الاعتراض ٢٤: هل يوجد إله واحد أم آلهة كثيرة؟

,

يزعم المعترض وجود تناقض في تعليم الكتاب المقدس عن عدد الآلهة: فهل يوجد إله واحد كما يرد في التثنية ٤: ٣٥، ٣٩، ٦: ٤، ٣٢: ٣٩؛ الملوك الأول ١٨: ٣٩؛ أشعياء ٤٣: ١٠، ٤٤: ٨، ٤٥: ٥-٦، ٤٦: ٩؛ مرقس ١٢: ٢٩، ٣٢؛ يوحنا ١٧: ٣؛ وكورنثوس الأولى ٨: ٦، أم توجد آلهة متعددة كما قد يبدو من نصوص أخرى تتحدث عن “آلهة” أو تستخدم صيغة الجمع؟

ويستند المعترض إلى نصوص منها: التكوين ١: ٢٦، ٣: ٢٢، ١١: ٧؛ الخروج ١٢: ١٢، ١٥: ١١، ١٨: ١١، ٢٠: ٣، ٥، ٢٢: ٢٠، ٢٨، ٢٣: ١٣، ٢٤، ٣٢، ٣٤: ١٤؛ العدد ٣٣: ٤؛ التثنية ٣: ٢٤، ٦: ١٤-١٥، ١٠: ١٧، ٢٨: ١٤؛ يشوع ٢٤: ٢، ١٤؛ القضاة ١١: ٢٤؛ صموئيل الأول ٦: ٥، ٢٨: ١٣؛ أخبار الأيام الأول ١٦: ٢٥؛ المزامير ٨٢: ١، ٦، ٨٦: ٨، ٩٦: ٤، ٩٧: ٧، ١٣٥: ٥، ١٣٦: ٢؛ إرميا ١: ١٦، ١٠: ١١، ٢٥: ٦، ٤٦: ٢٥؛ صفنيا ٢: ١١؛ يوحنا ١٠: ٣٣؛ ويوحنا الأولى ٥: ٧.

الرد

ينشأ الاعتراض من عدم قراءة النصوص بطريقة متأنية، بالإضافة إلى المنطق المخادع؛ إذ يفترض أن كل استعمال لكلمة “إله” أو “آلهة” يجب أن يشير إلى آلهة حقيقية مساوية لله، ثم يبني على ذلك وجود تعارض مع النصوص التي تعلن أن الله واحد. لكن هذا الاستنتاج لا تفرضه النصوص.

فالكتاب المقدس يؤكد بوضوح أن هناك إلهاً واحداً. ويظهر ذلك في التثنية ٤: ٣٥، ٣٩، ٦: ٤، ٣٢: ٣٩؛ وفي الملوك الأول ١٨: ٣٩؛ وأشعياء ٤٣: ١٠، ٤٤: ٨، ٤٥: ٥-٦، ٤٦: ٩. ويتكرر التعليم نفسه في العهد الجديد في مرقس ١٢: ٢٩، ٣٢؛ يوحنا ١٧: ٣؛ وكورنثوس الأولى ٨: ٦. لذلك فإن وحدانية الله تعليم صريح ومتكرر في الكتاب المقدس.

وفي الوقت نفسه، يعلم الكتاب المقدس عن الآب والابن والروح القدس. وهذا هو التعليم عن الثالوث المقدس: الله واحد من حيث الجوهر الإلهي، وثلاثة أقانيم هم الآب والابن والروح القدس. ولذلك لا يوجد تناقض بين القول إن الله واحد والقول بتعدد الأقانيم، لأن الوحدانية تتعلق بالجوهر، بينما التعدد يتعلق بالأقانيم.

