قانون الكتاب المقدس ومبدأ الكتاب وحده

المقدمة

في اللاهوت الإنجيلي الإصلاحي (المُصلَح أو بالإنجليزية Reformed)، يُعَدُّ مبدأ Sola Scriptura، والذي يعني “الكتاب المقدس وحده”، محورياً. ويؤكد هذا المبدأ على أن الكتاب المقدس هو السلطة العليا في كل قضايا الإيمان والسلوك. وقد ظهر هذا المبدأ بشكل بارز خلال حركة الإصلاح البروتستانتي، ليكوِّنَ حاجزًا في وجه الإضافات التي قدَّمتها التقاليد البشرية أو قرارات الكنيسة إلى العقيدة المسيحية. وبجانب مبدأ الكتاب المقدس وحده، يشكِّل مفهوم “قانون” الكتاب المقدس أساسًا هامًا. يشير القانون إلى مجموعة الأسفار التي تعترف بها الكنيسة على أنها موحاة من الله وتَحمِل السُّلطانَ الإلهي. في هذه المقالة، سنتناول أهمية القانون، وكيفيَّة تَشَكُّل مبدأ الكتاب المقدس وحده، وكيف تُعرِّف هاتان الركيزتان حدود الإيمان المسيحي في الفكر المُصلَح.

ما هو قانون الكتاب المقدس؟

تأتي كلمة “قانون” من الكلمة اليونانية κανών وتعني “القاعدة” أو “المقياس”، وبالتالي فإن “قانون الكتاب المقدس” أو “قانون الأسفار المقدسة” يشير إلى مجموعة الكتب التي تُعتبر مُلهمة من الله ومعتمدة كمرجع أساسي ونهائي للإيمان والممارسة في المسيحية. مما يشير إلى أن هذه الكتب هي المعيار المعتمد لمعتقدات وسلوكيات المؤمنين بالنسبة للإنجيليين الإصلاحيِّين، يتكون قانون الكتاب المقدس من 66 سفرًا في العهدين القديم والجديد، وبحسب الفكر الإنجيلي المُصلَح فإنَّ هذه الكتب ليست مجرد وثائق تاريخية، بل هي من نفخة الله وتتمتع بسلطان إلهي صادر مباشرةً من الخالق. تضمنت عملية الاعتراف بقانون الكتاب المقدس تمييز الأسفار التي تظهر صفات إلهية خاصة تتجلى في السلطة الرسولية والانسجام العقائدي مع الأسفار المقدسة السابقة. وفقًا للنظرة الإنجيليّة الإصلاحية، لم يتشكل القانون من قِبَل الكنيسة أو المجامع بشكل اعتباطي، بل تم الاعتراف به بناءً على خصائصه الجوهرية كمكتوب موحى به. وتحت إرشاد الروح القدس، قَبِلَت الكنيسة هذه الكتب لأنها تحتوي على دلائل واضحة على وحي الله، تشمل التوافق العقائدي، الثبات في التعليم، وأثرها في بناء حياة المؤمنين.

مبدأ “الكتاب المقدس وحده”

يشير مبدأ الكتاب المقدس وحده إلى أن الكتاب المقدس هو المرجع النهائي لقضايا الإيمان والسلوك، متجاوزًا بذلك كل التقاليد البشرية أو التعاليم المؤسساتية الكنسية. وقد استند هذا المبدأ إلى تعليم المُصلِحين، حيث أكدوا أن الكتاب المقدس وحده يكفي لقيادة المؤمنين في كل مجالات حياتهم، دون الحاجة إلى إضافات من التقاليد الكنسية أو غيرها. لا يرفض هذا المبدأ دور قادة الكنيسة أو التفسيرات التاريخية، ولكنه يضع الكتاب المقدس فوق الجميع، مؤكدًا على ضرورة اختبار كل تقليد وتعليم بالاعتماد على كلمة الله. وقد حاجج المُصلحون بأن العديد من تعاليم الكنيسة في العصور الوسطى تفتقر إلى الأساس الكتابي، وسعوا إلى العودة إلى الإيمان الذي يستند إلى الكتاب المقدس وحده. وبإقرارهم لمبدأ الكتاب المقدس وحده، شددوا على أهمية أن يكون الكتاب المقدس هو الذي يحكم كل قضايا العقيدة، وممارسات الكنيسة، وإيمان الأفراد. بالنسبة للإنجيليين الإصلاحيِّين، لا يزال الكتاب المقدس وحده مبدأً ضروريًا، لأنه يضمن بقاء الكتاب المقدس هو المصدر التعريفي للإيمان المسيحي، بعيدًا عن أخطاء وتحيزات التفاسير البشرية التي يجب أن يتم تقييمها من خلال تعليم الكتاب المقدس.

