الأبوكريفا والأسفار القانونية الثانية: منظور الإيمان المُصلَح

مقدمة

تشير الأبوكريفا، المعروفة أيضًا بالأسفار القانونية الثانية، إلى مجموعة الكتابات التي أُنتجت خلال الفترة البينية، وهي القرون التي تفصل بين نهاية العهد القديم وبداية العهد الجديد. عُرِفت هذه الحقبة، التي تُسمى غالبًا «السنوات الصامتة»، بغياب أصوات نبوية معترف بها، ولكنها كانت مليئة بالتطورات التاريخية والثقافية واللاهوتية داخل المجتمع اليهودي. ورغم أن هذه الكتابات تمتلك قيمة عالية تساعد على فهم هذه الفترة الانتقالية، فإننا نجد أن اللاهوت المُصلَح يرفض إضافتها إلى الكتاب المقدس الموحى به. في المقابل، فإنها تحمل وضعًا مختلفًا في الكاثوليكية الرومانية والأرثوذكسية الشرقية، حيث تُدرج بدرجات متفاوتة في قانونيهما الكتابيين. يستعرض هذا المقال طبيعة الأبوكريفا، والاختلافات بين الأسفار القانونية الكاثوليكية والأرثوذكسية، وأسباب رفض البروتستانت ذوي الإيمان المُصلَح إضافة هذه الأسفار إلى الأسفار الموحى بها.

ما هي الأبوكريفا أو الأسفار القانونية الثانية؟

مصطلح الأبوكريفا مشتق من كلمة يونانية تعني «مخفي» أو «غامض»، ويشير عمومًا إلى مجموعة من الكتابات التي ظهرت خلال الفترة البينية، الممتدة من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي. تتناول هذه الكتابات أنواعًا أدبية متنوعة، بما في ذلك الروايات التاريخية (مثل المكابيين الأول والثاني)، وأدب الحكمة (مثل سيراخ وحكمة سليمان)، والقصص التعبدية (مثل طوبيا ويهوديت). وتوفر هذه النصوص رؤى حول حياة اليهود في ظل الهيمنة الأجنبية، خاصة في ظل اليونانيين والرومان، وتعكس نضالات وآمال المجتمعات اليهودية في هذه الفترة التي شهدت العديد من الاضطرابات.

في الكاثوليكية، يُستخدم مصطلح الأسفار القانونية الثانية لوصف هذه الكتب، التي تم الاعتراف بها رسميًا ككتب قانونية في مجمع ترينت عام 1546. أما الأرثوذكسية الشرقية، فتشمل مجموعة أوسع من النصوص في قانونها الكتابي، بعضها غير موجود في الأبوكريفا الكاثوليكية. تعكس هذه الاختلافات تباين وجهات النظر حول كيفية إدراج هذه الكتب والتعامل معها في التقاليد المسيحية المختلفة.

الاختلافات بين الأبوكريفا الكاثوليكية والأرثوذكسية

تعترف الكنيسة الكاثوليكية بسبعة كتب كأسفار قانونية ثانية: طوبيا، ويهوديت، والحكمة (حكمة سليمان)، وسيراخ (يشوع بن سيراخ)، وباروخ، والمكابيين الأول والثاني، بالإضافة إلى إضافات معينة في كتابَي دانيال (مثل نشيد الفتية الثلاثة) وإستير. وتُعتبر هذه الكتب جزءًا من قانون العهد القديم الكاثوليكي وكتبًا موحى بها.

أما الأرثوذكسية الشرقية، فتتضمن نصوصًا إضافية في قانونها، مثل المكابيين الثالث والرابع (في بعض التقاليد)، وصلاة مِنَسَّى. كما تعترف الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية بالمزمور 151 كجزء من سفر المزامير. تستند هذه النصوص الإضافية إلى الترجمة السبعينية، وهي الترجمة اليونانية للأسفار العبرية، التي أصبحت النص الكتابي الرئيسي للمسيحيين الناطقين باليونانية في الكنيسة المبكرة.

