مقدمة

رسم لولادة غورو ناناك

السيخية هي واحدة من الديانات التوحيدية التي نشأت في شبه القارة الهندية خلال القرن السادس عشر، في فترة اتسمت بالصراعات الدينية والثقافية بين الإسلام والهندوسية. تأسست هذه الديانة على يد غورو1 ناناك (1469–1538)، الذي دعا إلى تجاوز الانقسامات الطائفية وإلى التوحيد الذي يجمع البشرية على أساس عبادة إله واحد يُعرف تحت مُسَمَّى “إيك أونكار”. كانت دعوة ناناك قد تميَّزت بالجمع بين التأمل الروحي والعمل الصالح، مما جعلها حركة إصلاحية تستجيب للحاجات الروحية والاجتماعية التي عاصرت تلك الحقبة.

ظهرت السيخية كحركة إصلاحية تهدف إلى القضاء على التمييز الطبقي والاجتماعي الذي كان منتشرًا في المجتمع الهندي، كما أنها كانت قد رفضت الطقوس الشكلية والعبادات التي تخلو من الجوهر الروحي. ومع مرور الوقت، تطورت السيخية من كونها حركة سلمية تدعو للتأمل والعبادة إلى مجتمع ديني منظم، بل وتحولت كذلك إلى قوة عسكرية للدفاع عن نفسها ضد الاضطهاد السياسي والديني.

يُعتبر فهم السيخية أمراً بالغ الأهمية لفهم تاريخ وثقافة جنوب آسيا، لا سيما أن السيخية ليست مجرد ديانة، بل هي أيضاً هوية ثقافية واجتماعية لها تأثيرات عميقة في المنطقة والعالم. في هذا السياق، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة للسيخية، بدءاً من جذورها التاريخية وصولاً إلى عقائدها وممارساتها الأساسية.

التاريخ

البيئة الهندية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر

شهدت الهند في القرنين الخامس عشر والسادس عشر فترة من التغيرات الدينية والسياسية التي ترافقت مع دخول الإسلام إلى الهند من خلال الغزوات المغولية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، حيث أُدخلت تعاليم التوحيد الإسلامي. لكن تطبيق الإسلام كان في كثير من الأحيان مرتبطًا بالسياسة والسلطة، حيث فرض الحكام المغول قوانين تتعارض مع القيم المحلية.

في المَقلَب الآخر، كانت الهندوسية تركز على الطقوس والعبادات الشكلية التي غالبًا ما كانت مُعَقَّدة ومُكلِفَة، مما جعلها بعيدة عن منال عامة الناس. بالإضافة إلى ذلك، فرضت الهندوسية نظامًا طبقيًا صارمًا منع الطبقات الدنيا من المشاركة الكاملة في الحياة الدينية والاجتماعية.

غورو ناناك

أدت هذه التباينات الدينية والاجتماعية إلى تصاعد الصراعات بين الإسلام والهندوسية، مما دفع العديد من الإصلاحيين للبحث عن طريق ثالث يتجاوز هذه الانقسامات، فظهرت حركات إصلاحية تهدف إلى تحقيق نوعٍ من التوحيد الروحي والعدالة الاجتماعية، مثل حركة باكتي (Bhakti)2 الهندوسية التي ركزت على العبادة الشخصية للإله دون الحاجة إلى وساطة رجال الدين، وكذلك حركة الصوفيين3 المسلمين التي دعت إلى التأمل الروحي والتقرب إلى الله من خلال الحب والخدمة.

في هذا السياق التاريخي، كانت الهند مهيأة لظهور حركة إصلاحية جديدة تجمع بين التوحيد الإسلامي والممارسات الروحية الهندوسية، وتكون بعيدة عن التعصب الطائفي. وهنا ظهرت السيخية كحركة توحيدية وإصلاحية.

