يعتقد الناقد بوجود تناقض بين ما يرد في متى ٤: ١٠ و٢٣: ١٠، حيث يبدو أن العبادة والخضوع يجب أن يكونا لله والمسيح وحدهما، وبين ما يرد في أفسس ٦: ٥، وكولوسي ٣: ١٨، ٢٠، ٢٢، وتيموثاوس الأولى ٦: ١، وتيطس ٢: ٩، وبطرس الأولى ٢: ١٨، حيث يُطلب من المؤمنين الخضوع لأشخاص آخرين وطاعتهم.
فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ، وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ!»
متى ٤: ١٠
وَلا تَقْبَلُوا أَنْ يَدْعُوَكُمْ أَحَدٌ رُؤَسَاءَ، لأَنَّ رَئِيسَكُمْ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَسِيحُ.
متى ٢٣: ١٠
أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمُ الْبَشَرِيِّينَ بِخَوْفٍ وَارْتِعَادٍ، مِنْ قَلْبٍ صَادِقٍ، كَمَنْ يُطِيعُ الْمَسِيحَ،
أفسس ٦: ٥
أَيَّتُهَا الزَّوْجَاتُ اخْضَعْنَ لأَزْوَاجِكُنَّ كَمَا يَلِيقُ (بِالْعِيشَةِ) فِي الرَّبِّ. … أَيُّهَا الأَوْلادُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي كُلِّ أَمْرٍ، لأَنَّ ذَلِكَ مَرْضِيٌّ فِي الرَّبِّ. … أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا فِي كُلِّ أَمْرٍ سَادَتَكُمُ الْبَشَرِيِّينَ، فَلا تَعْمَلُوا بِجِدٍّ فَقَطْ حِينَ تَكُونُ عُيُونُهُمْ عَلَيْكُمْ، كَمَنْ يُحَاوِلُ إِرْضَاءَ النَّاسِ، بَلْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ خَائِفِينَ الرَّبَّ.
كولوسي ٣: ١٨، ٢٠، ٢٢
عَلَى جَمِيعِ مَنْ هُمْ تَحْتَ نِيرِ الْعُبُودِيَّةِ أَنْ يَعْتَبِرُوا سَادَتَهُمْ أَهْلاً لِكُلِّ إِكْرَامٍ، لِكَيْ لَا يَجْلِبُوا التَّجْدِيفَ عَلَى اسْمِ اللهِ وَعَلَى التَّعْلِيمِ.
رسالة تيموثاوس الأولى ٦: ١
وَعَلِّمِ الْعَبِيدَ أَنْ يَكُونُوا خَاضِعِينَ لِسَادَتِهِمْ، مُرْضِينَ لَهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ غَيْرَ مُعَانِدِينَ؛
تيطس ٢: ٩
أَيُّهَا الْخَدَمُ، اخْضَعُوا لِسَادَتِكُمْ بِاحْتِرَامٍ لائِقٍ. لَيْسَ لِلسَّادَةِ الصَّالِحِينَ الْمُتَرَفِّقِينَ فَقَطْ، بَلْ لِلظَّالِمِينَ الْقُسَاةِ أَيْضاً!
بطرس الأولى ٢: ١٨
لقد فشل الناقد في قراءة النصوص قراءة دقيقة، كما وقع في مغالطة المواربة، إذ تعامل مع مفهوم “الخدمة” أو “الخضوع” كما لو كان يحمل المعنى نفسه في جميع النصوص، مع أن السياق يميز بين العبادة التي لا تليق إلا بالله، وبين الطاعة والخدمة البشرية المشروعة.
في متى ٤: ١٠، كان يسوع قد اقتبس من التثنية ٦: ١٣ ضمن سياق واضح يعلّم أن الله وحده يستحق العبادة والخدمة بوصفه إلهاً. وبالتالي فإن المحرَّم هو خدمة شخص أو شيء آخر خدمة تعبدية بوصفه إلهاً، وليس تقديم الخدمة أو الطاعة للآخرين بالمعنى الإنساني المشروع.
