مغالطات أُخرى: الجزء الثاني

بعد أن قمنا معاً بدراسة للمجموعة الأولى من المغالطات المنطقية الهامة، سوف نقوم هنا بدراسة للمجموعة الثانية منها والتي تتضمن:

مغالطة لا يوجد أسكتلندي حقيقي The “No True Scotsman Fallacy”

تحدث حين يجادل أحد الأشخاص مستخدماً تعريفاً متحيزاً لأحد المفاهيم (وهو التعريف الذي لا يوجد في أي من القواميس) للدفاع عن الجدل الذي يُقدِّمَهُ ضد أي جدل مضاد.

إن المثال الذي تم استقاء الاسم منه هو التالي: قام الشخص (أ) بالتأكيد بأن الرجل الإسكتلندي لا يضع السكر على (الحساء المصنوع من الشعير). فقام الشخص (ب) بدحض ذلك الادعاء من خلال تقديم مثال مُضادٍ لهذا التأكيد قائلاً: “إن أحد معارفه وهو السيد (س) رجل أسكتلندي – وهو يضع السكر على حساء الشعير.” لكن الشخص (أ) أجاب بالقول، “لا يوجد أي رجل اسكتلندي حقيقي يضع السكر على حساء الشعير.”

لقد قام بشكل أساسي بإعادة تعريف مفهوم “الرجل الاسكتلندي” بطريقة لا يمكن معها أن يكون الادعاء أو التأكيد الذي قدَّمَهُ خاطئاً. لكن بما أن التعريف الذي قدَّمه هو تعريفٌ مغلوط كذلك سيكون حال الجدل.

إن هذه المغالطة شديدة التكرار في الجدالات الدائرة حول الأصول فقد نجد حواراً يشبه التالي:

التطوريّ: “لا يوجد أي عالم يؤمن بأن الله قد خلق كل شيء في ستة أيام.”

الخلقي: “العلماء العاملون في المجلات الخلقية وفي المواقع الإلكترونية التي تدافع عن الخلق يؤمنون بذلك.”

التطوريّ: “لا يوجد أي عالم حقيقي يؤمن بأن الله قد خلق كلّ شيء في ستة أيام”.

أي أنَّ المؤمن بالتطور قد أضاف كلمة حقيقيّ إلى جدله ليعيد تعريف كلمة عالم بطريقة تخدم جدله.

مغالطة لا يوجد أسكتلندي حقيقي

مغالطة التوسل الخاصّ (المعاملة الخاصّة) – Special Pleading

هي مغالطة تقع حين يقوم الشخص بتطبيق معايير مزدوجة. فيتوقَّع من خصمه أن يلتزم بمعايير معينة في الوقت الذي لا يطبّق تلك المعايير على نفسه. فجميع المؤمنين بالتطور تقريباً يصرّون على أنّه يجب أن يمتلك المؤمنون بالخلق أسباباً جيّدة لموقفهم. لكن التطوريّين أنفسهم لا يمتلكون أسباباً جيّدة للإيمان بالتطور، أو بالأخلاق المطلقة، أو بقوانين المنطق.

مغالطة التوسل الخاصّ (المعاملة الخاصّة)

مغالطة القياس الخاطئ – A False Analogy

تحدث حين يتم القياس بين أمرين متشابهين بطريقة لا ترتبط بالاستنتاج. فنجد أحد الأشخاص يجادل: “لماذا تتذمر من العمل لمدة ١٢ ساعة في اليوم، إن حواسبنا تعمل لمدة ٢٤ ساعة وها هي بحالة جيّدة.” لكنه من الواضح أن البشر يختلفون عن الحواسب التي ليست بحاجة للراحة.