حياة غورو ناناك ودعوته

ولد غورو ناناك في الخامس عشر من أبريل/نيسان ١٤٦٩ في قرية “تَلواندي” (Talwandi)، التي تُعرف اليوم باسم “نانكانا صاحب” (Nankana Sahib) وتقع في باكستان الحالية. كان ناناك ينتمي إلى عائلة هندوسية من طبقة الكشاتريا (Kshatriya)، وهي طبقة اجتماعية تضم المحاربين والتجار. كان والده ميهتا كالو (Mehta Kalu) يعمل كموظف حكومي، بينما كانت والدته ماتا تريبتا (Mata Tripta) معروفة بحنانها وتدينها.

منذ طفولته، أظهر ناناك شغفًا استثنائيًا بالروحانية والتأمل، وكان يتساءل عن الطقوس الشكلية التي تمارسها كل من الديانتين السائدتين في منطقته، أي الإسلام والهندوسية. كان يسأل أسئلة عميقة حول الله، العبادة، والهدف من الحياة، مما أثار حيرة والديه ومعلميه في ذلك الوقت. وفقًا للتقاليد السيخية، كان ناناك يُظِهر منذ صغره فهماً عميقاً للمفاهيم الروحية، حتى أنه في إحدى الحوادث قيل إنه رفض ارتداء الخيط المقدس (Janeu)4 الذي يُلبس في طقوس الانتقال الهندوسية، قائلًا إن التقوى الحقيقية لا تحتاج إلى رموز خارجية بل إلى نقاء داخلي.

اللحظة الحاسمة في حياة ناناك وقعت عندما كان في الثلاثين من عمره تقريبًا. بينما كان يستحم في نهر “بين” (River Bein) بالقرب من قريته، اختفى فجأة لمدة ثلاثة أيام، الأمر الذي أثار قلق عائلته وأصدقائه الذين ظنوا أنه غرق. بحسب التقاليد السيخية، أُخذ ناناك خلال هذه الفترة إلى محضر الله حيث تلقى رسالة سماوية. وحين عاد، أعلن عبارته الشهيرة القائلة:

“لا يوجد هندوسي ولا مسلم.”

كانت هذه العبارة بمثابة دعوة واضحة إلى تجاوز الفوارق الطائفية والدينية التي قسمت المجتمع الهندي. وقد عبّرت عن رؤيته التي ترى أن الله واحد وشامل لكل البشر، وأن الدين الحقيقي ليس في الطقوس أو الانتماءات الطائفية، بل في التوحيد، التأمل، والعمل الصالح.

بعد هذه التجربة الروحية، بدأ غورو ناناك سلسلة من الرحلات التبشيرية التي استمرت حوالي خمسة وعشرين عامًا. كانت الهند من أبرز محطاته حيث زار العديد من المدن والقرى الهندية، بما في ذلك هاريدوار (Haridwar) وبِنارِس (Benares)، حيث تحدى الممارسات الهندوسية الشكلية. وقد تنقَّل ناناك في بلاد فارس، حيث دخل في حوارات دينية مع الصوفيين والعلماء المسلمين في أماكن مثل بغداد وشيراز.

يُقال إنه زار مدينة مكة وشارك في نقاشات مع العلماء المسلمين هناك، حيث أكد على أهمية التوحيد كقاسم مشترك بين جميع البشر.

رسم من مخطوط يمثل الزيارة المفترضة لغورو ناناك إلى مدينة مكة

خلال هذه الرحلات، دعا ناناك الناس إلى عبادة الله من خلال التأمل، ونبذ التعصب الديني، والعمل من أجل تحقيق العدالة والمساواة. تميّزت أشعاره وتعاليمه بأسلوب بسيط لكنها كانت في الوقت عينه عميقة، مما جعلها تصل إلى قلوب الناس من مختلف الخلفيات.

بعد انتهاء رحلاته التبشيرية، عاد غورو ناناك إلى قريته حيث أسس أول مجتمع سيخي (Sikh Sangat)5. ركز هذا المجتمع على عبادة الله من خلال التأمل الجماعي والعمل الصالح. عمل أتباعه معًا في خدمة بعضهم البعض، حيث رسّخ ناناك مبدأ سيوا (Seva)، أي الخدمة غير الأنانية.

أسس ناناك أيضًا معبدًا بسيطاً كمركز للعبادة والتعليم. في هذا المركز، كان يتم تلاوة أشعاره وتعاليمه يوميًا، مما ساعد على ترسيخ القيم الروحية والأخلاقية في المجتمع السيخي الناشئ.