فالرب الإله وحده يستحق العبادة والإكرام والسجود بوصفه صاحب السلطان المطلق، وهو وحده الذي يُخدَم خدمة تعبدية. إلا أن هذا لا ينفي وجود سلطات وعلاقات بشرية مشروعة يكون من الواجب فيها الطاعة أو الخضوع أو الخدمة، دون أن يعني ذلك عبادتها أو منحها ما يختص بالله وحده.
فالكتاب المقدس يعلّم أن السلطات الأرضية موضوعة من الله (رومية ١٣: ١)، وأن المؤمنين مدعوون إلى الخضوع للمرشدين (العبرانيين ١٣: ١٧). كما توجد أنواع أخرى من العلاقات التي تتضمن الخضوع أو الطاعة (أفسس ٦: ٥؛ كولوسي ٣: ١٨-٢٣؛ تيموثاوس الأولى ٦: ١؛ تيطس ٢: ٩؛ بطرس الأولى ٢: ١٨). وهذا كله لا يعني عبادتها أو خدمتها كما تُخدَم الآلهة أو الأوثان.
عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَنْ تَخْضَعَ لِلسُّلْطَاتِ الْحَاكِمَةِ. فَلا سُلْطَةَ إِلّا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالسُّلْطَاتُ الْقَائِمَةُ مُرَتَّبَةٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ.
رومية ١٣: ١
أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ، وَاخْضَعُوا لَهُمْ، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ عَلَى مَصْلَحَتِكُمُ الرُّوحِيَّةِ، كَمَا يَسْهَرُ الَّذِي يَحْمِلُ مَسْؤولِيَّةً سَوْفَ يُقَدِّمُ حِسَاباً عَنْ قِيَامِهِ بِها. وَعِنْدَئِذٍ، يُؤَدُّونَ مُهِمَّتَهُمْ بِفَرَحٍ دُونَ تَذَمُّرٍ. فَلَنْ يَكُونَ فِي تَذَمُّرِهِمْ نَفْعٌ لَكُمْ!
العبرانيين ١٣: ١٧
إذن، فالكتاب المقدس لا يناقض نفسه في هذه النصوص. فهو يحرّم عبادة غير الله، وفي الوقت نفسه يعلّم الطاعة والخدمة المشروعة للآخرين ضمن العلاقات والسلطات التي أقامها الله. فالعبادة حق لله وحده، أما الخدمة والطاعة البشرية فلا تصبحان عبادة لمجرد أنهما توصفان بالخدمة أو الخضوع.
لكن القضية لا تتوقف عند معرفة من يستحق العبادة؛ فالكتاب المقدس يعلن أن الإنسان بطبيعته لا يمنح الله ما يستحقه من مجد وطاعة، بل يضع أشياء مخلوقة في المكان الذي يخص الله وحده. وهذه هي إحدى صور الخطية التي تفصل الإنسان عن خالقه. لذلك لا يكون الحل بمجرد محاولة طاعة الله بصورة أفضل، بل بالمصالحة معه من خلال يسوع المسيح، الذي جاء ليخلّص الخطاة، ومات وقام لكي ينال كل من يؤمن به غفران الخطايا والحياة مع الله. فالإنجيل يدعونا لا إلى مجرد الاعتراف بسلطان الله، بل إلى التوبة والإيمان بالمسيح والخضوع له رباً ومخلّصاً.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة المواربة
وتحدث حين يقوم الشخص بتغيير معنى كلمة معينة ضمن سياق جداله الذي يقدمه. على سبيل المثال: ”رسالة يعقوب ١: ٣ تُعلِّم بأنّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ، في حين أن الرسالة إلى العبرانيين ٤: ١٥ تعلم بأن يسوع المسيح (الإله) مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ“ أليس هذا تناقضًا؟ لكن كلمة ”جُرِّبَ“ قد حملت معنيَين مُختلفَين في الآيتين فهي قد تعني ”اختُبِرَ“ (وهو المعنى المستخدم في الرسالة إلى العبرانيين ) أو قد تعني ”أُغويَ“ (وهو المعنى المستخدم في رسالة يعقوب). وهو ليس تناقضًا أن يتم التأكيد بأن يسوع كان تحت الاختبار إلا أنه لم يُغوَ.
اقرأ المزيد عن مغالطة المواربة
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.