مقدمة
يشغل قانون العهد القديم مكانة أساسية في الإيمان المسيحي، حيث يوفر إطارًا لفهم شخصية الله ووعوده العهدية وخطته الفدائية التي تحقَّقت في المسيح. بالنسبة إلى المسيحيين المؤمنين بعصمة الكتاب المقدس، لا يُعتبر العهد القديم وثيقة تاريخية فحسب، بل إعلانًا موحى به إلهيًا ويشكل جزءًا من قانون الكتاب المقدس. يستعرض هذا المقال عملية الاعتراف بقانون العهد القديم، والمعايير المستخدمة لتأكيد سلطته، وسبب تضمين بعض النصوص واستبعاد غيرها.
الخلفية التاريخية لقانون العهد القديم
يشمل قانون العهد القديم الكتب التي اعترفت بها الجماعات اليهودية والمسيحيون الأوائل باعتبارها موحاة ولها سلطة إلهية. تقليديًا، ينقسم القانون إلى ثلاثة أقسام رئيسية: التوراة (الناموس)، والأنبياء، والكتب. هذا التقسيم يعكس الأهمية التاريخية واللاهوتية لهذه النصوص في الحياة الدينية لإسرائيل وفي تكوين العقيدة المسيحية المبكرة.
التوراة (الناموس)
تُعرف أيضًا بأسفار موسى الخمسة، وهي:
- التكوين
- الخروج
- اللاويين
- العدد
- التثنية
تُعدّ هذه الأسفار العمود الفقري للشريعة اليهودية، وقد اعترف بها على نطاق واسع بوصفها قواعد أساسية نُسبت إلى النبي موسى، حيث تقدم السرد التاريخي للخليقة، واختيار إسرائيل، وإقامة العهد مع الله، إلى جانب التشريعات الدينية والمدنية.
الأنبياء
يشمل هذا القسم كتابات الأنبياء الكبار والصغار، وينقسم إلى قسمين رئيسيين:
الأنبياء الأولون (التاريخيون)
- يشوع
- القضاة
- صموئيل الأول والثاني
- الملوك الأول والثاني
الأنبياء الآخرون (الأدبيون)
- إشعياء
- إرميا
- حزقيال
- الأنبياء الصغار (وتتضمن كتبًا مثل هوشع، ويوئيل، وعاموس، وغيرها، مجموعها 12 كتابًا)
الكتب (الكتابات)
تضم النصوص الشعرية والحكمية، بالإضافة إلى بعض النصوص التاريخية. من أبرزها:
- المزامير
- الأمثال
- أيوب
- نشيد الأنشاد
- الجامعة
- مراثي إرميا
- دانيال
- عزرا-نحميا
- أخبار الأيام الأول والثاني
يُعتبر هذا القسم مميزًا لاحتوائه على نصوص تتناول مواضيع لاهوتية وفلسفية عميقة، بالإضافة إلى سرد تاريخي للأحداث المتأخرة في تاريخ إسرائيل. رغم أنه لقي قبولًا لاحقًا مقارنة بالتوراة والأنبياء، إلا أن تأثيره العميق واتساقه مع باقي القانون منحاه الاعتراف الواجب بكونه جزءًا من الوحي المقدس.
أهمية هذا التقسيم
يرى علماء التقليد المُصلَح، مثل ف. ف. بروس، أن الاعتراف بهذه النصوص لم يكن نتيجة قرار مؤسسي بل كان نتيجة عملية عضوية داخل المجتمع اليهودي. تم قبول هذه النصوص بسبب انسجامها مع اللاهوت العهدي وارتباطها المباشر بالوحي النبوي والإرشاد الإلهي.
معايير قانونية الكتب (الأسفار) المقدسة
استخدم المجتمع اليهودي المبكر عدة معايير للاعتراف بالكتب التي ستشكل قانون العهد القديم. من بين هذه المعايير، تبرز ثلاثة رئيسية: النسب النبوي، التوافق العقائدي، والاستخدام الواسع.
