الاعتراض ٢٥٥: هل اعتمد الفريسيّون على يد يوحنا المعمدان؟

,

يعتقد الناقد بوجود تناقض بين متى ٣: ٧–١١ ولوقا ٧: ٢٩–٣٠.

٧ فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ:«يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ ٨ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ٩ وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. ١٠ وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. ١١ أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ.

متى ٣: ٧–١١

٢٩ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا. ٣٠ وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ.

لوقا ٧: ٢٩–٣٠

الرد

إن هذا الاعتراض يعتمد على مغالطة التعميم الواسع النطاق، بالإضافة إلى عدم قراءة النصوص بطريقة أمينة ودقيقة. إن السرد الوارد في متى ٣: ٧–١١ لا يُحدِّد بشكل مباشر ما إذا كان الفريسيون قد اعتمدوا على يد يوحنا أم لا؛ إن النص يُصَرِّح بأنَّ العديد من الفريسيّين كانوا آتين إلى معمودية يوحنا الذي صاح حين رآهم وقال: ”يا أولاد الأفاعي.“ إن الأمر المُفترض هو أنَّ يوحنا لم يقم بتعميدهم، إذ إنَّ ذلك الفعل سوف يشير إلى توبتهم، وبالتالي انتمائهم إلى عائلة الله. هذا الأمر يتوافق مع السرد الوارد في لوقا ٧: ٢٩–٣٠ حيث نقرأ أن الفريسيّين كانوا قد رفضوا معمودية يوحنا.

سيكون ارتكاباً لمغالطة التعميم الواسع النطاق أن نفترض أن جميع الفريسيّين عموماً كانوا قد رفضوا مشورة الله الصالحة ولم يعتمدوا على يد يوحنا، وأنَّه لم يوجد أيّ استثناء بينهم. فإن افترضنا أن أحد الفريسيّين كان قد قدَّم توبةً وطلب أن يعتمد على يد يوحنا، فإنَّ الافتراض الطبيعي هو أن يقوم يوحنا بتعميده بمعمودية التوبة.


الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض

مغالطة التعميم واسع النطاق وغير الدقيق

وهي فشل في ملاحظة أن بعض المبادئ التي وُضعت بصفة عامة تمتلك بعض الاستثناءات. فسفر الأمثال هو خير مثال على هذا التعميم – إن الأشياء المذكورة فيه صحيحة في معظم الظروف، ولكن توجد بعض الاستثناءات. وهنا تحدث مغالطة التعميم غير الدقيق حين يتم الافتراض بأن الاستثناءات هي تناقضات. إنَّه ليس تناقضًا حين يتم تقديم تصريح بأنَّه ”في معظم الأحيان أ لكن أحياناً ليس أ.“ على سبيل المثال، إن الطلاق بشكل عام غير مقبول وبدقة أكبر غير مقبول إلا في حالة الخيانة. وبالتالي فإن ذلك ليس تناقضًا بأن يتم التصريح بأن الطلاق هو مقبول (بمعنى أنَّه ليس خطيئةً) في حالة الزنى.

اقرأ المزيد عن مغالطة التعميم واسع النطاق وغير الدقيق

القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص

تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.