يعتقد الناقد بوجود تناقض بين مرقس ١٦: ٥ ويوحنا ٢٠: ١١-١٢، حيث يذكر النصان الجلوس، وبين لوقا ٢٤: ٣-٤، حيث تقول بعض الترجمات إن الرجلين “وقفا” بجانب النسوة.
وَإِذْ دَخَلْنَ الْقَبْرَ، رَأَيْنَ فِي الْجِهَةِ الْيُمْنَى شَابّاً جَالِساً، لابِساً ثَوْباً أَبْيَضَ، فَتَمَلَّكَهُنَّ الْخَوْفُ.
مرقس ١٦: ٥
أَمَّا مَرْيَمُ فَظَلَّتْ وَاقِفَةً فِي الْخَارِجِ تَبْكِي عِنْدَ الْقَبْرِ. وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي، انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ. فَرَأَتْ مَلاكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ، جَالِسَيْنِ حَيْثُ كَانَ جُثْمَانُ يَسُوعَ مَوْضُوعاً، وَاحِداً عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الْقَدَمَيْنِ.
يوحنا ٢٠: ١١-١٢
وَلكِنْ لَمَّا دَخَلْنَ لَمْ يَجِدْنَ جُثْمَانَ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَفِيمَا هُنَّ مُتَحَيِّرَاتٌ فِي ذلِكَ، إِذَا رَجُلانِ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ قَدْ وَقَفَا بِجَانِبِهِنَّ.
لوقا ٢٤: ٣-٤
لا تتعارض هذه النصوص بالضرورة، لسببين رئيسيين. أولاً، لا يصف يوحنا ٢٠: ١١-١٢ اللحظة نفسها التي تصفها رواية وصول النسوة إلى القبر في مرقس ولوقا. ففي يوحنا نقرأ عن مريم المجدلية عند القبر بعد أن ذهبت إلى التلاميذ ثم عادت إليه، وعندئذ رأت ملاكين جالسين. ولذلك لا يصح افتراض أن وضعية الملاكين في هذه اللحظة يجب أن تكون هي نفسها في كل لحظة أخرى من أحداث الصباح.
ثانياً، لا يوجد تعارض ضروري حتى عند مقارنة مرقس ولوقا. فمرقس يذكر شاباً واحداً جالساً عن اليمين، لكنه لا يقول إن شخصاً آخر لم يكن موجوداً، ولا يحدد وضعية كل من كان في المكان. أما لوقا فيذكر رجلين ظهرا بجانب النسوة. ولذلك فإن ذكر أحدهما جالساً لا ينفي إمكان وجود الآخر، ولا يقتضي أن تبقى وضعية أي منهما ثابتة طوال الحدث.
ويزداد الاعتراض ضعفاً عند النظر إلى اللفظ اليوناني المستخدم في لوقا ٢٤: ٤. فالفعل اليوناني ἐπέστησαν المترجم في بعض الترجمات “وقفا بجانبهن” يمكن أن يدل أيضاً على الحضور أو الظهور بالقرب من شخص، وليس المقصود منه بالضرورة التشديد على وضعية الجسد وحدها. ولهذا تعكس بعض الترجمات العربية هذا المعنى باستخدام “ظهر” أو “حضر”.
فدَخَلْنَ، فما وَجَدْنَ جسَدَ الرّبّ يَسوعَ. وبَينَما هُنّ في حَيرَةٍ، ظهَرَ لَهُنّ رَجُلانِ علَيهِما ثِيابٌ بَرّاقَةٌ،
لوقا ٢٤: ٣-٤ – الترجمة العربية المشتركة
فدَخَلنَ فلَم يَجِدنَ جُثْمانَ الرَّبِّ يسوع. وبَينَما هُنَّ في حَيرَةٍ مِن ذٰلك، إِذ حَضَرَهُنَّ رَجُلانِ علَيهِما ثِيابٌ بَرَّاقَة،
لوقا ٢٤: ٣-٤ – الترجمة الكاثوليكية
إذن يقوم الاعتراض على قراءة غير دقيقة للنصوص، إذ يفترض أن الأناجيل تصف اللحظة نفسها، وأن كلمة “وقفا” يجب أن تشير حصراً إلى وضعية جسدية تناقض الجلوس. لكن النصوص لا تفرض أياً من هذين الافتراضين. فالاختلاف في الزمن، وفي مقدار التفاصيل، وفي الطريقة التي تُترجم بها العبارة اليونانية، كافٍ لإظهار أنه لا يوجد تناقض بين الروايات.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.