الاعتراض ٢٧٨: كم عدد أبناء الله؟

,

يقول الناقد متسائلاً: هل لله ابنٌ وحيدٌ، وهو يسوع المسيح، كما يرد في يوحنا ٣: ١٨ ورسالة يوحنا الأولى ٤: ٩؟ أم أن آدم أيضاً يُدعى ابن الله، كما يرد في لوقا ٣: ٣٨؟ أم أن هناك العديد ممن يُدعَون “أبناء الله”، كما يرد في التكوين ٦: ٢-٤؛ وأيوب ١: ٦؛ ٢: ١؛ ٣٨: ٦-٧؛ ويوحنا ١: ١٢؟

فَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ، أَمَّا الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِهِ فَقَدْ صَدَرَ عَلَيْهِ حُكْمُ الدَّيْنُونَةِ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ.

يوحنا ٣: ١٨

وَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ مَحَبَّتَهُ لَنَا إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ.

رسالة يوحنا الأولى ٤: ٩

بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثٍ، بْنِ آدَمَ ابْنِ اللهِ.

لوقا ٣: ٣٨

انْجَذَبَتْ أَنْظَارُ أَبْنَاءِ اللهِ إِلَى بَنَاتِ النَّاسِ فَرَأَوْا أَنَّهُنَّ جَمِيلاتٌ فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ مِنْهُنَّ زَوْجَاتٍ كَمَا طَابَ لَهُمْ. فَقَالَ الرَّبُّ: “لَنْ يَمْكُثَ رُوحِي مُجَاهِداً فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ. هُوَ بَشَرِيٌّ زَائِغٌ، لِذَلِكَ لَنْ تَطُولَ أَيَّامُهُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَقَطْ”. وَفِي تِلْكَ الْحِقَبِ، كَانَ فِي الأَرْضِ جَبَابِرَةٌ، وَبَعْدَ أَنْ دَخَلَ أَبْنَاءُ اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَلَدْنَ لَهُمْ أَبْنَاءً، صَارَ هَؤُلَاءِ الأَبْنَاءُ أَنْفُسُهُمُ الْجَبَابِرَةَ الْمَشْهُورِينَ مُنْذُ الْقِدَمِ.

التكوين ٦: ٢-٤

وَحَدَثَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ مَثَلَ بَنُو اللهِ أَمَامَ الرَّبِّ، فَانْدَسَّ الشَّيْطَانُ فِي وَسَطِهِمْ.

أيوب ١: ٦

ثُمَّ مَثَلَ بَنُو اللهِ مَرَّةً أُخْرَى فِي حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَانْدَسَّ الشَّيْطَانُ أَيْضاً فِي وَسَطِهِمْ،

أيوب ٢: ١

على اي شيءٍ قَّرت قواعدها او من وضع حجر زاويتها. عند ما ترنمت كواكب الصبح معًا وهتف جميع بني اللّٰه

أيوب ٣٨: ٦-٧ (ترجمة البستاني ڤاندايك).

وامَّا كلُّ الذين قبلوهُ فاعطاهم سلطانًا ان يصيروا اولاد الّٰله اي المومنون باسمهِ.

يوحنا ١: ١٢

لقد وقع الناقد في هذا الاعتراض في مغالطة المواربة، إذ افترض أن استخدام كلمة “ابن” أو تعبير “أبناء الله” في هذه النصوص المختلفة يعني بالضرورة أن جميعها تتحدث عن النوع نفسه من البنوة. لكن هذا الافتراض يتجاهل أن الكلمة الواحدة قد تُستخدم بدلالات مختلفة بحسب السياق الذي ترد فيه.

عندما يصف العهد الجديد يسوع المسيح بأنه “ابن الله الوحيد”، فإنه يتحدث عن بنوة فريدة لا يشترك فيها معه آدم أو المؤمنون أو الكائنات السماوية. ففي يوحنا ٣: ١٦-١٨ ورسالة يوحنا الأولى ٤: ٩ ترد الكلمة اليونانية μονογενής (مونوچينيس)، التي تحمل معنى “الوحيد” أو “الفريد من نوعه”. ولذلك لا يصف النص المسيح باعتباره مجرد واحد من بين مجموعة من الأبناء المتماثلين، بل يؤكد فرادته في علاقته بالآب.

ولا تقوم حقيقة لاهوت المسيح على معنى هذه الكلمة وحدها، بل يشهد العهد الجديد أيضاً لطبيعته الإلهية. فعندما يتحدث كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن الابن يقول:

واما عن الابن كرسيُّك يا اللّٰه الى دهر الدهور. قضيب استقامةٍ قضيب ملكك.

العبرانيين ١: ٨

إذن، بنوة المسيح ليست من النوع نفسه الذي تُستخدم فيه كلمة “ابن” عن آدم أو المؤمنين أو غيرهم. فهو الابن الفريد، ولا تعني تسمية آخرين “أبناء الله” أنهم يشتركون معه في طبيعة هذه البنوة.

أما آدم، فإن وصفه بأنه “ابن الله” في لوقا ٣: ٣٨ يأتي في نهاية سلسلة النسب التي يعرضها لوقا. فآدم لم يكن له أب بشري، بل كان وجوده راجعاً مباشرةً إلى عمل الله الخالق. ولذلك يُنسب إلى الله في هذا السياق، دون أن يعني ذلك أنه يشترك مع المسيح في بنوته الفريدة أو في طبيعته الإلهية.