- النسب النبوي: كان للكتب التي تُنسب إلى أنبياء أو قادة نطقوا بسلطة إلهية مكانة متميزة. كان هذا المعيار محوريًا لأن النسب النبوي يشير إلى وحي إلهي. لذلك، قُبلت الكتابات المنسوبة إلى شخصيات مثل موسى وصموئيل وإشعياء وإرميا بسهولة إذ كان يُنظر إليها على أنها تنقل التواصل المباشر من الله.
- التوافق العقائدي: لكي يُعتبر النص قانونيًا، كان يجب أن يتوافق مع الأسس اللاهوتية الموضوعة في الكتب السابقة، خاصة أسفار موسى الخمسة. لم يُقبل أي كتابة تخالف العقائد العهدية أو تقدم تعاليم غير متوافقة مع التوحيد.
- الاستخدام الواسع: ساهم استخدام الكتاب على نطاق واسع في جميع أنحاء إسرائيل وداخل السياقات التعبّديّة في قبوله. كان الاستخدام المتسق بين الشعب اليهودي مؤشرًا على الاعتراف الجماعي بقيمة الكتاب وسلطته. وبحلول زمن يسوع، كانت الأسفار العبرية قد تأسست ضمن هذا الإطار، واعترف الشعب اليهودي بها ذات سلطة وأكدها المسيحيون الأوائل لاحقًا.
اعتراف يسوع بقانون العهد القديم
من النقاط المهمة في فهم قانون العهد القديم هو اعتراف يسوع بهذه الأسفار ذات سلطة. أشار يسوع إلى الناموس والأنبياء والكتابات، مما يؤكد التقسيم الثلاثي المعروف في التقليد اليهودي. قال يسوع:
“لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير” (لوقا 24: 44).
بهذا التصريح، يظهر يسوع فهمه للعهد القديم بوصفه كلمةً موحى بها من الله. علاوة على ذلك، كان يسوع كثيرًا ما يستشهد بنصوص العهد القديم لتأكيد رسالته وتعاليمه، مثلما حدث أثناء تجربته في البرية حين قال:
“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (متى 4: 4؛ تثنية 8: 3).
استخدام العهد القديم في العهد الجديد
لم يقتصر اعتراف يسوع بسلطة العهد القديم عليه وحده، بل امتد إلى الرسل الذين اقتبسوا منه بشكل مستمر في كتاباتهم. قال بولس الرسول:
“كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر” (2 تيموثاوس 3: 16).
كما أشار بطرس إلى الطبيعة الإلهية للوحي الكتابي بقوله:
“تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2 بطرس 1: 21).
أهمية العهد القديم في الرسالة المسيحية
يتفق منظور الإيمان المُصلَح على أن العهد القديم ليس مجرد سجل تاريخي، بل هو كلمة الله المعلنة التي تشير إلى المسيح وتحقق وعود الله بالخلاص. يقول يسوع:
“فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي” (يوحنا 5: 39).
هذا الربط بين العهد القديم والمسيح يُبرز دوره الأساسي في القانون المسيحي ويؤكد على استمرارية خطة الله الخلاصية بين العهدين.
رفض الأسفار القانونية الثانية
لم تُضمّن الأسفار القانونية الثانية (الأبوكريفا)، التي كُتبت خلال فترة ما بين العهدين، في القانون العبري. ورغم أن هذه الكتب تقدم رؤى تاريخية، إلا أنها لا تتوافق مع معايير الوحي الإلهي والسلطة التي تحوزها الكتب القانونية. تشمل الأسفار القانونية الثانية كتبًا مثل المكابيين الأول والثاني وطوبيا وسيراخ، وقد أُدرجت في الترجمة السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم) ولكنها لم تُدرج في الكتاب المقدس العبري. في التقليد المُصلَح، واتباعًا للقانون اليهودي، لا تُضمّن الأسفار القانونية الثانية في العهد القديم. وترجع الأسباب الرئيسية لهذا الاستبعاد إلى عدم وجود نسب نبوي، وتعارض عقائدي مع الكتابات القانونية، وعدم وجودها في التقليد العبري الذي أكده يسوع والرسل. من وجهة نظر الإيمان المُصلَح، فإن إضافة هذه النصوص من شأنها أن تضعف الاتساق العقائدي والنقاء اللاهوتي الذي يميز قانون العهد القديم.
