يقول الناقد بوجود اختلاف في الإجراءات المرافقة للذبيحة التي يتم تقديمها في رؤوس الشهور بين سفر العدد ٢٨: ١١ وبين تلك التي يتم تقديمها في سفر حزقيال ٤٦: ٦.
وَفِي رُؤُوسِ شُهُورِكُمْ تُقَرِّبُونَ مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ: ثَوْرَيْنِ ابْنَيْ بَقَرٍ، وَكَبْشًا وَاحِدًا، وَسَبْعَةَ خِرَافٍ حَوْلِيَّةٍ صَحِيحَةٍ
العدد ٢٨: ١١
وَفِي يَوْمِ رَأْسِ الشَّهْرِ: ثَوْرٌ ابْنُ بَقَرٍ صَحِيحٌ وَسِتَّةُ حُمْلاَنٍ وَكَبْشٌ تَكُونُ صَحِيحَةً.
حزقيال ٤٦: ٦
الرد
لقد فشل الناقد في التمييز بين الأزمنة المُختلفة. فكيف يُمكن للأمر أن يُعتبر تناقضاً إن كان الرب الإله قد أقرَّ بوجوب اتّباع طقوس احتفالية معينة في أزمنة مُختلفة؟ إن الأحداث التي يصفها سفر حزقيال قد وقعت بعد ثمانية قرون من تلك الأحداث التي ترد في سفر العدد.
إن الشرائع الطقسية التي وُضِعَت على يد موسى في فترة الخروج وفي الأيام الأولى لأمة إسرائيل – أي قبل إنشاء الهيكل – كانت مُلزمةً لتلك الحقبة (ومن ضمنها تلك الشرائع المختصة بذبيحة رأس الشهر والموصوفة في سفر العدد ٢٨: ١١). ولكن إن شاء الله أن يقوم بإقرار شريعة طقسية مُختلفة في حقبة ملوك إسرائيل بعد إنشاء الهيكل فإن هذا الأمر هو من ضمن سلطانه كونه الإله صاحب السلطان المُطلق (وهذا ما حدث بالنسبة للشرائع الطقسية المختصة برأس الشهر والواردة في سفر حزقيال ٤٦: ٦).
وفق العهد الجديد الذي خُتم بدم يسوع المسيح المسفوك طوعاً على خشبة الصليب، فإن الذبائح الحيوانية لم تعد مطلوبة على الإطلاق وهذا ما يرد في كل من الرسالة إلى العبرانيين ١٠: ١١-١٢ وغلاطية ٤: ٩-١١.
١١ وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. ١٢ وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ،
العبرانيين ١٠: ١١-١٢
٩ وَأَمَّا الآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللهَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ، فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضًا إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ؟ ١٠ أَتَحْفَظُونَ أَيَّامًا وَشُهُورًا وَأَوْقَاتًا وَسِنِينَ؟ ١١ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثًا!
غلاطية ٤: ٩-١١
وبالتالي فإن الآيات التي قام الناقد بسردها تنقل شرائع طقسية أُعطيت في حُقبتين مُختلفتين اشتملتا على تغييرات كبيرة، وهذا الأمر لا يُقدِّمُ مُبَرِّراً للاعتقاد بوجود أيّ نوع من أنواع التناقض.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.