الاعتراض ١٦٣: أين تراءى يسوع للأحد عشر تلميذًا في أول ظهور له؟

,

متى ٢٨: ١٦ تشير إلى أنَّه تراءى لهم في جبل في الجليل، لكن هذا السرد يتناقض مع ما يرد في مرقس ١٦: ١٤، ولوقا ٢٤: ٣٣-٣٧، ويوحنا ٢٠: ١٩.

”وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ.“

متى ٢٨: ١٦

”أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ.“

مرقس ١٦: ١٤

”فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ مُجْتَمِعِينَ، هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ:«إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسِمْعَانَ!» وَأَمَّا هُمَا فَكَانَا يُخْبِرَانِ بِمَا حَدَثَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ عَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ الْخُبْزِ. وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ:«سَلاَمٌ لَكُمْ!» فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا.“

لوقا ٢٤: ٣٣-٣٧

”وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ:«سَلاَمٌ لَكُمْ!»“

يوحنا ٢٠: ١٩

الرد

فشل المعترض في القيام بقراءة أمينة للنصوص التي قام بتقديمها. إن يسوع المسيح قد التقى بتلاميذه في عدة مناسبات بعد قيامته المجيدة، وكان ذلك في مواقع مختلفة.

متى ٢٨: ١٦-١٧ تقول لنا إن يسوع قد التقى بالأحد عشر تلميذًا على جبل في الجليل، إلا أن هذه الآيات لا تصرّح أو تشير إلى أن ذلك كان اللقاء الأول.

مرقس ١٦: ١٢ تشير إلى أنَّه ظهر لتلميذين من تلاميذه وهما يمشيان في البرية منطلقين في رحلة إلى عمواس.

لوقا ٢٤: ٣٣-٣٧ تقدم تقريرًا عن لقاء مع التلاميذ في أورشليم، إلا أنَّ هذه الآيات تشير ضمنًا إلى أن يسوع كان قد سبق وظهر لبطرس كما هو واضح في الآية الرابعة والثلاثين. كما أن تلميذين من التلاميذ كان قد سبق وعاينا يسوع في الطريق إلى عمواس التي تبعد حوالي سبعة أميال عن مدينة أورشليم (لوقا ٢٤: ١٥). إن اللقاء في أورشليم ربما يكون اللقاء الأول الذي كان حاضرًا فيه معظم التلاميذ فيما عدا توما (لوقا ٢٠: ٢٤)، والذي عاينوا فيه يسوع القائم من الأموات، وذلك لأن هذا اللقاء قد حصل في اليوم عينه الذي قام فيه من بين الأموات (لوقا ٢٤: ١، ٢١، ٣٣، ٣٦).

كما أنَّ الآيات الواردة في يوحنا ٢٠: ١٩-٢٤ تؤيد كون هذا اللقاء هو اللقاء الأول مع يسوع القائم من بين الأموات، إلا أن الآيات لا تعطي تصريحًا بمكان اللقاء.

جميع هذه السرديات متوافقة ولا يوجد فيما بينها أي تناقض. يجب علينا دائمًا أن نتجنب الميل البشري إلى استخدام مخيلتنا في ملء الفراغات التي لا يقدمها النص.


الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض

القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص

تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.

مغالطة الاحتجاج من الصمت

تحدث مغالطة الاحتجاج من الصمت عندما يُعامل عدم ذكر نص أو مصدر لتفصيل معين بوصفه دليلاً على أن ذلك التفصيل لم يحدث أو لم يُقل.

لكن عدم الذكر لا يساوي النفي. فقد يختار الكاتب تسجيل بعض التفاصيل وإغفال تفاصيل أخرى بحسب غرضه وسياق كتابته، من دون أن يعني ذلك إنكار ما لم يذكره.

ويظهر هذا الخطأ بوضوح عندما توجد روايات متعددة للحدث نفسه، فيسجل أحدها تفصيلاً لا يورده الآخر، ثم يُفترض أن الرواية التي لم تذكر ذلك التفصيل تنفي حدوثه. هذا الاستنتاج لا يصح ما لم يصرح النص فعلاً بما يتعارض مع التفصيل المذكور.

لذلك يجب التمييز بين “عدم ذكر الأمر” و”إنكار الأمر”. فالتناقض يحتاج إلى إثبات ونفي للشيء نفسه وفي الظروف نفسها، أما مجرد اختلاف مقدار التفاصيل بين الروايات فلا يكفي لإثبات وجود تناقض.