يعكس الاختلاف بين القانونين المسارين اللاهوتيين والتاريخيين المختلفين. ففي حين قامت الكنيسة الكاثوليكية بترسيخ قانونها ردًا على الإصلاح البروتستانتي، تطور قانون الأرثوذكسية الشرقية في سياق أوسع داخل التقليد المسيحي الشرقي، غالبًا دون إعلانات رسمية كما في الكاثوليكية. توضح هذه الفروقات الطرق المتنوعة التي تعاملت بها هذه التقاليد مع النصوص الأبوكريفية وفهمها لسلطة الكتاب المقدس.

الفترة البينية: السياق التاريخي

تشير الفترة البينية، المعروفة أيضًا بفترة الهيكل الثاني، إلى نحو 400 عام تمتد من نهاية قانون العهد القديم (سفر ملاخي أو أخبار الأيام، حسب التقليد) إلى حقبة العهد الجديد. تميزت هذه الفترة بتحولات سياسية ودينية وثقافية كبيرة. بعد العودة من السبي البابلي، أعاد اليهود بناء الهيكل، وطوروا أشكالًا جديدة من العبادة، وشكلوا هوية دينية وسياسية معقدة تحت حكم الإمبراطوريات المتعاقبة، بما في ذلك الفرس واليونانيون والرومان.

كان للثقافة الهلنستية، التي جلبتها فتوحات الإسكندر الأكبر، تأثير عميق على الحياة والفكر اليهودي. أصبحت اللغة اليونانية اللغة المشتركة في المنطقة، وتم إنتاج الترجمة السبعينية لجعل الأسفار العبرية متاحة لليهود الناطقين باليونانية. شكلت الثورة المكابية (167–160 ق.م.) ضد القمع الهلنستي وسلالة الحشمونيين اللاحقة معالم المقاومة اليهودية، وبلورت طموحات الشعب اليهودي في الحصول على الاستقلال الديني والوطني.

في هذا السياق ظهرت كتب الأبوكريفا، التي تعكس النضالات الروحية والثقافية للشعب اليهودي. فعلى سبيل المثال، تسرد كتب المكابيين الأول والثاني الثورة المكابية، مبرزةً موضوعات الإخلاص والتدخل الإلهي، بينما تتناول حكمة سليمان التحديات التي تواجه الهوية اليهودية في عالم هلنستي. ورغم أنها ليست نبوية بطبيعتها، فإنها تقدم نافذة على الآمال والتحديات في تلك الحقبة.

معايير قانونية الكتاب المقدس وفقًا للفكر المُصلَح

يطبق اللاهوت المُصلَح معايير محددة لتحديد قانونية النصوص الكتابية. تشمل هذه المعايير:

  1. التأليف النبوي: يجب أن يكون الكتاب مكتوبًا بواسطة نبي معترف به أو شخصية رسالية تتحدث بالوحي الإلهي. ولأن كتب الأبوكريفا كُتبت في فترة لم يكن فيها أنبياء معترفون، فإنها لا تستوفي هذا المعيار.
  2. التناسق العقائدي: يجب أن يتماشى النص القانوني عقائديًا مع تعاليم العهدين القديم والجديد. تُستبعد كتب الأبوكريفا بسبب احتوائها على أفكار تتعارض مع الكتابات المقدسة، مثل الصلاة من أجل الموتى (2 مكابيين 12: 45–46).
  3. القبول العام: كان لا بد أن تُعترف الكتب القانونية وتُستخدم بوصفها سلطة في المجتمعين اليهودي أو المسيحي. لم تكن الأبوكريفا جزءًا من الكتابات العبرية التي حفظها المجتمع اليهودي.

اعتراضات اللاهوت المُصلَح على الأبوكريفا

يرفض اللاهوت المُصلَح إدراج الأبوكريفا في الكتاب المقدس لعدة أسباب:

  • غياب السلطة النبوية: لم يعتبر المجتمع اليهودي الأبوكريفا جزءًا من الكتاب المقدس العبري، مما يؤكد وضعها غير القانوني.
  • اختلافات عقائدية: تتضمن كتب الأبوكريفا أفكارًا تتناقض مع لاهوت الكتاب المقدس، مثل مفهوم الخلاص القائم على الاستحقاق.
  • الاعتراف المتأخر: لم تُعتبر الأبوكريفا نصوصًا قانونية في الكنيسة الكاثوليكية إلا في القرن السادس عشر، وكان تطور القانون الأرثوذكسي مشابهًا، حيث كان تدريجيًا ومتنوعًا حسب المناطق.

