يزعم المعترض وجود تناقض في عدد أبناء إبراهيم، لأن العبرانيين ١١: ١٧ وتكوين ٢٢: ٢ يصفان إسحاق بأنه ابن إبراهيم “الوحيد”، في حين تذكر نصوص أخرى إسماعيل وأبناء قطورة.
العبرانيين ١١: ١٧ “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ.”
تكوين ٢٢: ٢ “فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».”
تكوين ١٦: ١٥ “فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لأَبْرَامَ ابْنًا. وَدَعَا أَبْرَامُ اسْمَ ابْنِهِ الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ «إِسْمَاعِيلَ».”
تكوين ٢١: ٢-٣ “فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لإِبْرَاهِيمَ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللهُ عَنْهُ. وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ابْنِهِ الْمَوْلُودِ لَهُ، الَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ سَارَةُ «إِسْحَاقَ».”
تكوين ٢٥: ١-٢ “وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحًا.”
الرد
ينشأ الاعتراض أولاً من عدم التمييز بين الأزمنة المختلفة للأحداث، كما يرتبط بمغالطة الفروع ومغالطة النطاق الدلالي لمعنى الكلمة. فالآيات المذكورة لا تصف جميعها إبراهيم في اللحظة التاريخية نفسها، كما أن كلمة “وحيد” لا يلزم أن تعني في كل سياق “الشخص الوحيد الذي وُلِدَ لأبيه”.
كان إبراهيم في مرحلة من حياته بلا أبناء، ثم وُلد له إسماعيل من هاجر كما يذكر تكوين ١٦: ١٥. وبعد ذلك وُلد إسحاق من سارة في الوقت الذي سبق أن وعد الله به، كما يذكر تكوين ٢١: ٢-٣. لذلك فإن مجرد ذكر عدد مختلف من الأبناء في مراحل مختلفة من حياة إبراهيم لا يشكل تناقضاً.
وقبل حادثة تقديم إسحاق الواردة في تكوين ٢٢، كان إسماعيل قد أُبعد مع هاجر عن بيت إبراهيم، كما يذكر تكوين ٢١: ١٤. ثم تأتي حادثة اختبار إبراهيم في الأصحاح التالي، حيث يأمره الله قائلاً: “خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق”. وبعد زمن لاحق يذكر تكوين ٢٥: ١-٢ أبناء إبراهيم من قطورة. لذلك لا يصح جمع جميع هذه النصوص كما لو أنها تصف عدداً ثابتاً من الأبناء في اللحظة نفسها.
لكن المسألة لا تتوقف عند التسلسل الزمني وحده. فإسحاق يتميز عن بقية أبناء إبراهيم بكونه ابن الموعد الذي وُلد من سارة بحسب وعد الله. ففي تكوين ١٧: ١٩ قال الله: “بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ”. ولذلك كان إسحاق متفرداً من جهة الوعد والعهد، حتى مع وجود أبناء آخرين لإبراهيم.
وهذا يتضح بصورة أكبر في العبرانيين ١١: ١٧. فالكلمة اليونانية المترجمة “وحيده” هي μονογενής، وتُقرأ “مونوجينيس”. والكلمة يمكن أن تدل على الوحيد، كما تحمل معنى الفريد أو المتفرد من نوعه. لذلك لا يلزم من استخدامها هنا القول إن إبراهيم لم يكن له أي ابن آخر من الناحية البيولوجية، بل ينسجم استعمالها مع مكانة إسحاق الفريدة بوصفه ابن الموعد الذي ارتبطت به الوعود التي قبلها إبراهيم.
ويؤكد سياق العبرانيين نفسه هذه النقطة، إذ لا يكتفي بالقول إن إبراهيم قدم “وحيده”، بل يصف إسحاق بأنه الابن المرتبط بالوعود التي قبلها إبراهيم. فالمقصود ليس تقديم إحصاء لجميع أبناء إبراهيم، وإنما إبراز تفرد إسحاق في تدبير الوعد الإلهي.
وتُستخدم الكلمة μονογενής أيضاً عن المسيح في يوحنا ٣: ١٦: “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ”. وفي الوقت نفسه يصف الكتاب المؤمنين بأنهم أبناء الله، كما في رومية ٨: ١٤ وغلاطية ٣: ٢٦. فكون المسيح الابن الفريد لا ينفي بنوة المؤمنين، لأن نوع البنوة ليس واحداً.