توفي غورو ناناك في عام ١٥٣٩ في كارتاربور (Kartarpur)، وهي مدينة أسسها بنفسه. وُضع جسده تحت شجرة، حيث تقول الروايات إن الزهور التي وُضعت فوقه نمت بشكل غير اعتياديّ، مما عُدَّ رمزاً لخلود تعاليمه.

عصر المعلمين (الغورو) العشرة

عُرِفت الفترة التاريخية التأسيسية للديانة السيخية باسم عصر الغورو العشرة (Gurus)، حيث تعاقب عشرة قادة روحيين بين عامي 1469 و1708 على قيادة المجتمع السيخي. لعب هؤلاء المعلمون دورًا محوريًا في بناء أسس الديانة السيخية، سواء من حيث صياغة تعاليمها الروحية أو تنظيم هيكلها الاجتماعي والسياسي. امتد تأثير هؤلاء ليشمل مجالات متعددة، من التعليم الروحي إلى الدفاع عن حقوق المجتمع ضد الاضطهاد، وهو ما جعل هذه الفترة حجر الأساس للهوية السيخية التي استمرت حتى اليوم.

غورو أنجاد يستمع لقصة حياة غورو ناناك

  1. الغورو الأول: ناناك (Nanak) (1469–1538)
    يُعد الغورو ناناك المؤسس الأول للسيخية، وهو الذي وضع أسسها الروحية والاجتماعية. دعا ناناك إلى التوحيد (إيك أونكار) والمساواة بين البشر، رافضًا النظام الطبقي السائد في الهندوسية والطقوس الشكلية في الديانتين الهندوسية والإسلامية. بعد رحلاته التبشيرية التي عُرفت بـ “الأوداسيس (Udasis)”، عاد ناناك إلى قريته وأسّس أول مجتمع سيخي.
    أبرز إنجازاته:
    • نشر فكرة أن العبادة الحقيقية تكمن في التأمل والعمل الصالح.
    • أسس “ديره بابا ناناك (Dera Baba Nanak)”، وهو أول مركز للسيخية.
    • قاد أتباعه بعبارة مشهورة: “لا يوجد هندوسي ولا مسلم”، مما يعكس دعوته لتوحيد الجميع تحت عبادة الله الواحد.
  2. الغورو الثاني: أنجاد (Angad) (1538–1552)
    خلف الغورو أنجاد الغورو ناناك وركز على تنظيم المجتمع السيخي وتوحيد تعاليم الغورو الأول. ومن أبرز إنجازاته أنَّه طور الأبجدية السيخية التي تُعرف باسم غورموخي (Gurmukhi)6، التي أصبحت الوسيلة الأساسية لكتابة النصوص المقدسة. كما نشر ترانيم ناناك وأعماله في المجتمع السيخي. بالإضافة إلى ذلك رسخ الهيكل التنظيمي للسيخ من خلال تقوية القيادة الروحية.
  3. الغورو الثالث: أمار داس (Amar Das) (1552–1574)
    واصل الغورو أمار داس تطوير المجتمع السيخي، واهتم بتعزيز قيم المساواة الاجتماعية، رافضًا بوضوح نظام الطبقات الهندوسي. أسس تقليد الحج السيخي ثلاث مرات سنويًا لزيارة الغورو وتعزيز الوحدة الدينية. بدأ بناء بركة مقدسة (Sacred Tank) أصبحت لاحقًا جزءًا من المعبد الذهبي في أمريتسار (Amritsar). واجه تحديات دينية وسياسية، لكن الإمبراطور المغولي أبدى تسامحًا ودعمًا له، مما ساعد على ترسيخ مكانة الديانة السيخية في المجتمع.
  4. الغورو الرابع: رام داس (Ram Das) (1574–1581)
    عُرف الغورو رام داس بإسهاماته الكبيرة في توسيع نطاق السيخية من خلال نشر التعاليم وإرسال مبشرين لجمع التبرعات وإقامة المجتمعات السيخية. أسس مدينة أمريتسار (Amritsar)، التي أصبحت مركزًا روحيًا مهمًا للسيخ، وأشرف على تطوير البركة المقدسة التي أصبحت محورًا للحج السيخي. لعب دورًا رئيسيًا في إنشاء هيكل القيادة السيخية وتعزيز الاستقلال المالي للمجتمع.