إن أكثر الأمثلة شهرةً هو حين يجادل المؤمن بالتطور قائلاً: “إن الإيمان بالخلق يشبه الإيمان بالأرض المسطحة.” إن هذا الجدل يحاول أن يربط بين الإيمان بالخلق وبين إيمان يمكن أن يتم التحقق من خطأه من خلال المعاينة. إلا أن الخلق التوراتي لا يمكن أن يتم إنكاره من خلال المعاينة، وبالمناسبة إن هذه المقارنة خاطئة إذ إنَّ الكتاب المقدس يعلِّم بأن الأرض كروية وذلك في (أيوب ٢٦: ١٠؛ أشعياء ٤٠: ٢٢).

مغالطة القياس الخاطئ

مغالطة المسببات الخاطئة – The Fallacy of False Cause

تحدث حين يعزو المجادل علاقة سببية خاطئة بين حدثين. فلمجرد أن الحدثين وقعا في الوقت عينه تقريباً فإن ذلك لا يعني بأنَّ أحدهما قد سبب الآخر. فالأمر قد يكون مجرّد مصادفة، أو أنه يوجد مُسَبِّب آخر للحدثين معاً. ولربما يكون أكثر الأمثلة تكراراً هو القول بأن المسيحيّة تسببت بالعصور المظلمة المعروفة في أوروبا، أو أن اكتشاف التطور هو المسؤول عن التطور الطبي والتكنولوجي المعاصر.

فوقوع الأمرين في وقت واحد قد يكون مجرّد مصادفة. والخرافات تصنف على أنها ارتكاب لهذه المغالطة. مثل السير أسفل السلم، الرقم ١٣، مرور قطة سوداء في دربك وما يتبع ذلك من أحداث ومصائب، هذه الأمور هي ارتكاب لمغالطة المسببات الخاطئة.

“إنه من الممكن أن يتم ترتيب المستحاثات من الأبسط إلى الأعقد. وبالتالي فإنه من الواضح الأكثر تعقيداً بينها قد تطورت من الأشكال البسيطة.” إن حقيقة إمكانية ترتيب بعض المستحاثات في سلسلة بحيث تكون قبل مستحاثات أُخرى لا تعني أنَّها كانت سبباً للأُخرى. فإنه من الممكن أيضاً أن يتم ترتيب الإصدارات المختلفة من السيارات الموجودة حالياً في سلسلة، لكن ذلك لن يعني أنها مرتبطة احيائياً بعضها ببعض من خلال سلف مشترك.

يوجد نوع خاص من هذه المغالطة يدعى “بعد “هذا”، وبالتالي فإنه بسبب “هذا” ويمكن أن نقدم مثالاً عنها كالتالي: لقد سمحنا بأن يتم تعليم الخلق في فصول العلوم، وبدأت نتائج الامتحانات بالانخفاض، ألا تستطيع أن ترى ماذا يمكن أن يحدث جرّاء التعليم عن الخلق؟” إن هذا الجدل مغلوط لأنه يوجد أسباب كثير قد تكون مسؤولة عن انخفاض الدرجات في الامتحانات. فمجرد أن الحدث ب قد وقع بعد الحدث أ لا يعني ذلك أن أ قد تسبب بوقوع الحدث ب. وفي حالات بديلة قد لا يكون هنالك أي علاقة بين الأحداث.

مغالطة المسببات الخاطئة

مغالطة المنحدر الزلق – The Slippery Slope Fallacy

تحدث حين يجادل الشخص بأن حدثاً معيّناً سوف يتسبب بإطلاق سلسلة من الأحداث المتتابعة وذات النتائج غير المرغوب بها؛ في حين أن الواقع يقول بوجود عوامل كثيرة تتسبب بمنع الوصول إلى تلك النتائج. مثالاً على ذلك: “إذا سمحنا بإمكانية وقوع المعجزات، فإن البحث العلمي سوف لن يكون ممكناً! فإننا سوف نكون عاجزين عن معرفة الأمر الذي نقوم بدراسته فيما إذا كان من قوانين الطبيعة أم أنَّه معجزة من الله.” إلا أن المعجزات هي بحسب طبيعتها نادرة الحدوث. وبالتالي فإن البحث العلمي لن يصبح أمراً مستحيلاً إن قبلنا بأن الله يقوم من حين لآخر (وبشكل مؤقت) بإيقاف أو تعليق العمل بأحد قوانين الطبيعة التي نعرفها.