دور المجامع اليهودية المبكرة في الاعتراف بالقانون
وصلت عملية الاعتراف بقانون العهد القديم إلى درجة من الرسمية في زمن مجمع جامنيا (حوالي 90م) حيث ناقش القادة اليهود وضع بعض الكتابات. ورغم أن هذا المجمع لم “يخلق” القانون، إلا أنه أكد الكتب التي كانت معترفًا بها بالفعل بوصفها ذات سلطة داخل التقليد اليهودي. كان لهذا المجمع دور كبير في تثبيت حدود الأسفار العبرية، التي يعترف بها اللاهوت المُصلَح بوصفها قانون العهد القديم. ومع ذلك، يشدد منظور الإيمان المُصلَح على أن المجامع لم تحدد القانون، بل اعترفت بما كان واضحًا بالفعل بين شعب الله. لقد كانت كتب العهد القديم تتمتع بصفة تأكيد ذاتي، يتجلى في استخدامها في العبادة والتعليم وارتباطها باللاهوت العهدي. تتوافق هذه العملية من الاعتراف مع النظرة من منظور الإيمان المُصلَح التي تعتبر أن سلطة الكتاب المقدس ذاتية وليست ممنوحة من المجامع أو المؤسسات البشرية.
قانونية الأسفار والحفظ الإلهي
يعلّم اللاهوت الإنجيلي المُصلَح أن عناية الله لعبت دورًا حاسمًا في حفظ قانون العهد القديم. ويستند هذا الاعتقاد إلى عقيدة الوحي، التي تؤكد أن الله لم يلهم النصوص الكتابية فحسب، بل حفظ أيضًا نقلها عبر الأجيال. إن الحفاظ على العهد القديم، من المخطوطات القديمة إلى الترجمات المبكرة، يعكس قصد الله في إبقاء كلمته متاحة لشعبه. يمثل النص الماسوري، وهو النص العبري الأساسي للعهد القديم، مثالًا على هذا الحفظ. وقد ضمن الاهتمام الدقيق الذي أبداه الماسوريون في نسخ الكتاب المقدس درجة عالية من الدقة، مما حافظ على سلامة النص للأجيال القادمة. يرى علماء التقليد المُصلَح أن هذا جزء من عناية الله، مؤكدين أن قانون العهد القديم، كما تم حفظه من خلال الأسفار العبرية، لا يزال موثوقًا وذو سلطة.
سلطة قانون العهد القديم
في الفكر المُصلَح، تُشتق سلطة العهد القديم مباشرة من الله، وليس من خلال الموافقة البشرية. تؤكد هذه النظرة أن كتب العهد القديم تتمتع بسلطة إلهية بسبب وحيها ومحتواها، وليس بسبب مصادقة مؤسسية. يُعتبر قانون العهد القديم شاهدًا ذاتيًا على إعلان الله، وقد قبله شعب الله بسبب مصدره الإلهي الذي يظهر جليًا من خلال مضمونه. تعد سلطة العهد القديم أساسية لفهم العهد الجديد، حيث يقدم مواضيع الخلق والسقوط والعهد والفداء التي يحققها العهد الجديد. ومن خلال الاعتراف بقانون العهد القديم، يؤكد الإنجيليون ذوو الإيمان المُصلَح استمرار صلاحيته وسلطته الملزمة للإيمان والحياة المسيحية. يعزز هذا الاعتراف أن العهد القديم ليس مجرد خلفية تاريخية، بل هو جزء من كلمة الله الدائمة، وجزء لا يتجزأ من القانون المسيحي.
