يقول الناقد إنَّ متى ٢٦: ٣٦، ٤٢؛ مرقس ١٤: ٣٥-٣٦ ولوقا ٢٢: ٤١-٤٢ تتناقض مع يوحنا ١٢: ٢٧.
”حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ:«اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ».“
متى ٢٦: ٣٦
”فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ».“
متى ٢٦: ٤٢
”ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ، وَكَانَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إِنْ أَمْكَنَ. وَقَالَ:«يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ».“
مرقس ١٤: ٣٥-٣٦
”وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ».“
لوقا ٢٢: ٤١-٤٢
”اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ“
يوحنا ١٢: ٢٧
الرد
لقد فشل المعترض في القيام بقراءة أمينة للنصوص. إن يسوع كان مستعدًا للموت لإتمام مشيئة أبيه، وهو ما يظهر في متى ٢٦: ٤٢. وقد سأل: ”إِنْ أَمْكَنَ“، وهذا يعني: إن كان هناك أي طريقة أُخرى لإتمام الخلاص، أي إن كان الآب يشاء أن يتجاوز يسوع الصليب (مرقس ١٤: ٣٥-٣٦؛ لوقا ٢٢: ٤١). لكن على اعتبار أن الصليب هو السبيل الوحيد للخلاص، فإن يسوع المسيح كان على كامل الاستعداد لإتمام الفداء من خلال الصليب. إن يوحنا ١٢: ٢٧ تؤكد هذا الأمر.
في رسالة العبرانيين ٥: ٧ نقرأ أن طلبات المسيح قد استُجيب لها:
”الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ،“
العبرانيين ٥: ٧
فإنه من الواضح أن يسوع لم يكن يطلب بشكل غير مشروط، وذلك لأنه قد صُلِب.
إن الخطأ في هذا الاعتراض يتعلق بشكل أساسي بطبيعة الطلب. فالطلب القطعي يختلف عن الطلب الشرطي. فالطلب الشرطي يأتي بصيغة “إذا كان (أ) إذا (ب)”، في حين إن الطلب القطعي يأتي بصيغة “(ب)”. ولكن إن كان الفرض في الطلب الشرطي، أي (أ)، غير صحيح، فإن الطلب (ب) لن يكون له قيمة، إذ إنَّ الشرط اللازم لم يتحقق. وفي الاعتراض الذي نناقشه فإن الشرط (أ) هو “إن كان الخلاص ممكنًا دون أن يُصلَب المسيح وإن كان ذلك موافقًا لمشيئة الله”، والطلب (ب) هو “أن ينجو من الصليب”.
إن المسيح قد امتلك غاية من الصلاة والطلب وفق هذه الصيغة. فعلى اعتبار أننا نعرف أن الله الآب يكرم الابن ويستجيب له، ونحن نعرف أنَّه فعل ذلك (العبرانيين ٥: ٧). فإن صلاة المسيح تُثبت أنَّ الخلاص ليس ممكنًا دون الصليب، وهذا الأمر مركزي في اللاهوت الكتابي المسيحي.
في الكثير من الاعتراضات يتجاهل النقاد أساسيات التعاليم المسيحية، وخاصة فيما يتعلق بالثالوث المقدس والطبيعتين اللاهوتية والناسوتية للمسيح. ويتناسون أن الكتاب المقدس ليس شذرات متفرقة، بل كتلة واحدة تقدم رسالة خلاص واحدة جوهرها هو الدم البريء المسفوك طوعًا على خشبة الصليب، والذي أُنبئ به منذ السقوط حين كلَّم الله الحية في عدن ووعد بالمُخلِّص الذي سيسحق رأسها.
إن المسيح أتى ليُصلب، وهو الإله المتجسد الذي اتخذ طبيعتنا وشابهنا في كل شيء عدا الخطيئة، إلا أنَّه ارتضى أن يُحسب لعنةً ليتمم الفداء لجميع الذين يؤمنون به.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.