  5. الغورو الخامس: أرجان ديف (Arjan Dev) (1581–1606)
    يُعد أرجان ديف من أهم الغورو، إذ عمل على توحيد النصوص الروحية وبناء أول معبد سيخي. من أبرز إنجازاته أنَّه جمع التعاليم السيخية في أول كتاب مقدس للسيخ، آدي جرانث (Adi Granth)7. وكان هو من أكمل بناء المعبد الذهبي (Golden Temple) في أمريتسار. في نهاية المطاف أُعدِمَ على يد الإمبراطور المغولي، مما أدى إلى تحول السيخية إلى المقاومة العسكرية.
  6. الغورو السادس: هارجوبيند (Hargobind) (1606–1644)
    تميزت فترة هارجوبيند بالتحول العسكري للسيخية، حيث قاد المجتمع نحو الدفاع عن نفسه ضد الاضطهاد. من أبرز إنجازاته أنَّه أدخل مفهوم المييري والبييري (Miri-Piri)8، الذي يرمز إلى الجمع بين السلطة الدينية والسياسية. كما أنشأ أول جيش سيخي للدفاع عن المجتمع.
  7. الغورو السابع: هار راج (Har Raj) (1644–1661)
    على الرغم من محافظته على الجيش السيخي الذي ورثه من سلفه، اتسمت قيادة الغورو هاري راي بالهدوء النسبي والسلمية. ركز على نشر التعاليم الروحية وتعزيز قيم التسامح، مع المحافظة على استعداد المجتمع للدفاع عن نفسه. ساهم في الحفاظ على استمرارية السيخية في فترة اتسمت بالتقلبات السياسية في الهند.
  8. الغورو الثامن: هاري كريشَن (Hari Krishen) (1661–1664)
    كان أصغر الغورو، إذ تولى القيادة في سن الخامسة، لكنه توفي مبكرًا بسبب مرض الجدري. كان الغورو هاري كريشَن يُعرف بتواضعه ومساعدته للفقراء، وترك إرثًا روحيًا عميقًا رغم قصر فترة قيادته.
  9. الغورو التاسع: تيغ بهادور (Tegh Bahadur) (1664–1675)
    كان تيغ بهادور مدافعًا عن الحرية الدينية، واستشهد بسبب رفضه التحول إلى الإسلام. من أبرز إنجازاته أنَّه كان قد دافع عن حقوق الهندوس والسيخ ضد الاضطهاد المغولي. كما أنَّه ترك إرثًا يعكس الشجاعة والالتزام بالمبادئ.
  10. الغورو العاشر: جوبيند سينغ (Gobind Singh) (1675–1708)
    كان جوبيند سينغ آخر الغورو البشر، وهو الذي أسس جماعة الخالصا (Khalsa)9. ومن أهمّ إنجازاته أنَّه أسس “الخالصا” في عام 1699، وهي جماعة عسكرية ودينية لها رموز خاصة مثل الخمسة ك (Five Ks)10. وأعلن أن الغورو جرانث صاحب (Guru Granth Sahib) سيكون الغورو الأبدي.

التحولات الجذرية بعد الغورو العاشر

وداع غورو أنجاد لغورو ناناك

بعد وفاة الغورو العاشر، غورو جوبيند سينغ (Gobind Singh)، في عام 1708، شهدت السيخية تحولاً جذريًا في قيادتها الروحية. قرر جوبيند سينغ إنهاء سلسلة الغورو البشر، وأعلن أن الكتاب المقدس السيخي، المعروف بـ”الغورو جرانث صاحب (Guru Granth Sahib)”، سيكون الغورو الأبدي للمجتمع السيخي. يُعتبر هذا النص مصدر الإلهام الروحي والتوجيه الأخلاقي للمجتمع حتى اليوم، إذ يحتوي الكتاب على تعاليم جميع الغورو السابقين، بالإضافة إلى نصوص لشعراء وروحانيين آخرين.

