يقول المعترض إنَّ سفر الملوك الثاني ٢٤: ٦ يقول إنَّ يهوياكين قد تولى الحكم بعده، إلا أنَّ إرميا ٣٦: ٣٠ تشير إلى أنَّه لم يوجد خلفٌ ليهوياقيم.
”ثُمَّ اضْطَجَعَ يَهُويَاقِيمُ مَعَ آبَائِهِ، وَمَلَكَ يَهُويَاكِينُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ.“
الملوك الثاني ٢٤: ٦
”لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ عَنْ يَهُويَاقِيمَ مَلِكِ يَهُوذَا: لاَ يَكُونُ لَهُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ، وَتَكُونُ جُثَّتُهُ مَطْرُوحَةً لِلْحَرِّ نَهَارًا، وَلِلْبَرْدِ لَيْلاً.“
إرميا ٣٦: ٣٠
الرد
لقد فشل المعترض في القيام بقراءة دقيقة للنصوص التي قام بتقديمها، إذ إنَّ يهوياكين هو من خلف والده يهوياقيم كما هو مذكور في سفر الملوك الثاني ٢٤: ٦.
أما ما يسجله إرميا ٣٦: ٣٠ فلا ينكر أو يناقض هذا الأمر، إنما ينقل لنا وعد الله بأنَّه سوف يأتي زمان لن يكون فيه ليهوياقيم أي نسلٍ ليجلس على كرسي داود. وهذا الأمر قد حصل.
إذ إنَّ مُدَّة حُكم يهوياكين في أورشليم كانت قصيرةً جدًا، حيث إنَّها امتدت لمدة ثلاثة أشهرٍ. وبعد ذلك فإن النسل الملوكي الذي ينحدر من يهوياقيم قد انتهى، فلم يوجد بعد ذلك أيٌّ من ذريته البيولوجيّة بين من جلسوا على عرش داود. ولا توجد أي آية تناقض هذا السرد.
فالآية الواردة في إرميا ٣٦: ٣٠ لا تنكر وجود نسلٍ ليهوياقيم، إنما تقول إنَّه سوف يكون هنالك وقتٌ (وهو قريب) لا يكون فيه ليهوياقيم جالسٌ على كرسيّ داود. وذلك كان بمثابة تحديد لنهاية مُلكِ سلالته.
وهذه النبوءة قد تحققت بعد ثلاثة أشهر وعشرة أيام من بدء حكم يهوياكين ابن يهوياقيم حين وقع حصار أورشليم واحتلالها من قبل ملك بابل، وانتهى بذلك حكم سلالة يهوياقيم إلى الأبد.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.