الملوك الأول ٤: ٣١ تقول بأنَّه كان “مَاحُولَ”، ولكن أخبار الأيام الأول ٢: ٦ تقول بأنَّه كان “زَارَحَ”، وأخبار الأيام الأول ٦: ٣٣، ١٥: ١٧ تقول “يُوئِيلَ”.
الملوك الأول ٤: ٣١ ”وَكَانَ أَحْكَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، مِنْ إِيثَانَ الأَزْرَاحِيِّ وَهَيْمَانَ وَكَلْكُولَ وَدَرْدَعَ بَنِي مَاحُولَ. وَكَانَ صِيتُهُ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ حَوَالَيْهِ.“
أخبار الأيام الأول ٦: ٢ ” وَبَنُو زَارَحَ: زِمْرِي وَأَيْثَانُ وَهَيْمَانُ وَكَلْكُولُ وَدَارَعُ. الْجَمِيعُ خَمْسَةٌ.“
أخبار الأيام الأول ٦: ٣٣ ”وَهؤُلاَءِ هُمُ الْقَائِمُونَ مَعَ بَنِيهِمْ. مِنْ بَنِي الْقَهَاتِيِّينَ: هَيْمَانُ الْمُغَنِّي ابْنُ يُوئِيلَ بْنِ صَمُوئِيلَ“
أخبار الأيام الأول ١٥: ١٧ ”فَأَوْقَفَ اللاَّوِيُّونَ هَيْمَانَ بْنَ يُوئِيلَ، وَمِنْ إِخْوَتِهِ آسَافَ بْنَ بَرَخْيَا، وَمِنْ بَنِي مَرَارِي إِخْوَتِهِمْ إِيثَانَ بْنَ قُوشِيَّا،“
لقد فشل المعترض في القيام بقراءة دقيقة للنص، إضافةً إلى استخدام نوع من المنطق المخادع.
فإن زَارَح كان والد هَيْمَان كما هو مذكور في سفر أخبار الأيام الأول ٢: ٦. وعلى ما يبدو أنه الشخص عينه المذكور في سفر الملوك الأول ٤: ٣١، حيث يتم ذكره مع إخوته (كَلْكُولُ وَدَارَعُ) على أنهم “بَنِي مَاحُولَ”.
وهنا قام المعترض بافتراض أن والد هَيْمَان هو مَاحُول؛ إن هذا أمر معقول وليس هناك تناقض في حال كان ذلك صحيحاً، إذ إنَّه في كثير من الأحيان يحمل بعض الأشخاص أكثر من اسم، كما رأينا في مواقع مختلفة، أي إن زَارَح قد يكون له اسم آخر وهو “مَاحُولَ”.
لكن الأمر الأكثر احتمالاً هو أن مَاحُولَ ليس اسماً علماً لشخص، حيث إن الكلمة العبرية “מָחוֹל والتي تُقرأ مَاحُول أو مَاخُول” وتعني “الرَّقص أو يرقص”، وفي تلك الحالة قد يكون كَلْكُولُ وَدَارَعُ قد دُعيا بطريقة مجازية “أبناء الرقص أو الأبناء الرّاقصين”، بطريقة مشابهة لوصف “بنات الغِناء” في سفر الجامعة ١٢: ٤.
أما بالنسبة لأخبار الأيام الأول ٦: ٣٣ فإن الآية تذكر هَيْمَان آخر، وكان اسم والده يُوئيل. ومن الواضح أنه يختلف عن هَيْمَان ابن زَارَح، حيث إن كلّاً منهما قد عاش في حقبة زمنية مختلفة عن الآخر.
هَيْمَان ابن زَارَح هو حفيد يهوذا، وبالتالي فإنه عاش قبل زمن الملك داود (أخبار الأيام الأول ٢: ٣-٦) ”بَنُو يَهُوذَا: عَيْرُ وَأُونَانُ وَشَيْلَةُ. وُلِدَ الثَّلاَثَةُ مِنْ بِنْتِ شُوعَ الْكَنْعَانِيَّةِ. وَكَانَ عَيْرُ بِكْرُ يَهُوذَا شِرِّيرًا فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ فَأَمَاتَهُ. وَثَامَارُ كَنَّتُهُ وَلَدَتْ لَهُ فَارَصَ وَزَارَحَ. كُلُّ بَنِي يَهُوذَا خَمْسَةٌ. اِبْنَا فَارَصَ: حَصْرُونُ وَحَامُولُ. وَبَنُو زَارَحَ: زِمْرِي وَأَيْثَانُ وَهَيْمَانُ وَكَلْكُولُ وَدَارَعُ. الْجَمِيعُ خَمْسَةٌ.“ أما هَيْمَان ابن يوئيل فكان حفيد صموئيل (أخبار الأيام الأول ٦: ٣٣)، وبالتالي فإنه قد عاصر الملك داود.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
المنطق المُخادِع
تحدث هذه المغالطة حين يقوم الناقد بقفزات غير منطقية بين المقدمات والنتائج، فيستنتج شيئاً لا يلزم بالضرورة مما قُدّم من معطيات.
فلنفترض مثلاً أن ناقداً ادّعى أن القول: “إن أجاج قد أُعدم” يتناقض مع القول: “إن لأجاج ذرّية، أي نسلاً”. هذا مثال على المنطق المُخادِع، أو على الاستنتاج غير اللازم؛ إذ لا يوجد أي مبرّر منطقي يمنع أن يكون أجاج قد أنجب بنين، ثم أُعدم بعد ذلك في وقت لاحق. فذريته لا تتلاشى لمجرّد موته.
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.