفِنَت تحت طبقات كثيرة من الصخور الرسوبية التي تحتوي على الأحافير. تم ببساطة إعادة استخدام الأسماء ذاتها من الشعوب التي عاشت بعد الطوفان الذين كانوا قد سمعوها من نوح وعائلته. وهذا كان هو الحال في القرن الثامن عشر والتاسع عشر حين هاجر الكثيرون من أيرلندا إلى أمريكا الشمالية. على سبيل المثال، بلفاست هي عاصمة أيرلندا الشمالية، ونجد خمسة مواقع على الأقل تحمل الاسم ذاته.2

تاريخ الطوفان هو التاريخ الحقيقي

الجسر القديم المكشوف بعد انخفاض مياه سد سبيلغا
الجسر المكشوف.

في الوقت الذي لا تزال فيه قصة طوفان سفر التكوين واحدة من أكثر أجزاء الكتاب المقدس تعرضاً للهجوم اليوم، فإن الرواسب التي خلّفها، والمحتوية على ملايين الأحافير التي تعرضت للدفن بطريقة سريعة، إنما هي دليل مذهل على تاريخيّتها. إن طوفان سفر التكوين كان ذا أبعاد هائلة، فهو لا يشبه أي شيء قد تمت معاينته منذ ذلك الحين، لأنه قد أزال كل أثر للحياة التي وُجِدَت على الأرض قبل الطوفان.

إنها أيضاً شهادة رائعة على نعمة الله، وكيف أنه أعدَّ سبيلاً لنوح وعائلته لينجوا خلال الطوفان (الدينونة)، وأن يخلصوا، وأنه لم ينساهم أبداً (تكوين ٨: ١). وبنفس الطريقة، أعد الله لنا سبيلاً لكيما نخلص من خلال ابنه يسوع المسيح، الذي أُرسل للموت على الصليب، حتى يكون لنا خلاص من الدينونة القريبة.

المراجع

  1. McDowell, I., Heatwave reveals submerged Mourne history at Spelga Dam, bbc.com, 11 July 2018.
  2. Langan, S., How many places named Belfast are there in the US? Irishcentral.com, 24 August 2016.