أصبح للغورو جرانث صاحب مكانة مركزية في العبادة السيخية، حيث يُعامل ككيان حي ويُحفظ في مكان مقدس داخل المعبد السيخي (الجوردوارا). يتم فتح الكتاب صباحًا وإغلاقه مساءً في طقوس خاصة، وتتم تلاوة أجزاء منه يوميًا في الصلوات الجماعية والفردية.

في العقود التي تلت وفاة الغورو جوبيند سينغ، أصبحت السيخية قوة عسكرية وسياسية مهمة في شمال الهند. ومع تراجع الإمبراطورية المغولية، برزت السيخية كقوة إقليمية مهيمنة. قاد رانجيت سينغ (Ranjit Singh)، المعروف بـ”أسد البنجاب”، تأسيس إمبراطورية سيخية قوية امتدت من عام 1799 إلى 1849 حيث نجح في توحيد المناطق المختلفة من البنجاب تحت حكم واحد. كما أنشأ جيشًا سيخيًا قويًا مزودًا بأسلحة حديثة ومُدربًا على أساليب الحرب الأوروبية.

تميز حكمه بالتسامح الديني، حيث قام بتعيين الهندوس والمسلمين في مناصب حكومية وعسكرية رفيعة. وقد كان حكمه علامة فارقة في تاريخ السيخية، حيث تمتع السيخ خلالها بفترة من الازدهار والاستقلال.

رسم لاجتماع بين الإمبراطور المغولي وغورو أمار داس

مع وفاة رانجيت سينغ في عام 1839، بدأت الإمبراطورية السيخية في التراجع حيث عانت من صراعات داخلية وغزوات خارجية، مما أدى إلى سقوطها في يد البريطانيين بعد الحروب الأنغلو-سيخية (1845–1849).

خلال الحكم البريطاني للهند، أدرك البريطانيون أهمية السيخ كقوة عسكرية وأدرجوهم في الجيش البريطاني. فأصبح إقليم البنجاب، الذي كان معقل السيخ، واحداً من أكثر المناطق تجنيدًا للجيش، حيث شارك الجنود السيخ في الحروب البريطانية الكبرى، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

في عام 1947، مع تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين: الهند وباكستان، عانى المجتمع السيخي من موجة نزوح واسعة. كان إقليم البنجاب مقسمًا بين الدولتين، مما أجبر ملايين السيخ على مغادرة منازلهم في الجزء الباكستاني إلى الهند. شهدت هذه الفترة أحداث عنف طائفي واسعة النطاق، حيث اشتبك السيخ مع المسلمين والهندوس على حد سواء.

أدى النزوح إلى فقدان السيخ لأراضيهم ومواردهم في باكستان. استقر السيخ في الهند في المناطق الشمالية، مثل البنجاب الهندي، حيث أعادوا بناء مجتمعهم من جديد.

في أواخر القرن العشرين، ظهرت حركة سياسية تدعو إلى إقامة دولة مستقلة للسيخ تُعرف بـخالستان (Khalistan). اشتدت الحركة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، مما أدى إلى صدامات مع الحكومة الهندية. بلغت الأزمة ذروتها عام 1984 عندما اقتحم الجيش الهندي المعبد الذهبي (Golden Temple) في أمريتسار (Amritsar) في عملية عسكرية عُرفت باسم “عملية النجم الأزرق (Operation Blue Star)”. أدى ذلك إلى مقتل مئات السيخ وتدمير أجزاء من المعبد، مما أثار غضبًا واسعًا داخل المجتمع السيخي.

انتشر السيخ في جميع أنحاء العالم، وخاصة في دول مثل كندا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة. لعب الشتات السيخي دورًا كبيرًا في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، حيث أُنشئت العديد من المعابد (الجوردوارا) في هذه البلدان.