خاتمة
يكشف تكوين قانون العهد القديم عن عملية تميزت بالتوجيه الإلهي، والاعتراف التاريخي، والاتساق اللاهوتي. بالنسبة للإنجيليين الإصلاحيين، يُعتبر قانون العهد القديم، كما اعترفت به الجماعة اليهودية وأكده المسيح والرسل، شهادة حية على أمانة الله في إعلان كلمته وحفظها عبر الأجيال. هذا القانون لا يشكل فقط أساس مبدأ الكتاب المقدس وحده، بل يقدم النصوص التأسيسية التي بُني عليها الإيمان المسيحي. إن فهم معايير تكوين قانون العهد القديم وسياقه التاريخي يعزز ثقة المؤمنين بموثوقية وسلطة هذه النصوص المقدسة. فمن خلال هذا القانون، يظهر الإعلان الإلهي الذي يمهد الطريق لعمل الله الخلاصي في المسيح. وهكذا، يعيد العهد القديم تأكيد دوره المحوري في الإيمان المسيحي، ليس فقط كنص تاريخي، بل كنص يتحدث عن خطة الله الكاملة التي بلغت ذروتها في شخص المسيح وفدائه.
مراجع
- T. Desmond Alexander and Brian S. Rosner, Eds., New Dictionary of Biblical Theology, electronic ed. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2000).
- Walter A. Elwell and Philip Wesley Comfort, Tyndale Bible dictionary, 2001.
- David Noel Freedman, Gary A. Herion, David F. Graf, John David Pleins, and Astrid B. Beck, Eds., The Anchor Yale Bible Dictionary, 1992.
- Charles F. Pfeiffer, Howard Frederic Vos, and John Rea, The Wycliffe Bible Encyclopedia, 1975.
- Philip Schaff and Henry Wace, Eds., St. Athanasius: Select Works and Letters, A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series. (New York: Christian Literature Company, 1892), 4.
- Philip Schaff and Henry Wace, Eds., The Seven Ecumenical Councils, A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series. (New York: Charles Scribner’s Sons, 1900), 14.
- Donald K. McKim and David F. Wright, Encyclopedia of the Reformed faith, 1992.
- New Arabic Version (Ketab El Hayat). (Biblica, 2012).
- James Orr, John L. Nuelsen, Edgar Y. Mullins, and Morris O. Evans, Eds., The International Standard Bible Encyclopaedia, 1915, 1–5.
- Isidore Singer, Ed., The Jewish Encyclopedia: A Descriptive Record of the History, Religion, Literature, and Customs of the Jewish People from the Earliest Times to the Present Day, 12 Volumes, 1901–1906.
- John D. Barry, David Bomar, Derek R. Brown, Rachel Klippenstein, Douglas Mangum, Carrie Sinclair Wolcott, Lazarus Wentz, Elliot Ritzema, and Wendy Widder, Eds., The Lexham Bible Dictionary, 2016.
- Legacy Standard Bible. (Three Sixteen Publishing, 2022).
- Samuel Macauley Jackson, Ed., The new Schaff-Herzog encyclopedia of religious knowledge, 1908–1914.
- F. L. Cross and Elizabeth A. Livingstone, Eds., The Oxford dictionary of the Christian Church, 2005.
- ج. و. كروكن، علم اللاهوت: الكتاب المقدس وسلطانه.. الجزء الثالث، الجزء الخامس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مركز المطبوعات المسيحية، 2008–2018).
- د. هيرمان بافينك، *بين العقل والإيمان: كيف نفهم إعلان الله؟* الجزء الأول. ترجمة د. عبد المسيح أسطفانوس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مركز المطبوعات المسيحية، 2008–2018).
- بماذا يُفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، واين جرودم. مطبوعات إيجلز، ٢٠٠٢.
- القس بسام مدني، وحي الكتاب المقدس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مطبوعات ساعة الإصلاح، مركز المطبوعات المسيحية، ١٩٨٠).
اترك رد