الاعتراض ١٣٣: هل صُلِبَ يسوع قبل تناول وجبة الفصح أم بعدها؟

,

يقول المعترض إن يوحنا ١٩: ١٤-١٦ تتناقض مع مرقس ١٤: ١٢، ١٥: ٢٥.

”وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ:«هُوَذَا مَلِكُكُمْ!». فَصَرَخُوا: «خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ:«لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!». فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ.“

يوحنا ١٩: ١٤-١٦

”وَفِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ. حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ:«أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟»“

مرقس ١٤: ١٢

”وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ.“

مرقس ١٥: ٢٥

الرد

لقد ارتكب المعترض مغالطة المفارقة التاريخية للمعنى، إضافةً إلى الفشل في القيام بقراءة دقيقة للآيات.

إن الإجابة ليست واحدةً من بين هاتين الإجابتين. فيسوع المسيح كان قد صُلِبَ في يوم الفصح، وذلك بحسب الحساب اليهودي. وهنا يجب أن نتذكر أن اليوم بحسب الحساب اليهودي يبدأ في المساء ويستمر حتى مساء اليوم التالي. واحتفال الفصح يُقام في اليوم الرابع عشر من شهر نيسان (سفر العدد ٩: ٣، ٥)، وهذا يعني أن يسوع قد تناول عشاء الفصح مع تلاميذه في العلية مساء الخميس، حيث قام بغسل أرجلهم بعد العشاء، وخرج إلى بستان جثيماني حيث أُلقي القبض عليه، وفي صباح اليوم التالي، أي الجمعة، أُرسل إلى بيلاطس الذي أرسله ليُصلب. وهذا حدث قبل غروب الشمس في يوم الجمعة، أي إنه لا يزال في يوم الفصح، ويليه سبعة أيام الفطير التي لا يُؤكل فيها خمير، وهذا ما يرد في الخروج ١٢: ٦، ٨، ١٨.

”6 وَيَكُونُ عِنْدَكُمْ تَحْتَ الْحِفْظِ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ. ثُمَّ يَذْبَحُهُ كُلُّ جُمْهُورِ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ فِي الْعَشِيَّةِ. 8 وَيَأْكُلُونَ اللَّحْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَشْوِيًّا بِالنَّارِ مَعَ فَطِيرٍ. عَلَى أَعْشَابٍ مُرَّةٍ يَأْكُلُونَهُ. 18 فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الْيَوْمِ الرَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، مَسَاءً، تَأْكُلُونَ فَطِيرًا إِلَى الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ مَسَاءً.“.

الخروج ١٢: ٦، ٨، ١٨

وبالتالي فإنه لا يمكن أن يكون المسيح قد تناول الفصح قبل عيد الفصح كما يحاول المعترض أو البعض من المفسرين أن يقولوا. وهذا السرد يتوافق مع ما ذكره مرقس ١٤: ١٢، ١٥: ٢٥.

إن الآيات الواردة في يوحنا ١٩: ١٤-١٦ تشير إلى أن المسيح قد صُلِبَ في ”استعداد الفصح“، وهنا نجد أن المعترض قد افترض أن الفصح سوف يكون في اليوم التالي لذلك اليوم. إلا أن النص لا يقول ذلك، ولا يُحدِّد تاريخ الفصح، بل يتحدث عن استعداد الفصح. والكلمة اليونانية المستخدمة للإشارة إلى الاستعداد هي “παρασκευή باراسكُويه”، وقد استُخدمت ثلاث مرات في يوحنا، وفي المرتين اللتين وردت فيهما عدا عن هذه الآية كانت تشير إلى السبت الذي يقع في أسبوع الفصح، حيث إن الأسبوع الذي يلي يوم الفصح يحمل طابعًا مميزًا ويقدم فيه الكهنة الذبائح، وهو يشمل ضمن ما يُعرف باحتفال الفصح.

هذا الأمر يتضح أكثر من خلال قراءة الموضعين اللذين وردت فيهما هذه الكلمة، وهما يوحنا ١٩: ٣١ ويوحنا ١٩: ٤٢:

”ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا.“

يوحنا ١٩: ٣١

”فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيبًا.“

يوحنا ١٩: ٤٢

إن هذا الأمر يظهر من خلال دراسة النص اليوناني بشكل أوضح، ونجد انعكاس ذلك في عدد من الترجمات الإنكليزية للكتاب المقدس وفي الترجمة اليسوعية العربية. إلا أن المعترض لم يكلّف نفسه عناء البحث ودراسة الآيات ضمن سياقها التاريخي، إنما اعتمد على مخيلته في تحديد معنى النص بالشكل الذي يخدم ادعاءه بوجود تناقض.


الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض

مغالطة المفارقة التاريخيّة للمعنى

وتحدث حين يقول الشخص باستدعاء معنى حديث للكلمة واستخدامه في قراءة النص في حين أنّ الكلمة لم تحمل ذلك المعنى في الوقت الذي كتبت به. فمثلاً قد يلجأ أحد الأشخاص إلى الادعاء بأنَّ الكتاب المقدس يدَّعي بوجود كائنات حية خارج الأرض، بسبب وجود العديد من التشريعات الكتابية التي تتضمن تعليمات تتعلق بـ«الغرباء» (كما في سفر العدد ٩: ١٤، ١٥: ١٥). لكن المعنى المُراد من الكلمة هو غير الوطنيّين أي غير المقيمين في إسرائيل أو الأصليين، في حين أن تحوير المعنى ليشمل الغرباء بمعنى الكائنات الفضائية هو مغالطة (تحوير) للمعنى.

القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص

تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.