رسم لغورو رام داس

التعاليم

الله

تؤمن السيخيّة بالتوحيد المُطلق لله ويُعرف هذا المعتقد تحت مُسمَّى (إيك أونكار) ويعني (الإله الواحد)، حيث يعتبر هذا المفهوم حجر الزاوية للعقيدة السيخيّة عن الله. يُنظر إلى الله على أنَّه إله غير شخصاني إذ لا يُمكن تصوُّره أو وصفه بصفات بشرية، وهو كُليّ الحضور وأبديّ وغير مُتَغيِّر، كما أنَّه عادل ورحيم.

يحمل المفهوم السيخي عن الله جوانب تتشابه مع المفهوم المسيحي الكتابي عن الله، إلا أن هذه التشابهات الظاهرية سرعان ما تتلاشى عندما ننظر إلى حقيقة كون الله في الكتاب المقدس إلهاً شخصانياً يوسم بالحضور11 والسمو12.

على الرغم من أن الكتاب المقدس يؤكد على مفهوم التوحيد إلا أنَّ الرؤية المسيحية لله تقول أنَّه واحد من حيث الجوهر ومُثلَّثٌ من حيث الأقنومية (الشخصية). فالله الآب هو الخالق الكُليّ القدرة. فالله قادرٌ على كلِّ شيء وفي الوقت عينه كـ ”آب“ هو إله شخصيّ ومُحبّ. والابن هو تجسّد لللاهوت في شخص يسوع المسيح، والذي دوره الرئيسي هو الخلاص. والروح القدس هو ”الربُّ المُحيي“13 وهو الذي يُقدِّس ويُعزّي ويُعلِّم.

التقمّص والخلاص

الخلاص في السيخية يُعرف بـ”موكشا” (Moksha)14، أي التحرر من دورة التناسخ (Samsara)15. يعتمد تحقيق الخلاص على تكرار ممارسات مثل:

  • Naam Japna (نام جابنا): ذكر اسم الله والتأمل فيه.
  • Kirat Karni (كيرات كارني): العمل الشريف والعيش بنزاهة.
  • Vand Chakna (فاند شاكنا): مشاركة الموارد وخدمة المجتمع.

كما يؤمن السيخ أن الولادة كإنسان تمنح الفرصة المثلى للتحرر من دورة التناسخ.

إن غياب مفهوم الخطيئة بوصفها تمرّداً على الله وعصياناً لوصاياه يُظهر التباين مع المسيحية التي تُعلّم أن الخلاص هو هِبَةٌ مجَّانية من الله، ينالها المؤمنون بالنعمة من خلال الإيمان بيسوع المسيح وعمله الكفّاري على خشبة الصليب الذي افتدانا من لعنة الخطيئة ووِزرها، وقيامته من بين الأموات التي هي عربون قيامتنا كمؤمنين وضمان حياتنا الأبدية الموعودة.

النصوص المقدسة

يُعتبر “الغورو جرانث صاحب” النص المقدس للديانة السيخية وبعد وفاة الغورو العاشر احتل مكانة الغورو (المعلم) الأبدي، حيث يتضمن تعاليم وترانيم المعلمين العشرة بالإضافة إلى نصوص روحية شعرية من مُعلمين روحانيين آخرين، وعلى الرغم من أنَّه لا يتم النظر إليه على أنَّه وحيٌ إلهي بشكل مشابه للمنظور المسيحي للكتاب المقدس، إلا أنَّه يعتبر مصدراً للإلهام الروحي والسياسي للسيخ إذ أنَّه يقدم نصوصاً تُعبِّر عن تجارب روحية مختلفة.

الخُلاصة

عند مقارنة السيخية بالمسيحية، يتضح أن الفروقات بينهما ليست سطحية بل جوهرية، تتعلق بطبيعة الله، مفهوم الخلاص، ونمط العبادة. في السيخية، يُنظر إلى الله على أنه كيان غير شخصي، حاضر في كل شيء، مما يجعل العقيدة أقرب إلى وحدة الوجود.16 في المقابل، تُعلم المسيحية أن الله شخصي، محب، ومتفاعل مع خليقته، إذ أعلن نفسه من خلال الوحي المقدس وتجسد في شخص يسوع المسيح ليقيم علاقة مباشرة مع البشر.

