يزعم المعترض وجود تناقض في عدد رجال آرام الذين قتلهم داود، إذ يذكر صموئيل الثاني ١٠: ١٨ سبع مئة، بينما يذكر أخبار الأيام الأول ١٩: ١٨ سبعة آلاف.
صموئيل الثاني ١٠: ١٨ “وَهَرَبَ أَرَامُ مِنْ أَمَامِ إِسْرَائِيلَ، وَقَتَلَ دَاوُدُ مِنْ أَرَامَ سَبْعَ مِئَةِ مَرْكَبَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَضَرَبَ شُوبَكَ رَئِيسَ جَيْشِهِ فَمَاتَ هُنَاكَ.”
أخبار الأيام الأول ١٩: ١٨ “وَهَرَبَ أَرَامُ مِنْ أَمَامِ إِسْرَائِيلَ، وَقَتَلَ دَاوُدُ مِنْ أَرَامَ سَبْعَةَ آلاَفِ مَرْكَبَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ رَاجِل، وَقَتَلَ شُوبَكَ رَئِيسَ الْجَيْشِ.”
الرد
ينشأ الاعتراض من مغالطة الفروع، بالإضافة إلى مغالطة النطاق الدلالي لمعنى الكلمة. فالاختلاف بين العددين لا يعني بالضرورة أن النصين يقدمان رقمين متعارضين للفئة نفسها، إذ يمكن أن يتعلق أحد العددين بالوحدات المركبية بينما يتعلق الآخر بعدد الرجال المرتبطين بهذه الوحدات.
الصياغة في الأصل العبري تسمح بفهم التعبير على أنه متعلق بمركبات آرام أو برجال المركبات. وهذا أسلوب من الكناية، حيث يمكن أن يُذكر الشيء المرتبط بالأشخاص للدلالة على الأشخاص أنفسهم أو على الوحدة العسكرية المرتبطة به. فالمركبة لا تعمل بصورة مستقلة، بل ترتبط بقائدها وبمن يخدمون ضمن وحدتها.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يشير العدد سبع مئة في صموئيل الثاني ١٠: ١٨ إلى سبع مئة مركبة أو وحدة مركبية، بينما يشير العدد سبعة آلاف في أخبار الأيام الأول ١٩: ١٨ إلى الرجال المرتبطين بهذه الوحدات.
ولتوضيح الفكرة، إذا افترضنا أن عشرة رجال معينين لوحدة مركبية واحدة، فإن سبع مئة وحدة مركبية ترتبط بسبعة آلاف رجل. هذا المثال لا يهدف إلى إثبات أن كل مركبة كان يتبعها تاريخياً عشرة رجال تحديداً، بل إلى بيان أن عد الوحدات المركبية وعد جميع الأشخاص المرتبطين بها يمكن أن ينتجا عددين مختلفين دون أن يكون بينهما تناقض.
وهنا تظهر مغالطة الفروع، لأن الحديث عن سبع مئة وحدة لا ينفي وجود عدد أكبر من الرجال داخل تلك الوحدات أو المرتبطين بها. فالعدد الأصغر يمكن أن يصف الوحدات التي تتكون منها القوة العسكرية، بينما يصف العدد الأكبر الأشخاص المنتمين إلى تلك الوحدات.
ويتعزز هذا الفهم أيضاً عند النظر إلى الكلمة العبرية הֲרֹג، التي تُقرأ “هَرَّاج”. فالكلمة لا تُحصر في استعمال واحد فقط، بل يمكن أن تأتي في معنى القتل، كما يمكن أن تدخل في سياق الإهلاك أو القضاء على شيء بحسب السياق الذي ترد فيه.
ويظهر اتساع استعمال الكلمة הֲרֹג في مزمور ٧٨: ٤٧، حيث ترد في سياق إهلاك الكروم والأشجار. وهذا يبين أهمية عدم أخذ معنى واحد من النطاق الدلالي للكلمة ثم فرضه على جميع المواضع دون اعتبار للسياق.