دور القانون في مبدأ “الكتاب وحده”

في اللاهوت المُصلَح، يرتبط القانون ومبدأ الكتاب وحده بشكل وثيق. فمن دون وجود قانون محدد، سيبقى مبدأ الكتاب وحده بلا حدود واضحة لما يعتبر “كتابيًا”. يوفر القانون تلك الحدود، ويحدد الأسفار المقدسة التي تكشف عن إرادة الله وسلطانه. ومن خلال تحديد القانون، تعترف الكنيسة بالأسفار التي يجب أن تكون هي المرجع الرئيسي للإيمان، معترفةً بها ككتابات تتميز عن غيرها من النصوص، مهما كانت قيمتها. ومن الجوانب الحاسمة والمُهمة في مبدأ الكتاب المقدس وحده، أنه لا يرفض كل التقاليد، بل يُعلِّم أن جميع العقائد والممارسات يجب أن تستند إلى الكتاب المقدس، وأن تكون التقاليد ذات قيمة فقط عندما تتماشى مع الحقيقة الكتابية. ويضمن هذا الأسلوب بقاء سلطة الكتاب المقدس دون أن تتأثر بالتقاليد البشرية أو سلطة الكنيسة. بهذه الطريقة، يعمل القانون كقاعدة لاختبار صحة أي ادعاء لاهوتي أو ممارسة كنسية.

كيف تم الاعتراف بالقانون؟

اشتملت عملية الاعتراف بالقانون على عدة معايير، خاصة فيما يتعلق بأسفار العهد الجديد. كان من بين المعايير الأساسية أن تكون هذه الأسفار قد كُتبت من قبل الرسل أو المعاونين المقربين منهم، ما يعطيها الصلة المباشرة بتعاليم المسيح. كذلك، كان انسجام الكتابات مع تعاليم العهد القديم والأسفار الجديدة الناشئة أمرًا ضروريًا. وقد لعب القبول الواسع لهذه الكتب في أوساط المجتمعات المسيحية دورًا أيضًا، حيث قُرِئَت وبُجِّلت في مناطق مختلفة، مما يدل على الاعتراف الجماعي بوحيها الإلهي. وقد انعقدت المجامع المبكرة، مثل مجمع هيبو (393 م) ومجمع قرطاج (397 م)، لتعترف بقانون العهد الجديد، غير أن هذه المجامع لم تصنع القانون. بل أكدت ما كان بالفعل مقبولًا على نطاق واسع في المجتمع المسيحي. وهذه النقطة مهمة في الفكر المُصلَح، حيث إن الكنيسة لم تمنح الأسفار المقدسة سلطانها، بل اعترفت بالسلطان الذي كان حاضرًا فيها بوصفها كلمة الله.

سلطان القانون في الفكر المُصلَح

بالنسبة للإنجيليين الإصلاحيِّين، إنَّ سلطان القانون كامن فيه بسبب مصدره الإلهي، أي أن الكتاب المقدس يحمل سلطته بذاته، لكونه صادرًا عن الله. أما دور الكنيسة فهو أن تخضع بتواضع للسلطة الموجودة في النصوص المُوحى بها. وهذه النظرة تتناقض مع النظرة الكاثوليكية والأرثوذكسية، التي تنسب دورًا بارزًا لسلطة الكنيسة في تحديد القانون. فعلى سبيل المثال، في التقليد الكاثوليكي، تُعتبر سلطة الكنيسة وقادتها جزءًا لا يتجزأ من تحديد القانون وتفسيره. على النقيض من ذلك، يؤكد اللاهوت المُصلَح أن كلمة الله ذاتيّة المُصادقة، وأن الأسفار القانونية تحمل دلائل إلهامها بشكل ذاتي، وتظهر هذه الدلائل في اتساقه، وقدرته على تغيير القلوب، ونقائه العقائدي. ومن ثم، فإن دور الكنيسة هو الشهادة على سلطان القانون، معترفةً به بوصفه الإعلان الإلهي الفريد.