أما فيما يخص الخلاص، فترى السيخية أنه يتحقق من خلال الجهد البشري والتأمل والعمل الصالح، بينما تقدم المسيحية رؤية مختلفة تمامًا، إذ تعلن أن الخلاص هو هبة إلهية تُمنح بالنعمة من خلال الإيمان بيسوع المسيح، الذي قدم نفسه كذبيحة فداء عن خطايا البشر على الصليب. لا يعتمد الإنسان في المسيحية على أعماله، بل على محبة الله التي ظهرت في المسيح، الذي غلب الموت ليمنح الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.

لقد خلق الله الإنسان ليكون في علاقة معه، لكن الخطية فصلت الإنسان عن الله. ومع ذلك، لم يترك الله البشر في هذه الحالة، بل أرسل ابنه يسوع المسيح ليكون فاديًا، مقدِّمًا نفسه ذبيحة على الصليب لتحمل خطايا العالم. بقيامته من الموت، أظهر انتصاره على الخطية والموت. هذا الخلاص ليس مكافأة على أعمال صالحة، بل هو نعمة مجانية تُمنح لكل من يضع ثقته في المسيح.

معلومات إضافية

مواقع إلكترونية:

النصوص المقدسة:

  • الغورو جرانث صاحب (Guru Granth Sahib)
  • آدي جرانث (Adi Granth)

الأعضاء:

يُقدّر عدد السيخ عالميًا بين 20 إلى 30 مليون شخص.