وبالمثل، تستخدم تكوين ٢٢: ٢ الكلمة العبرية יְחִידְךָ، من יָחִיד، وتُقرأ “ياخيد”، وتحمل معنى الوحيد أو المتفرد. والسياق نفسه يحدد المقصود تحديداً بقوله: “ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق”. فإسحاق هو الابن المتفرد في علاقته بوعد الله والعهد الذي أقامه الله معه.
ومن هنا تظهر مغالطة النطاق الدلالي لمعنى الكلمة: فالاعتراض يفترض أن “وحيد” لا يمكن أن تحمل إلا معنى “ليس لأبيه أي ابن آخر على الإطلاق”، ثم يقرأ النصوص كلها وفق هذا المعنى وحده. لكن السياق يحدد معنى الكلمة، وسياق كل من تكوين ٢٢ والعبرانيين ١١ يبرز المكانة الفريدة لإسحاق بوصفه ابن الموعد.
وعليه، لا يوجد تعارض بين النصوص. فالكتاب نفسه يذكر إسماعيل وأبناء قطورة، ولا يحاول إخفاء وجودهم، وفي الوقت نفسه يصف إسحاق بأنه “الوحيد” أو المتفرد بسبب مكانته الخاصة في الوعد والعهد. كما أن النصوص التي تذكر أبناء إبراهيم الآخرين تتناول مراحل مختلفة من حياته، فلا يمكن تحويل هذا الاختلاف الزمني والدلالي إلى تناقض.
ارتبط إسحاق بوعد خاص أعطاه الله لإبراهيم، ولذلك كان فريداً بين أبنائه. لكن الوعد الإلهي كان يتجه أبعد من إسحاق نفسه، إلى عمل الله في التاريخ من أجل خلاص شعبه. وفي ملء الزمان جاء يسوع المسيح، ومات من أجل الخطاة وقام من بين الأموات. ففيه نجد أن الله الذي كان أميناً لوعده لإبراهيم هو نفسه الذي يتمم وعد الخلاص، ويدعو الإنسان إلى التوبة والإيمان بالمسيح لنوال الغفران والحياة الأبدية.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة الفروع
تحدث مغالطة الفروع عندما يُعامل ذكر جزء من مجموعة أو تفصيل من حدث ما بوصفه متناقضاً مع رواية أخرى تذكر المجموعة كاملة أو تفاصيل إضافية.
لكن ذكر الواحد لا ينفي وجود اثنين، وذكر شخص واحد من مجموعة لا يعني أنه كان الشخص الوحيد الموجود. فقول شخص: “لدي خمسة أصابع في يدي اليمنى” لا يتناقض مع قوله: “لدي عشرة أصابع”، لأن الأصابع الخمسة جزء من العدد الكامل.
وبالطريقة نفسها، عندما يذكر أحد كتّاب الأناجيل ملاكاً واحداً، بينما يذكر كاتب آخر ملاكين، لا ينشأ تناقض ما لم يقل الكاتب الأول صراحةً إن ملاكاً واحداً فقط كان موجوداً. فقد يركّز الكاتب على الملاك الذي تكلم أو قام بالدور الأبرز، من دون أن ينفي وجود ملاك آخر.
لذلك لا يكفي اختلاف مقدار التفاصيل لإثبات التناقض. فالتناقض الحقيقي يتطلب أن يثبت نص أمراً، وينفي نص آخر الأمر نفسه، في الوقت نفسه، وبالمعنى نفسه. أما ذكر جزء من الحدث في رواية وتفاصيل أوسع في رواية أخرى، فهو تكامل في الشهادة لا تعارض بينها.
مغالطة النطاق الدلالي لمعنى الكلمة
تحدث هذه المغالطة حين يقوم القارئ بتحديد جميع المعاني التي قد تحملها الكلمة ثم بعد ذلك يقوم باختيار المعنى الذي يتناسب مع التفسير الذي يتبنّاه، عوضاً عن السماح لسياق النص أن يقوم بتحديد معناها، علماً أن سياق النص هو ما يقوم بتحديد المعنى وليس تفضيلات القارئ.