رؤية الكتاب المقدس والتقليد من منظور الإيمان المُصلَح

يؤكد اللاهوت المُصلَح مبدأ الكتاب وحده، مشيرًا إلى أن الكتاب المقدس وحده هو السلطة النهائية للإيمان والممارسة. ورغم الاعتراف بالقيمة التاريخية والثقافية للأبوكريفا، فإن الفكر الإنجيلي المُصلَح يعتبر أن هذه الكتابات ليست موحى بها، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها كتابًا مقدسًا. يحافظ هذا الموقف على نقاء القانون الكتابي وكفايته، مؤكدًا أن وحي الله مكتمل في الكتب الـ66 للعهدين القديم والجديد.

خاتمة

تشغل الأبوكريفا والأسفار القانونية الثانية موقعًا فريدًا في تاريخ قانون الكتاب المقدس. ورغم قيمتها لفهم التاريخ والثقافة، فإنها لا تستوفي معايير القانون التي استعملها المجتمع اليهودي والكنيسة المبكرة. تبرز الاختلافات بين القانون الكاثوليكي والأرثوذكسي التنوع في كيفية تعامل هذه التقاليد مع النصوص الأبوكريفية. يلتزم اللاهوت المُصلَح بمبدأ الكتاب المقدس وحده، مؤكدًا كفاية الكتاب المقدس وسلطته، مما يضمن أن يظل الكتاب المقدس المرشد النهائي للإيمان والحياة.


المراجع

  • T. Desmond Alexander and Brian S. Rosner, Eds., New Dictionary of Biblical Theology, electronic ed. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2000).
  • Walter A. Elwell and Philip Wesley Comfort, Tyndale Bible Dictionary, 2001.
  • David Noel Freedman, Gary A. Herion, David F. Graf, John David Pleins, and Astrid B. Beck, Eds., The Anchor Yale Bible Dictionary, 1992.
  • Charles F. Pfeiffer, Howard Frederic Vos, and John Rea, The Wycliffe Bible Encyclopedia, 1975.
  • Philip Schaff and Henry Wace, Eds., St. Athanasius: Select Works and Letters, A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series. (New York: Christian Literature Company, 1892), 4.
  • Philip Schaff and Henry Wace, Eds., The Seven Ecumenical Councils, A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series. (New York: Charles Scribner’s Sons, 1900), 14.
  • Donald K. McKim and David F. Wright, Encyclopedia of the Reformed Faith, 1992.
  • New Arabic Version (Ketab El Hayat). (Biblica, 2012).
  • James Orr, John L. Nuelsen, Edgar Y. Mullins, and Morris O. Evans, Eds., The International Standard Bible Encyclopaedia, 1915, 1–5.
  • Isidore Singer, Ed., The Jewish Encyclopedia: A Descriptive Record of the History, Religion, Literature, and Customs of the Jewish People from the Earliest Times to the Present Day, 12 Volumes, 1901–1906.
  • John D. Barry, David Bomar, Derek R. Brown, Rachel Klippenstein, Douglas Mangum, Carrie Sinclair Wolcott, Lazarus Wentz, Elliot Ritzema, and Wendy Widder, Eds., The Lexham Bible Dictionary, 2016.
  • Legacy Standard Bible. (Three Sixteen Publishing, 2022).
  • Samuel Macauley Jackson, Ed., The New Schaff-Herzog Encyclopedia of Religious Knowledge, 1908–1914.
  • F. L. Cross and Elizabeth A. Livingstone, Eds., The Oxford Dictionary of the Christian Church, 2005.
  • ج. و. كروكن، علم اللاهوت: الكتاب المقدس وسلطانه، الجزء الثالث، الجزء الخامس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مركز المطبوعات المسيحية، 2008–2018).
  • د. هيرمان بافينك، بين العقل والإيمان: كيف نفهم إعلان الله؟، الجزء الأول. ترجمة د. عبد المسيح أسطفانوس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مركز المطبوعات المسيحية، 2008–2018).
  • واين جرودم، بماذا يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي. مطبوعات إيجلز، 2002.
  • القس بسام مدني، وحي الكتاب المقدس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مطبوعات ساعة الإصلاح، مركز المطبوعات المسيحية، 1980).

التعليقات

اترك رد