إضافة إلى أنَّ المعجزات لا تقوم بالضرورة بانتهاك قوانين الطبيعة. إذ إنَّ الله يستطيع أن يقوم بأمور استثنائية مستعملاً قوانين الطبيعة فيما لو اختار ذلك. إن النقطة هي أن الله لو اختار أن يقوم من حين إلى آخر بإتمام مشيئته مستعملاً أموراً تفوق قوانين الطبيعة فإن ذلك لن يتسبب بإبطال إمكانية البحث العلمي.

مغالطة المنحدر الزلق

مغالطة القضايا غير المترابطة – The Fallacy of Irrelevant Thesis

تحدث حين يقوم المجادل بإثبات نقطة معينة، لكنها ليست النقطة محور النقاش. وقد يكون تأكيده هذا صحيحاً لكنه غير مرتبط بالادعاء الذي يحاول أن يثبته. وكثيراً ما يرتكب التطوريّين هذه المغالطة حين يحاولون أن يقدّموا أمثلة مضادة لوجود التصميم في الكون.

مثلاً: “لماذا يكون الكون مثالياً لوجود الحياة فيه؟ لأنه إن لم يكن كذلك لما كنا موجودين هنا لنعاينه.”

صحيح أنه لو لم يكن الكون مناسباً للحياة لما كنا سنوجد لنقوم بالمعاينة. لكن هذه النقطة لا صلة لها بالسؤال أو القضية المطروحة والتي هي: لماذا نجد أن الكون مناسب للحياة؟ وللبحث في سبب فشل هذا المثال فلنتأمل بالقياس التالي.

فلنفترض بأنني كنت الناجي الوحيد من حادث تحطم طائرة. وحين يأتي أحد المراسلين الصحفيين إلي بسؤالٍ عن الأسباب التي أدَّت إلى نجاتي من الحادث، سيكون من المغلوط أن أقدّم إجابةً مماثلة للتالي: “لأنني لو لم أنجُ من الحادث لما كنت هنا لأجيب على سؤالك”. بالرغم من أن هذه الإجابة صحيحة إلا أن هذا التفاف على السؤال عن سبب بقائي على قيد الحياة. وجميع الأمثلة التي ترتكب هذا النوع من المغالطات يمكن الرد عليها باستخدام عبارة مشابهة للتالي: “قد يكون الأمر صحيحاً، إلا أن هذا لا يرتبط بالموضوع الذي نناقشه.”

حين يجادل أحد التطوريّين بأن “الحياة تعطي الانطباع بأنه قد تمَّ تصميمها من قبل كيان ذكي لأنها إن لم تكن بالغة التنظيم هكذا لما استمرت حتى الآن.” سيكون هذا ارتكاب لمغالطة القضايا غير المترابطة. وكذلك القول بأنّ: “السبب في كون الكائنات الحية متلائمة مع بيئاتها لا علاقة له بالتصميم المعقد. إنما يُفسَّر من خلال الانتقاء الطبيعي.” يرتكب هذا الجدل المغالطة ذاتها لأن الانتقاء الطبيعي يفسر فقط سبب عدم وجود كائنات حية غير ملائمة لبيئاتها التي تعيش فيها (إذ إنها سوف تموت.) ولا يفسر سبب وجود كائنات ملائمة للبيئات التي تعيش فيها.

إن الإجابة هي أنَّ الله قد خلق الكائنات الأساسية بحيث أنها تمتلك كمية كافية من المعلومات الموجودة في سلاسل الحمض النووي لتنتج السمات التي ستساعدها على التأقلم مع البيئات المختلفة. إن هذا المثال يحدث بشكل متكرر؛ لذلك يجب دراسة هذا المثال والعمل على كشف خطأه في حال استُعمِلَ في جدل.

مغالطة القضايا غير المترابطة

توجد مجموعة إضافية من المغالطات المشابهة التي سوف نقوم بتقديمها في منشورٍ لاحق