يعتقد الناقد بأنَّ الكتاب المقدس يُعلِّم بأنَّ الله هو إله مُحارب، وذلك في كلٍّ من الخروج ١٥: ٣ والمزمور ١٨: ٣٤؛ ١٤٤: ١، في حين أنَّه يتم تقديم ما يخالف ذلك، إذ يُقال إنَّه إله مسالم في كلٍّ من رسالة رومية ١٥: ٣٣؛ كورنثوس الأولى ١٤: ٣٣؛ تسالونيكي الثانية ٣: ١٦ والرسالة إلى العبرانيين ١٣: ٢٠.
الرَّبُّ رَجُلُ الْحَرْبِ. الرَّبُّ اسْمُهُ.
الخروج ١٥: ٣
الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ، فَتُحْنَى بِذِرَاعَيَّ قَوْسٌ مِنْ نُحَاسٍ.
المزمور ١٨: ٣٤
مُبَارَكٌ الرَّبُّ صَخْرَتِي، الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ وَأَصَابِعِي الْحَرْبَ.
المزمور ١٤٤: ١
إِلهُ السَّلاَمِ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ. آمِينَ.
رومية ١٥: ٣٣
لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ.
كورنثوس الأولى ١٤: ٣٣
وَرَبُّ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُعْطِيكُمُ السَّلاَمَ دَائِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. الرَّبُّ مَعَ جَمِيعِكُمْ.
تسالونيكي الثانية ٣: ١٦
وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ،
العبرانيين ١٣: ٢٠
الرد
إن هذا الاعتراض مبني على مغالطة التشعب (التقليص الخاطئ)، بالإضافة إلى فشل الناقد في التمييز بين الأزمنة المختلفة للأحداث. إن الرب الإله بسلطانه المطلق كان قد أعطى السلام في الأزمنة المناسبة للسلام، وحقيقة الأمر هي أنَّ السلام يتحقق فقط عندما يقوم جميع الأشخاص بطاعة الله ووصاياه. وفي المقابل، كان الله قد جلب الحروب والكوارث في الأزمنة الأُخرى، وبشكل خاص ضد أولئك الذين كانوا يتمردون عليه. هذا الأمر يظهر بشكل واضح من خلال التصريحات التي ترد في آيات مختلفة مثل إشعياء ٤٥: ٧؛ الجامعة ٧: ١٤؛ وإرميا ١٨: ٧–٩.
مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ.
إشعياء ٤٥: ٧
فِي يَوْمِ الْخَيْرِ كُنْ بِخَيْرٍ، وَفِي يَوْمِ الشَّرِّ اعْتَبِرْ. إِنَّ اللهَ جَعَلَ هذَا مَعَ ذَاكَ، لِكَيْلاَ يَجِدَ الإِنْسَانُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
الجامعة ٧: ١٤
٧ تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، ٨ فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. ٩ وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ،
إرميا ١٨: ٧–٩
لا بد من الإشارة إلى أنَّ الرب الإله لم يكن قد أعطى الحرب والسلام في وقت واحد ووفق ذات المعنى، وهو الأمر الذي سيكون مطلوباً لكي يتمَّ إثبات وجود تناقض بين الآيات. لذلك فإنَّه لا يوجد أيّ خطأ أو تناقض في أن يُوصَف الرب الإله بأنه إله مُحاربٌ (الخروج ١٥: ٣) وبأنَّه يُعلِّم يدَيِ الصِدِّيق القتال، وذلك لكي يزيل الأشرار أو يُعاقبهم (المزمور ١٨: ٣٤، ١٤٤: ١). وحين يحيا الشعب في طاعة لتعليماته ووصاياه فإنَّه يُسَرُّ بأن يمنحهم أوقاتاً يعمّها السلام (رومية ١٥: ٣٣؛ كورنثوس الأولى ١٤: ٣٣؛ تسالونيكي الثانية ٣: ١٦؛ والعبرانيين ١٣: ٢٠). إنَّ أيَّ ملك صالح سوف يفعل ذلك، والله بوصفه ملك الملوك فإنَّه يمتلك كامل السلطان بأن يفرض الحرب أو السلم في الأوقات المناسبة، دون أن ينطوي ذلك الأمر على أيِّ تناقض في صفاته، فهو إله السلام في أوقات السلام، وهو إله مُحارب وخاصّةً حين يأتي بدينونته على الأشرار والعُصاة.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة التشعّب
تُعرف مغالطة التشعّب أيضاً باسم مغالطة التقليص الخاطئ أو مغالطة “إمّا أو”. وتحدث عندما يتم حصر الاحتمالات في خيارين أو عدد محدود من الخيارات، مع وجود احتمال آخر لم يتم أخذه في الحسبان.
فمثلاً، إذا قيل: “إن الإشارة الضوئية للمرور إمّا أن تكون حمراء أو خضراء”، فهذه مغالطة تشعّب، لأن الإشارة قد تكون صفراء أيضاً. فالخطأ هنا هو تقديم خيارين كما لو أنهما يستنفدان جميع الاحتمالات الممكنة.
ومثال آخر: “إمّا أن يتبرر الإنسان بالأعمال أو بالإيمان”. فإذا كان المقصود أن هذين الاستخدامين لا يمكن أن يردا في سياقين مختلفين، فإن هذا يمثل تشعّباً خاطئاً؛ إذ يمكن أن يتحدث النص عن التبرير بالإيمان أمام الله، وعن إظهار صدق الإيمان بالأعمال أمام الناس، بحسب السياق الذي تُستخدم فيه العبارة.
اقرأ المزيد عن مغالطة التشعّب.
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.