يزعم المعترض وجود تناقض في عمر إبراهيم عندما غادر حاران، وذلك بالمقارنة بين تكوين ١٢: ٤ وأعمال ٧: ٢-٤ وتكوين ١١: ٢٦، ٣٢.
تكوين ١٢: ٤ “فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ.”
أعمال ٧: ٢-٤ “فَقَالَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ، اسْمعُوا! ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا.”
تكوين ١١: ٢٦ “وَعَاشَ تَارَحُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ.”
تكوين ١١: ٣٢ “وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ.”
الرد
ينشأ الاعتراض من عدم قراءة النصوص بتأنٍ، بالإضافة إلى مغالطة المفارقة التاريخية للمعنى. فتكوين ١٢: ٤ يصرح بوضوح بأن عمر إبراهيم كان خمساً وسبعين سنة عندما خرج من حاران، ولا يوجد في النصوص الأخرى المذكورة تصريح بأن عمره كان مختلفاً عن ذلك.
أما تكوين ١١: ٢٦ فيذكر أن تارح عاش سبعين سنة وولد أبرام وناحور وهاران، لكنه لا يصرح بأن أبرام وُلد تحديداً عندما كان تارح في السبعين، ولا يقول إن الأبناء الثلاثة وُلدوا في السنة نفسها. لذلك لا تقدم هذه الآية وحدها معلومات كافية لحساب عمر إبراهيم عند خروجه من حاران.
كذلك فإن تكوين ١١: ٣٢ يذكر أن تارح مات في حاران عن عمر مئتين وخمس سنوات، لكنه لا يحدد في هذه الآية عمر إبراهيم عند ذلك الحدث. ولذلك لا يقدم النص رقماً آخر يناقض تصريح تكوين ١٢: ٤.
وقد يكون الالتباس ناتجاً عن قراءة أعمال ٧: ٤. فالترجمة العربية ترد: “فخرج حينئذٍ من أرض الكلدانيين وسكن في حاران. ومن هناك نقله، بعدما مات أبوه، إلى هذه الأرض التي أنتم الآن ساكنون فيها”. أما القراءة الحرفية التي يستشهد بها المقال من النص اليوناني فهي: “لما خرج من أرض الكلدانيين سكن في حاران، ومن هناك بعد أن مات أبوه نقله إلى الأرض هذه التي فيها الآن أنتم تسكنون”.
إن موضع الالتباس يتعلق بالضمير المتصل في كلمة “نقله”، إذ يفهم النص على أن إبراهيم هو الذي نقل جثمان أبيه. وعلى هذا الأساس لا يلزم من العبارة أن انتقال إبراهيم إلى الأرض الموعودة حدث بعد وفاة تارح بالطريقة التي يفترضها المعترض.
إذن، النص الوحيد الذي يحدد عمر إبراهيم عند مغادرته حاران بصورة مباشرة هو تكوين ١٢: ٤، وهو خمس وسبعون سنة. أما العمر الآخر المفترض في الاعتراض فلا يرد تصريحاً في النصوص المذكورة، بل ينتج عن طريقة ربطها وتفسيرها.
اعتمد إبراهيم على وعد الله حتى عندما لم تكن كل تفاصيل الطريق واضحة أمامه. لم يكن أساس رجائه ما يستطيع أن يراه، بل أمانة الله الذي دعاه ووعده. والإنجيل يقدم أساساً أعظم للرجاء، لأن الله أظهر محبته في يسوع المسيح، الذي مات من أجل الخطاة وقام من الموت. لذلك يستطيع الإنسان أن يأتي إلى الله بثقة، لا بسبب صلاحه الشخصي، بل بسبب ما أكمله المسيح من أجله.
مرجع اللغة اليونانية – العهد الجديد، ترجمة بين السطور [يوناني – عربي]، الأب بولس الفغالي وأنطون عكر، الجامعة الأنطونية، الطبعة الأولى، ٢٠٠٣، ص ٥٩١.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة المفارقة التاريخيّة للمعنى
وتحدث حين يقول الشخص باستدعاء معنى حديث للكلمة واستخدامه في قراءة النص في حين أنّ الكلمة لم تحمل ذلك المعنى في الوقت الذي كتبت به. فمثلاً قد يلجأ أحد الأشخاص إلى الادعاء بأنَّ الكتاب المقدس يدَّعي بوجود كائنات حية خارج الأرض، بسبب وجود العديد من التشريعات الكتابية التي تتضمن تعليمات تتعلق بـ«الغرباء» (كما في سفر العدد ٩: ١٤، ١٥: ١٥). لكن المعنى المُراد من الكلمة هو غير الوطنيّين أي غير المقيمين في إسرائيل أو الأصليين، في حين أن تحوير المعنى ليشمل الغرباء بمعنى الكائنات الفضائية هو مغالطة (تحوير) للمعنى.