لوقا ٢٣: ١١ تقول إنَّ هيرودس وعسكره هم من فعلوا ذلك، لكن متى ٢٧: ٢٧-٢٨ تقول إن عسكر الوالي هم من قاموا بذلك، في حين إن مرقس ١٥: ١٥-١٧ ويوحنا ١٩: ١-٢ يقولان إن الجُند هم من فعلوا ذلك.
”فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ، وَأَلْبَسَهُ لِبَاسًا لاَمِعًا، وَرَدَّهُ إِلَى بِيلاَطُسَ.“
لوقا ٢٣: ١١
”فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا،“
متى ٢٧: ٢٧-٢٨
”فَبِيلاَطُسُ إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْجَمْعِ مَا يُرْضِيهِمْ، أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَسْلَمَ يَسُوعَ، بَعْدَمَا جَلَدَهُ، لِيُصْلَبَ. فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ، الَّتِي هِيَ دَارُ الْوِلاَيَةِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ. وَأَلْبَسُوهُ أُرْجُوَانًا، وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ،“
مرقس ١٥: ١٥-١٧
”فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ. وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوَانٍ،“.
يوحنا ١٩: ١-٢
الرد
إن هذا الاعتراض مبني على الفشل في القراءة الأمينة للنص، إضافةً إلى عدم الرجوع إلى اللغات الأصلية التي تُظهر أحداث الصلب بشكل أوضح. لقد سبق وتعاملنا مع أساس هذا الاعتراض في الاعتراض ١٨٧ حين أجبنا عن لون الرداء. فقد تبيّن (حتى من خلال القراءة الدقيقة للنصوص باللغة العربية) أنَّه يوجد أكثر من رداء تم وضعه على يسوع للاستهزاء به في أوقات مختلفة. وذلك لأن عملية الصلب لم تكن حدثاً وقتياً وقع خلال فترة زمنية قصيرة، بل تم نقل يسوع من مكانٍ لآخر حيث وُجد جنودٌ مختلفون استهزأوا به بأشكال مختلفة. لذلك بإمكانكم العودة إلى الاعتراض المذكور لاستيضاح التوافق الكامل في السرد المقدم لأحداث الصلب:
بعد أن تمَّ إلقاء القبض على يسوع في بستان جُثيماني، أُحضر أولاً إلى حَنَّان (يوحنا ١٨: ١٣). ومن ثمَّ تم اقتياده ليلاً إلى السنهدريم حيث تمَّ استجوابه من قِبَل قيافا، وهناك عُصبت عيناه وتمَّ توجيه اللكمات إلى وجهه (متى ٢٦: ٥٧-٦٨). ثم عند الفجر تشاور رؤساء الكهنة لكي يقتلوه (متى ٢٧: ١)، فاقتادوه موثقاً إلى بيلاطس الذي قام بالتحقيق مع يسوع للمرة الأولى، إلا أنَّه حين عرف أنَّه جليليّ قام بإرساله إلى هيرودس (لوقا ٢٣: ٧). هيرودس الذي كان قد سمع كثيراً عن يسوع كان يريد أن يرى معجزة تحدث في حضوره، إلا أنَّ رفض يسوع أغضب هيرودس فألبسه لباساً لامعاً (ربما للسخرية منه)، إذ إنَّه استهزأ به مع جنوده. وبعد ذلك أرسله من جديد إلى بيلاطس (لوقا ٢٣: ٨-١١).
عند وصول يسوع إلى دار الولاية جرَّده العسكر من ملابسه (لا نعرف ما إذا كان هيرودس قد استعاد الرداء الأبيض الذي ألبسه إياه أم أن العسكر هم من أزالوه مع بقية ملابسه) لكي يتمّ جلده. إلا أنهم قبل أن يباشروا بالجلد وضعوا عليه رداءً قرمزياً (متى ٢٧: ٢٨). إن الرداء القرمزي “χλαμύς κόκκινος وتُقرأ خلاموس كوكينوس” يشير غالباً إلى الوشاح الذي يرتديه الجنرالات والضباط البارزون في الجيش الروماني. يتم تصميم هذا الوشاح لكي يوضع على الكتفين وتترك الذراعان حرّتين لحمل الدرع والسيف، والغاية من وضع الرداء، كما هو واضح من الآيات، للسخرية من ضعف المسيح الجسدي بعد الضرب والإساءات التي تعرض لها.
بعد ذلك قام البعض من الجنود الساديّين بصنع إكليلٍ من شوك. وربما يرجع السبب إلى أن أحد الجنود كان حاضراً عندما سأل بيلاطس يسوع عما إذا كان ملكَ اليهود، إذ إن يسوع أجابه بالإيجاب (متى ٢٧: ١١-١٢).
وبما أن اللون الذي يتم تقديمه للملوك هو اللون الأرجواني، فإنهم قاموا بوضع ثوب أرجوان عليه، وربما يكون الجند قد أزالوا عنه الرداء القرمزي، وهو الأمر الذي سيتسبب بفتح الجروح التي ربما تكون قد التحمت به، أو أنهم أعادوا وضعه بعد أن ألبسوه الرداء. وتجدر الإشارة إلى أنَّ متى يسجل لنا عملية نزع الرداء، إلا أنه لا يعيد التأكيد على أنَّه رداء قرمزيّ (متى ٢٧: ٣١).
إذا قمنا بقراءة آيات الكتاب المقدس المتعلقة بالموضوع وبحسب ترتيبها الزمني، فإنه سيكون من السهل أن نرى أنه لا يوجد أي تناقض بين الآيات التي تتعلق باللباس الذي وُضِعَ على يسوع أو بمن قام بوضعه على يسوع، وذلك لأن ارتداء يسوع للباس ملّون لم يكن حدثاً منفرداً، بل وُجد عدد من الأحداث التي رافقت الصلب، حيث قام الجند المختلفون بوضع أردية مختلفة الألوان عليه قبل اقتياده إلى الصليب. إن توافق هذه الآيات يعتمد بشكل كامل على قراءتها ضمن سياقها النصي وإطارها التاريخيّ.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.