يعتقد الناقد بوجود تناقض بين رسالة غلاطية ١: ١٠ وبين كل من رومية ١٥: ٢ وكورنثوس الأولى ١٠: ٣٣.
أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ.
غلاطية ١: ١٠
فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ، لأَجْلِ الْبُنْيَانِ.
رومية ١٥: ٢
كَمَا أَنَا أَيْضًا أُرْضِي الْجَمِيعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، غَيْرَ طَالِبٍ مَا يُوَافِقُ نَفْسِي، بَلِ الْكَثِيرِينَ، لِكَيْ يَخْلُصُوا.
كورنثوس الأولى ١٠: ٣٣
الرد
إن الناقد قد ارتكب في اعتراضه هذا مغالطة التعميم الواسع النطاق، بالإضافة إلى عدم قراءة النصوص بطريقة أمينة ودقيقة. إنَّه لمن الواجب على المسيحيّ أن يبحث عن السلام مع الآخرين إن كان ذلك الأمر ممكناً، وهذا ما تتم الإشارة إليه في الرسالة إلى العبرانيين ١٢: ١٤، وذلك طالما أنَّ ذلك الأمر لا يقود إلى ارتكاب المعاصي والخطايا، كما يرد في أعمال الرسل ٥: ٢٩.
اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ،
العبرانيين ١٢: ١٤
فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ وَقَالُوا:«يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ.
أعمال الرسل ٥: ٢٩
وبالتالي فإنَّ إرضاء الآخرين وفق المعنى السابق إنما هو إرضاءٌ لله، إذ إنَّه سعي إلى السلام. لكن إن كان الأمر يتطلب منا الاختيار بين إرضاء الناس وإرضاء الله، فإنَّ الواجب الأخلاقي المُلزم علينا هو أن نختار إرضاء الله (أعمال الرسل ٤: ١٩؛ التكوين ٣: ١٧؛ صموئيل الأول ١٥: ٢٤؛ متى ٧: ٨).
فَأَجَابَهُمْ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا وَقَالاَ:«إِنْ كَانَ حَقًّا أَمَامَ اللهِ أَنْ نَسْمَعَ لَكُمْ أَكْثَرَ مِنَ اللهِ، فَاحْكُمُوا.
أعمال الرسل ٤: ١٩
وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.
التكوين ٣: ١٧
فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ وَكَلاَمَكَ، لأَنِّي خِفْتُ مِنَ الشَّعْبِ وَسَمِعْتُ لِصَوْتِهِمْ.
صموئيل الأول ١٥: ٢٤
إن الرب يسوع المسيح كان قد أكَّد على هذا الأمر حين قال: ”تُحِبُّ الربَّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأُولى والعُظمى. والثانية مثلها. تُحبّ قريبك كنفسك.“ (متى ٢٢: ٣٧–٣٨). من المُهم لنا أن نقوم بالتمييز وملاحظة أنَّ محبَّة الآخرين لا تعني بالضرورة إرضاءهم.
إن الآيات التي قام الناقد بتقديمها تتوافق مع المبدأ السابق. ومن الملاحظ أنَّه قام بانتزاع الآية الواردة في رسالة رومية ١٥: ٢ من سياقها النصي، حيث إن التعليم الواضح من السياق هو أنه من الواجب علينا أن نهتم بالآخرين وليس بذواتنا فقط؛ أي أنَّ الآية لا تشير بأي طريقة كانت إلى أنَّ إرضاء الآخرين أكثر أهمية من إرضاء الله. وكذلك هو الحال في الآيات الواردة في كورنثوس الأولى ١٠: ٣١–٣٣، حيث إن هذه الآيات تُعلم بأنَّه يجب علينا أن نقوم بجميع الأعمال إرضاءً وتمجيداً لله، وكذلك بوجوب تجنب وضع عثرات أمام الآخرين حين لا يتعارض ذلك الأمر مع واجباتنا تجاه الله. أما في رسالة غلاطية ١: ١٠، فإن بولس الرسول يؤكد على التعليم الأساسي بأنَّ الهدف الأوَّل والأسمى هو إرضاء الله وليس إرضاء الناس.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة التعميم واسع النطاق وغير الدقيق
وهي فشل في ملاحظة أن بعض المبادئ التي وُضعت بصفة عامة تمتلك بعض الاستثناءات. فسفر الأمثال هو خير مثال على هذا التعميم – إن الأشياء المذكورة فيه صحيحة في معظم الظروف، ولكن توجد بعض الاستثناءات. وهنا تحدث مغالطة التعميم غير الدقيق حين يتم الافتراض بأن الاستثناءات هي تناقضات. إنَّه ليس تناقضًا حين يتم تقديم تصريح بأنَّه ”في معظم الأحيان أ لكن أحياناً ليس أ.“ على سبيل المثال، إن الطلاق بشكل عام غير مقبول وبدقة أكبر غير مقبول إلا في حالة الخيانة. وبالتالي فإن ذلك ليس تناقضًا بأن يتم التصريح بأن الطلاق هو مقبول (بمعنى أنَّه ليس خطيئةً) في حالة الزنى.
اقرأ المزيد عن مغالطة التعميم واسع النطاق وغير الدقيق
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.