الرد على الاعتراضات الشائعة

يطرح منتقدو الكتاب وحده والقانون البروتستانتي أحيانًا سؤالاً حول كيفية عمل مبدأ الكتاب وحده بدون قائمة للأسفار القانونية في الكتاب المقدس، وهو ما قد يثير تساؤلات حول دور سلطة الكنيسة في هذا السياق. لكن من منظور الإيمان الإنجيلي المُصلَح، يُغفل هذا النوع من التفكير الطبيعة الذاتية لسلطان الكتاب المقدس ودور الروح القدس في توجيه الكنيسة نحو الاعتراف بالقانون. وعلاوة على ذلك، تركز الاعتراضات من التقاليد الكاثوليكية والأرثوذكسية على ضرورة وجود كنيسة ذات سلطة لتعريف وتفسير الكتاب المقدس. أما الرد من منظور الإيمان المُصلَح فيؤكد على أن الكنيسة تلعب دورًا مهمًا في تعليم الكتاب المقدس وحفظه، ولكنها لا تمتلك السلطة المطلقة عليه، بل هي مدعوة للخضوع له، باعتباره السلطة العليا بفضل وحيه الإلهي.

الخاتمة

يشكل قانون الكتاب المقدس ومبدأ الكتاب المقدس وحده معًا أساس اللاهوت الإنجيلي الإصلاحي. فالقانون يحدد حدود الوحي الإلهي، بينما يحافظ مبدأ الكتاب المقدس وحده على سلطة الكتاب المقدس ضد أي إضافات أو تغييرات. وتؤكد هذه العقائد أن كلمة الله كاملة، كافية، وذات سلطان، موجهة المؤمنين في كل جوانب الحياة. من خلال الاعتراف بالقانون على أنه موحى من الله، وتأكيد مبدأ الكتاب المقدس وحده، يضع اللاهوت المُصلَح البروتستانتي إطارًا يحترم الكتاب المقدس كمرجع نهائي للإيمان، مما يضمن بقاء الإيمان المسيحي مرتبطًا بكلمة الله، بعيدًا عن البِدَع البشرية، ومحافظًا على سلطته النابعة من الله وحده.


مراجع

  • T. Desmond Alexander and Brian S. Rosner, Eds., New Dictionary of Biblical Theology, electronic ed. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2000).
  • Walter A. Elwell and Philip Wesley Comfort, Tyndale Bible dictionary, 2001.
  • David Noel Freedman, Gary A. Herion, David F. Graf, John David Pleins, and Astrid B. Beck, Eds., The Anchor Yale Bible Dictionary, 1992.
  • Charles F. Pfeiffer, Howard Frederic Vos, and John Rea, The Wycliffe Bible Encyclopedia, 1975.
  • Philip Schaff and Henry Wace, Eds., St. Athanasius: Select Works and Letters, A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series. (New York: Christian Literature Company, 1892), 4.
  • Philip Schaff and Henry Wace, Eds., The Seven Ecumenical Councils, A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series. (New York: Charles Scribner’s Sons, 1900), 14.
  • Donald K. McKim and David F. Wright, Encyclopedia of the Reformed faith, 1992.
  • New Arabic Version (Ketab El Hayat). (Biblica, 2012).
  • James Orr, John L. Nuelsen, Edgar Y. Mullins, and Morris O. Evans, Eds., The International Standard Bible Encyclopaedia, 1915, 1–5.
  • Isidore Singer, Ed., The Jewish Encyclopedia: A Descriptive Record of the History, Religion, Literature, and Customs of the Jewish People from the Earliest Times to the Present Day, 12 Volumes, 1901–1906.
  • John D. Barry, David Bomar, Derek R. Brown, Rachel Klippenstein, Douglas Mangum, Carrie Sinclair Wolcott, Lazarus Wentz, Elliot Ritzema, and Wendy Widder, Eds., The Lexham Bible Dictionary, 2016.
  • Legacy Standard Bible. (Three Sixteen Publishing, 2022).
  • Samuel Macauley Jackson, Ed., The new Schaff-Herzog encyclopedia of religious knowledge, 1908–1914.
  • F. L. Cross and Elizabeth A. Livingstone, Eds., The Oxford dictionary of the Christian Church, 2005.
  • ج. و. كروكن، علم اللاهوت: الكتاب المقدس وسلطانه.. الجزء الثالث، الجزء الخامس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مركز المطبوعات المسيحية، 2008–2018).
  • د. هيرمان بافينك، بين العقل والإيمان: كيف نفهم إعلان الله؟ الجزء الأول. ترجمة د. عبد المسيح أسطفانوس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مركز المطبوعات المسيحية، 2008–2018).
  • بماذا يُفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، واين جرودم. مطبوعات إيجلز، ٢٠٠٢.
  • القس بسام مدني، وحي الكتاب المقدس. (الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، مطبوعات ساعة الإصلاح، مركز المطبوعات المسيحية، ١٩٨٠).

التعليقات

اترك رد