وهنا تظهر مغالطة النطاق الدلالي لمعنى الكلمة: فوجود عدة استعمالات ممكنة للكلمة لا يعني أن القارئ يستطيع اختيار أحدها بصورة منفصلة عن السياق، كما لا يصح حصرها في معنى واحد ثم رفض أي استعمال آخر تسمح به اللغة والسياق.
وحتى في المصطلحات العسكرية المعاصرة يمكن الحديث عن “القضاء على” مركبة أو دبابة أو طائرة أو وحدة عسكرية، مع أن عدد الأشخاص المرتبطين بالهدف ليس هو عدد الأهداف نفسها. لذلك فإن وصف القضاء على سبع مئة مركبة أو وحدة مركبية لا يتعارض في ذاته مع مقتل سبعة آلاف رجل مرتبطين بهذه القوة.
إذن، لا يلزم من العددين وجود تناقض. فيمكن فهم صموئيل الثاني ١٠: ١٨ على أنه يحصي سبع مئة مركبة أو وحدة مركبية، بينما يقدم أخبار الأيام الأول ١٩: ١٨ عدد الرجال المرتبطين بهذه الوحدات. وبذلك يكون كل نص قد ركز على مستوى مختلف من الإحصاء دون أن ينفي الآخر.
قاد داود شعبه إلى انتصارات عسكرية كثيرة، لكن أعظم ما يرتبط باسمه في قصة الكتاب المقدس هو أن المخلص الموعود جاء من نسله. يسوع المسيح، ابن داود، لم يأت لكي يزيد عدد الانتصارات العسكرية، بل لكي يخلص الخطاة. فقد مات بديلاً عنهم وقام من بين الأموات، لكي يمنح كل من يؤمن به غفران الخطايا والمصالحة مع الله والحياة الأبدية بنعمته.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة الفروع
تحدث مغالطة الفروع عندما يُعامل ذكر جزء من مجموعة أو تفصيل من حدث ما بوصفه متناقضاً مع رواية أخرى تذكر المجموعة كاملة أو تفاصيل إضافية.
لكن ذكر الواحد لا ينفي وجود اثنين، وذكر شخص واحد من مجموعة لا يعني أنه كان الشخص الوحيد الموجود. فقول شخص: “لدي خمسة أصابع في يدي اليمنى” لا يتناقض مع قوله: “لدي عشرة أصابع”، لأن الأصابع الخمسة جزء من العدد الكامل.
وبالطريقة نفسها، عندما يذكر أحد كتّاب الأناجيل ملاكاً واحداً، بينما يذكر كاتب آخر ملاكين، لا ينشأ تناقض ما لم يقل الكاتب الأول صراحةً إن ملاكاً واحداً فقط كان موجوداً. فقد يركّز الكاتب على الملاك الذي تكلم أو قام بالدور الأبرز، من دون أن ينفي وجود ملاك آخر.
لذلك لا يكفي اختلاف مقدار التفاصيل لإثبات التناقض. فالتناقض الحقيقي يتطلب أن يثبت نص أمراً، وينفي نص آخر الأمر نفسه، في الوقت نفسه، وبالمعنى نفسه. أما ذكر جزء من الحدث في رواية وتفاصيل أوسع في رواية أخرى، فهو تكامل في الشهادة لا تعارض بينها.
مغالطة النطاق الدلالي لمعنى الكلمة
تحدث هذه المغالطة حين يقوم القارئ بتحديد جميع المعاني التي قد تحملها الكلمة ثم بعد ذلك يقوم باختيار المعنى الذي يتناسب مع التفسير الذي يتبنّاه، عوضاً عن السماح لسياق النص أن يقوم بتحديد معناها، علماً أن سياق النص هو ما يقوم بتحديد المعنى وليس تفضيلات القارئ.