أما المؤمنون، فيُدعَون أبناء الله بمعنى آخر، إذ ينالون البنوة بالنعمة والتبني من خلال الإيمان بالمسيح. يقول يوحنا إن الذين قبلوا المسيح أُعطوا سلطاناً أن يصيروا أولاد الله (يوحنا ١: ١٢). ويؤكد بولس المعنى نفسه عندما يتحدث عن “روح بنوة” في رومية ٨: ١٥.

إِذْ إِنَّكُمْ لَمْ تَنَالُوا رُوحَ عُبُودِيَّةٍ يُعِيدُكُمْ إِلَى الْخَوْفِ، بَلْ نِلْتُمْ رُوحَ بُنُوَّةٍ بِهِ نَصْرُخُ: “أَبَا! أَبَانَا!”

رومية ٨: ١٥

إذن، يُدعى المؤمنون أبناء الله بالتبني والنعمة، ولا يعني ذلك أنهم يشاركون المسيح في نوع بنوته الفريدة أو في طبيعته الإلهية. وهنا يتضح بصورة أكبر موضع مغالطة المواربة في الاعتراض: فالاشتراك في لفظ “ابن” لا يستلزم أن تكون طبيعة العلاقة واحدة في جميع النصوص.

أما تعبير “بنو الله” في سفر أيوب، فيظهر في سياق مختلف. ففي أيوب ١: ٦ و٢: ١ يمثل “بنو الله” أمام الرب، ويظهر الشيطان في وسطهم. والسياق هنا سماوي، ولذلك لا يتحدث النص عن المؤمنين الذين نالوا التبني، بل عن كائنات سماوية.

ويظهر في استشهاد الناقد بأيوب ٣٨: ٧ خطأ آخر، وهو القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص. فسفر أيوب يستخدم في هذا الموضع لغةً شعريةً واضحةً عند وصف خلق العالم، فيقول: “عند ما ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله”. ولا توجد ضرورة لاعتبار “كواكب الصبح” و”بني الله” تعبيراً حرفياً عن الشيء نفسه، بل يعرض النص مشهداً شعرياً للخليقة السماوية وهي تبتهج بعمل الله.

كما أن استعمال تعبير “بني الله” في أيوب ١: ٦ و٢: ١ يأتي في سياق سماوي واضح، وليس في سياق الحديث عن المؤمنين الذين نالوا التبني. ولذلك فإن تجاهل السياق وطبيعة النص الأدبية يؤدي إلى مساواة استعمالات مختلفة لا يساوي الكتاب المقدس بينها.

أما تعبير “أبناء الله” في التكوين ٦: ٢-٤، فهو من المواضع التي تعددت حولها التفسيرات. ومهما كان التفسير الذي يتم تبنيه لهذا التعبير في سياقه، فلا يترتب عليه أن هؤلاء “الأبناء” يساوون المسيح في نوع بنوته أو في طبيعته. ولذلك لا يمكن بناء تناقض على مجرد وجود العبارة نفسها في أكثر من نص.

وبذلك يتضح أن الكتاب المقدس يستخدم لغة البنوة في سياقات مختلفة. فيسوع المسيح هو الابن الفريد في علاقته بالآب؛ وآدم يُدعى “ابن الله” في سياق نسبه إلى الله بوصفه مصدر وجوده المباشر؛ والمؤمنون يُدعَون أبناء الله بالنعمة والتبني؛ أما “بنو الله” في سفر أيوب فيرد التعبير عنهم في سياق سماوي. وبالتالي فإن وجود أكثر من شخص أو فئة يُستخدم عنهم لفظ “ابن” أو “أبناء الله” لا يتعارض مع وصف يسوع بأنه “ابن الله الوحيد”، لأن الاشتراك في اللفظ لا يعني التطابق في طبيعة البنوة.

يسوع المسيح، الفادي والمُخلِّص الوحيد، هو الابن الفريد الذي تجسد من امرأة ليحيا حياة البر التي فشل كل واحد منا في أن يحياها، واقتبل طائعاً مختاراً أن يفتدي جميع أولئك الذين أُعطوا له من الآب من خلال عمله الكفاري العظيم على خشبة الصليب، حيث حمل خطايانا ومات من أجلنا، ثم أظهر مجده بالقيامة من بين الأموات. وبالإيمان باسمه ننال الحياة الأبدية.


الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض

مغالطة المواربة

وتحدث حين يقوم الشخص بتغيير معنى كلمة معينة ضمن سياق جداله الذي يقدمه. على سبيل المثال: ”رسالة يعقوب ١: ٣ تُعلِّم بأنّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ، في حين أن الرسالة إلى العبرانيين ٤: ١٥ تعلم بأن يسوع المسيح (الإله) مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ“ أليس هذا تناقضًا؟ لكن كلمة ”جُرِّبَ“ قد حملت معنيَين مُختلفَين في الآيتين فهي قد تعني ”اختُبِرَ“ (وهو المعنى المستخدم في الرسالة إلى العبرانيين ) أو قد تعني ”أُغويَ“ (وهو المعنى المستخدم في رسالة يعقوب). وهو ليس تناقضًا أن يتم التأكيد بأن يسوع كان تحت الاختبار إلا أنه لم يُغوَ.

اقرأ المزيد عن مغالطة المواربة

القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص

تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.