الهوامش

  1. المعلم (Guru): وهو مُرشد إلهي أو مُعلِّم روحي. عودة
  2. باكتي مارغا – Bhakti marga: أحد المسالك الهندوسية الثلاثة، وكلمة باكتي تحمل معنى (الإخلاص، التقوى، أو العبادة). وبالتالي فإن باكتي يوغا Bhakti youga هي اليوغا المكرّسة لمسلك التقوى، وتشتمل على التأمل، ترديد المانترات (الكلمات التي تستخدم أثناء التأمل) ومتابعة تعاليم المعلم (غورو – Guru). إن الباكتي هي أكثر المسالك شعبيةً في الديانة الهندوسية. عودة
  3. الصوفية: اسم لطائفة صوفية إسلامية اشتُق من الكلمة العربية “صوف”، وهو المادة التي كان يرتديها العديد من أعضاء هذه الطائفة. يرى أتباع الصوفية الله بطريقة صوفية، أي أنه يجب أن يُختبر داخليًا. عودة
  4. الجانو (Janeu): الجانو، المعروف أيضًا بالخيط المقدس في الهندوسية، هو رمز ديني هام يرتديه الهندوس من الطبقات العليا. يتم ارتداء هذا الخيط فوق كتف واحد وعبر الصدر، ويتم منحه أو ارتداؤه خلال حفل الأوبانايانا (Upanayana)، وهو الطقس الذي يترافق مع وصول الذكور الشباب من الطبقات الثلاث العليا إلى مرحلة البلوغ وبالتالي إلى المجتمع الهندوسي. يُعتقد أن للجانو خصائص حماية، حيث يُقال إن عقده، المعروفة بـ”براهم-جرانثي” (عقد الخالق)، لها قوة لصد التأثيرات الشريرة. عودة
  5. السيخ سانغات (Sikh Sangat): مصطلح “سانغات” في السياق السيخي يشير إلى التجمع الروحي للمؤمنين أو المجتمع الذي يجتمع لعبادة الله ومشاركة التعاليم الروحية. يُعتبر هذا التجمع أحد الركائز الأساسية في السيخية، حيث يُشجع الأفراد على المشاركة في الصلاة الجماعية، وتلاوة نصوص الكتاب المقدس السيخي أي “الجورو جرانث صاحب”، وخدمة الآخرين من خلال تقديم الطعام والخدمات المجانية (سيوا). عودة
  6. غورموخي (Gurmukhi): تعني “من فم الغورو”، وهي الأبجدية المستخدمة لكتابة نصوص السيخ المقدسة. عودة
  7. آدي جرانث (Adi Granth): النص الأساسي الأول للسيخية، والذي يضم تعاليم الغورو والقصائد الروحية. عودة
  8. المييري والبييري (Miri-Piri): مفهوم يشير إلى توازن السلطة الروحية والدنيوية. عودة
  9. الخالصا (Khalsa): الخالصا، التي تعني “النقاء” في السيخية، هي جماعة دينية وروحية أُسست على يد الغورو جوبيند سينغ (Gobind Singh) في عام 1699. جاءت هذه الجماعة كجزء من حفل ديني يُعرف بـ”أمريت باهول (Amrit Pahul)” حيث تم تدشين خمسة أفراد سيخ يُعرفون بـ”البنج بياري (Panj Piares)” كأوائل المنضمين للخالصا. طُلب من الأعضاء الالتزام بـ”البنج كاكه (Panj Kakke)” أو الرموز الخمسة (Kesh، Kangha، Kara، Kachera، Kirpan)، التي أصبحت هوية مميزة للخالصا. اليوم، يُشكل أتباع الخالصا الفصيل الأرثوذكسي داخل المجتمع السيخي الأوسع، ويمثلون حوالي 20% من إجمالي السيخ في العالم. عودة
  10. الخمسة ك (Five Ks): رموز الخالصا، تشمل الشعر الطويل (Kesh)، المشط (Kangha)، السوار الحديدي (Kara)، السروال القصير (Kachera)، والسيف (Kirpan). عودة
  11. الحضور (Immanence): يستخدم اللاهوتيّون المسيحيّون هذا المصطلح ليشيروا إلى قُرب الله من خليقته (وهو يتميز عن السموّ). تتحدث المسيحية التقليدية عن كل من الحضور الإلهي والسمو الإلهي لوصف علاقة الله بالخليقة. ونجد أن العديد من الديانات غير المسيحية والفرق الدينية تقوم بالتأكيد على أنَّ حضور الله يُفقده سموّه أو أنَّ سموُّه يُفقده حضوره. عودة
  12. السموّ (Transcendence): تعليم وعقيدة مسيحية تقليدية تقول بأنَّ الله متميّز ومُختلف عن خليقته. إن هذا الانفصال ليس واضحاً في الديانات الوحدوية (Pantheistic). عودة
  13. راجع قانون الإيمان النيقاوي. عودة
  14. موكشا (Moksha): هي عملية الخروج من النهج المخادع للوهم (مايا Maya). ويطلق على هذه العملية لفظ موكسا (Moksa) أي التَّحرُّر. عودة
  15. سامسرا (Samsara): وهي حالة من التجول أو الضياع الذي لا نهاية له للروح من خلال مختلف أشكال الحياة الدنيا والعليا. عودة
  16. مذهب وحدة الوجود (Pantheism): أصل هذه التسمية مشتق من الكلمتين اليونانيّتين Pan ”كلّ“ و Theos ”الله“؛ أي أن الترجمة الحرفية ستكون ”الكُلّ الله“. إن وحدة الوجود هي الإيمان بأنَّ الله هو كلّ شيء، وكلّ شيء هو الله. وفق هذا المذهب لا يوجد أي تفريق بين الطبيعة وبين الله. فالمادة ليست سوى امتداد لواقع واحد. يتم تبني أحد أشكال هذا الفكر في الديانة الهندوسية ومشتقاتها. عودة

المراجع

  • Paul Lee Tan, Encyclopedia of 7700 Illustrations, 1996.
  • Merriam-Webster, Collegiate Dictionary, 2003.
  • Ron Geaves, Continuum Glossary of Religious Terms, 2002.
  • Larry A. Nichols, et al., Encyclopedic Dictionary of Cults, Sects, and World Religions, 2006.
  • Horace Arthur Rose, et al., Encyclopædia of Religion and Ethics, 1908–1926.
  • Samuel Macauley Jackson, ed., The New Schaff-Herzog Encyclopedia of Religious Knowledge, 1908–1914.
  • Winfried Corduan, Pocket Guide to World Religions, 2006.
  • Got Questions Ministries, Got Questions? Bible Questions Answered.
  • Garry R. Morgan, Understanding World Religions in 15 Minutes a Day, 2012.
  • C. Gordon Olson and Don Fanning, What in the World Is God Doing?, 2013.

التعليقات

اترك رد