ويظهر التمييز بين الأقانيم في نصوص عديدة، منها يوحنا ٨: ١٧-١٨؛ لوقا ٣: ٢٢؛ يوحنا ١٤: ١٦-١٧؛ وأعمال ٥: ٣-٤. كما نجد مواضع يتم فيها التمييز أو الخطاب بين أقنوم وآخر، مثل متى ٣: ١٧؛ بطرس الثانية ١: ١٧؛ العبرانيين ١: ٥، ٨-٩؛ ويوحنا ١٧: ١، ٥. ولا يقول أي من هذه النصوص بوجود ثلاثة آلهة مستقلة.

كذلك تظهر صيغة الجمع في مواضع مثل التكوين ١: ٢٦، ٣: ٢٢، ١١: ٧. لكن هذه المواضع لا تنفي النصوص الصريحة التي تؤكد وحدانية الله، بل يجب فهمها مع مجمل الإعلان الكتابي عنه.

ويأتي الاسم العبري “إيلوهيم” بصيغة جمع من الناحية الصرفية، لكنه عند استعماله عن إله إسرائيل يقترن بالفعل بصيغة المفرد. ففي بداية سفر التكوين يأتي “إيلوهيم” مع الفعل “خلق” بصيغة المفرد. ولذلك لا يصح اعتبار صيغة الاسم وحدها دليلاً على وجود عدة آلهة حقيقية.

أما النصوص التي تتحدث عن “آلهة” أخرى، فكثير منها يتحدث عن آلهة الأمم والأصنام التي كان الناس يعبدونها. وذكر الكتاب المقدس لما تعبده الشعوب لا يعني أنه يقر بأن تلك الآلهة موجودة بوصفها آلهة حقيقية مساوية للرب.

يتضح ذلك في نصوص مثل الخروج ١٢: ١٢، ١٥: ١١، ١٨: ١١، ٢٠: ٣، ٢٣: ٢٤، ٣٤: ١٤؛ ويشوع ٢٤: ٢، ١٤؛ وإرميا ١: ١٦، ٢٥: ٦. فالسياق يميز بين الرب وبين الآلهة التي اتخذتها الأمم موضوعاً لعبادتها.

وتوضح كورنثوس الأولى ٨: ٥-٦ هذه المسألة بصورة مباشرة، إذ تتحدث عن وجود من يسمون “آلهة” و”أرباباً”، ثم تؤكد في الوقت نفسه وجود إله واحد. فإطلاق اسم “آلهة” على ما يعبده الناس لا يجعل تلك الأشياء آلهة حقيقية مساوية لله.

ومن هنا يظهر المنطق المخادع في الاعتراض: فهو يجمع نصوصاً تستخدم كلمة “إله” أو “آلهة” في سياقات مختلفة، ثم يفترض أن جميع هذه الاستعمالات تحمل المعنى نفسه. لكن ذكر آلهة الأمم، واستخدام صيغة الجمع في بعض المواضع، والتمييز بين الأقانيم، لا يساوي القول بوجود عدة آلهة حقيقية.

إذن، لا يوجد تناقض بين النصوص. فالكتاب المقدس يعلم بوضوح أن الله واحد، ويعلن في الوقت نفسه عن الآب والابن والروح القدس، كما يتحدث عن آلهة الأمم والأصنام بحسب السياق. والخلط بين هذه الاستعمالات المختلفة هو الذي يؤدي إلى التناقض المفترض.


الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض

المنطق المُخادِع

تحدث هذه المغالطة حين يقوم الناقد بقفزات غير منطقية بين المقدمات والنتائج، فيستنتج شيئاً لا يلزم بالضرورة مما قُدّم من معطيات.

فلنفترض مثلاً أن ناقداً ادّعى أن القول: “إن أجاج قد أُعدم” يتناقض مع القول: “إن لأجاج ذرّية، أي نسلاً”. هذا مثال على المنطق المُخادِع، أو على الاستنتاج غير اللازم؛ إذ لا يوجد أي مبرّر منطقي يمنع أن يكون أجاج قد أنجب بنين، ثم أُعدم بعد ذلك في وقت لاحق. فذريته لا تتلاشى لمجرّد موته.

القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص

تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.