مقدمة: لماذا يحتاج الموضوع إلى دراسة متأنية ومنصفة؟
هل يحدث الاختطاف قبل الضيقة أم بعدها؟ وما تفسير الألف سنة المذكورة في سفر الرؤيا؟ على الرغم من أهمية هذين السؤالين، لا يبدأ الخلاف حول التدبيرية منهما، بل من سؤال أسبق وأوسع: كيف نقرأ الكتاب المقدس بوصفه قصة واحدة للخلاص الذي أعدّه الله، مع أنه كُتب في عصور متعددة، وفي ظل عهود وإدارات تاريخية متعاقبة؟ ومن هذا السؤال تتفرع القضايا المرتبطة بالكتاب المقدس كله: كيف ترتبط وعود العهد القديم بإتمامها في العهد الجديد؟ ما العلاقة بين إسرائيل والكنيسة؟ ماذا يعني أن المسيح هو نسل إبراهيم وابن داود والهيكل الحقيقي؟ وهل يوسّع العهد الجديد مدلول الأرض والمدينة والملكوت، أم يضيف تطبيقات روحية إلى وعود ستتحقق لاحقًا بصورتها القومية والجغرافية الأولى؟
لهذا لا يصح اختزال التدبيرية في خرائط زمنية لنهاية الأزمنة؛ فهي نظام لقراءة تاريخ الخلاص، أي أعمال الله المتتابعة لإعلان مجده وفداء شعبه عبر التاريخ، ويؤثر في فهم القارئ للعهدين والنبوة والكنيسة وإسرائيل والملكوت والناموس والخليقة الجديدة. وقد لا يستعمل المؤمن كلمة “التدبيرية”، لكنه قد يقرأ الكتاب من خلال افتراضاتها من غير أن ينتبه إلى ذلك.
ومع أهمية الموضوع، كثيرًا ما يدور النقاش حوله في مناخ غير صحي؛ فقد تُعرض التدبيرية كما لو كانت إنكارًا للإنجيل، مع أن كثيرًا من أصحابها مؤمنون أمناء يتمسكون بوحي الكتاب وكفاية عمل المسيح والخلاص بالنعمة ورجوع الرب بالجسد. وفي الاتجاه المقابل، قد يُتهم كل من لا يقبل التدبيرية بأنه يفرض على الكتاب المقدس قراءة رمزية تلغي معناه التاريخي، أو بأنه يلغي إسرائيل أو يستبدل كلام الله بمعانٍ غريبة عنه. والنتيجة أن القارئ يُدفع إلى الاختيار بين صورتين مشوهتين، بدلًا من أن يسمع أفضل حجة لدى كل طرف.
هذه الدراسة لا تهدف إلى محاكمة الأشخاص أو الطعن في إيمانهم. هدفها وصف النظام التدبيري وصفًا منصفًا، وبيان تنوعه التاريخي، وتقدير ما أصاب فيه، ثم فحص مواضع الخلاف في ضوء الكتاب المقدس كله. لذلك سنرجع عند التعريف إلى مصادر تدبيرية أو قريبة من التقليد التدبيري، وعند التقييم إلى مصادر كتابية ومُصلَحة ومقارنة. ولا يكفي أن ينسب الناقد رأيًا إلى خصمه؛ بل يجب أن يثبت النسبة من نص موثّق، ثم يناقش الحجة في أقوى صورها.
المنظور المُصلَح الذي تتبناه الدراسة
لا تعني عبارة “المنظور المُصلَح” موقفًا واحدًا من جميع تفاصيل الأخرويات. ففي التقليد المُصلَح لاألفيون، وما بعد ألفيين، وبعض ما قبل الألفيين التاريخيين. وقد اختلف مفسرون مُصلَحون في معنى عبارة “كل إسرائيل سيخلص” في رومية ١١: ٢٦، وفي مقدار الاهتداء اليهودي المتوقع قبل رجوع المسيح. لكنهم يلتقون عادة حول مبادئ أوسع:
- وحدة قصد الله الخلاصي في المسيح.
- وحدة شعب الله مع تعدد مراحل تاريخ العهد.
- مركزية المسيح في إتمام الوعود والأنماط والعهود.
- قراءة العهد القديم في سياقه التاريخي، ثم في ضوء اكتمال الإعلان في العهد الجديد.
- رفض وجود طريقين متوازيين للخلاص، أحدهما لليهود والآخر للأمم.
- انتظار رجوع المسيح بالجسد، والقيامة، والدينونة، والخليقة الجديدة.
ومن المهم ألا تتحول هذه المبادئ إلى شعارات. فقولنا إن المسيح يتمم العهد القديم لا يعفينا من شرح كيفية الإتمام. وقولنا إن الكنيسة شعب الله لا يبرر محو إسرائيل من القصة الكتابية أو تجاهل أسئلة رومية ٩–١١. كما أن رفض منح دولة معاصرة مكانة عهدية تلقائية لا يبرر معاداة اليهود، ولا إنكار كرامتهم، ولا إهمال الكرازة لهم. الوحدة في المسيح لا تمحو التاريخ، والتمييز التاريخي لا ينشئ طريق خلاص ثانٍ.
أطروحة الدراسة
أصابت التدبيرية في تأكيد أمانة الله، وأهمية السياق التاريخي، وضرورة مقاومة التأويل الرمزي غير المنضبط، وحقيقة رجوع المسيح والرجاء المستقبلي. لكنها، في صيغتيها الكلاسيكية والمعدلة، بالغت في جعل التمييز بين إسرائيل والكنيسة انقسامًا دائمًا داخل شعب الله، وربطت أمانة الله بضرورة عودة الوعود إلى صورتها القومية الأولى، حتى عندما يكشف العهد الجديد اتساعها وإتمامها في المسيح.
أما القراءة المُصلَحة التي تتبناها هذه الدراسة فترى أن لله خطة خلاص واحدة تتمحور حول المسيح وتبلغ كمالها فيه. لذلك لا تُلغى وعود العهد القديم، بل تتحقق في المسيح وتتسع بركاتها لتشمل شعبه من اليهود والأمم. ولا يختفي وعد الأرض، بل يبلغ غايته في الخليقة الجديدة؛ كما يبلغ الهيكل غايته في المسيح وفي شعبه الذي يسكن الله في وسطه. وهذا لا يعني استبعاد اليهود، بل دعوتهم مع الأمم إلى الخلاص نفسه بالإيمان، مع بقاء رجاء جاد في دخول عدد كبير منهم إلى الإيمان قبل النهاية.
حدود الدراسة
لا تقدّم الدراسة تفسيرًا تفصيليًا لكل نبوة، ولا تحاول حسم جميع الخلافات بين اللاألفية وما بعد الألفية وما قبل الألفية التاريخية. سيكون النظام التدبيري محور تركيزها: تعريفه وتطوره ومنهجه وتمييزه بين إسرائيل والكنيسة وطريقة فهمه للعهود والملكوت والاختطاف. وعندما تتعدد المواقف داخل التقليد التدبيري، سيُذكر ذلك صراحة، وستُعرض كل مدرسة من خلال ممثليها ومصادرها قبل تقويمها.
اترك رد