إن ما يرد في متى ٢٠: ٢٣، ومرقس ٦: ٥ يشير إلى أنَّ سلطانه وقوته كانا محدودين، في حين أن ما يرد في متى ٢٨: ١٨ يشير إلى أنَّ قوَّته وسلطانه كانا مُطلَقَيْن.
فَقَالَ لَهُمَا: «أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِيني وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي».
متى ٢٠: ٢٣
وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلاَ قُوَّةً وَاحِدَةً، غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ.
مرقس ٦: ٥
فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً:«دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ،
متى ٢٨: ١٨
الرد
لقد وقع الناقد في مغالطة النطاق الدلالي، بالإضافة إلى الفشل في التحقق من اللغة الأصلية، وكذلك تجاوز السياق النصي للآيات.
وفق التقاليد العبرية، حين يكون من غير الملائم القيام بأمر ما، فإنَّه من المُعتاد القول “أنا لا أستطيع القيام بذلك”. وكمثال على ذلك نجد التكوين ١٩: ٢٢، و٣٧: ٤. ونحن نستخدم الأسلوب ذاته في اللغة العربية وكذلك في الإنجليزية.
أَسْرِعِ اهْرُبْ إِلَى هُنَاكَ لأَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا حَتَّى تَجِيءَ إِلَى هُنَاكَ». لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُ الْمَدِينَةِ «صُوغَرَ».
التكوين ١٩: ٢٢
فَلَمَّا رَأَى إِخْوَتُهُ أَنَّ أَبَاهُمْ أَحَبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ أَبْغَضُوهُ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُكَلِّمُوهُ بِسَلاَمٍ.
التكوين ٣٧: ٤
فلنتخيل رد أحد الأشخاص الذين يُعانون من صعوبات في هضم مشتقات الحليب (اللاكتوز) حين يتم تقديم كوزٍ من المثلجات. قد يكون ردّه كالتالي: “لا شكراً لك، أنا لا أستطيع أن أتناول مُشتقات الحليب”. هل يعني هذا النوع من الردود أن الشخص فاقد للمقدرة على الإمساك بكوز المُثلجات وقَضمِهِ ومن ثمَّ ابتلاع المُثلَّجات؟ بالطبع لا. إن ما يعنيه هذا النوع من الإجابات هو أنَّه من غير المُناسب له أن يقوم بذلك الأمر، وذلك يرجع إلى العواقب الصحية غير الحميدة التي قد يحملها ذلك الأمر.
بطريقة مشابهة لما سبق، حين “لم يَقدِر” يسوع على القيام بالمعجزات في قريته الأم (مرقس ٦: ٥)، لم يكن ذلك الأمر ناجماً عن عدم وجود المقدرة لديه؛ بل بالحَرِيّ، لم يكن من الملائم له أن يقوم بمباركة هؤلاء المُعاندين وغير المؤمنين (مرقس ٦: ٦).
وَتَعَجَّبَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ. ثُمَّ أَخَذَ يَطُوفُ بِالْقُرَى المُجَاوِرَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ.
مرقس ٦: ٦
كذلك كان الحال حين تقدم ابنا زبدي وأمهما إلى يسوع طالبين أمراً غير ملائم، وهو أن يجلسا عن يمينه وعن يساره في ملكوته (متى ٢٠: ٢١–٢٣). إن “عدم قدرة” يسوع على إعطائهما ذلك الأمر كان ناجماً عن طبيعته الخاطئة، وليس ناجماً عن عدم امتلاكه للسلطان والقدرة. إن يسوع كان قد امتلك كل سلطان مما في السماء وما على الأرض (متى ٢٨: ١٨). ولكنه، وبوصفه الإله المتجسد، فإنه كان عاجزاً عن إنكار ذاته (تيموثاوس الثانية ٢: ١٣).
٢١ فَقَالَ لَهَا:«مَاذَا تُرِيدِينَ؟» قَالَتْ لَهُ:«قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ». ٢٢ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ:«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟» قَالاَ لَهُ:«نَسْتَطِيعُ». ٢٣ فَقَالَ لَهُمَا: «أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِيني وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي».
متى ٢٠: ٢١–٢٣
إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ.
تيموثاوس الثانية ٢: ١٣
وبالتالي فإنَّه لم يكن من المُمكن ليسوع أن يقوم بتأدية أي عمل خاطئ. هذا الأمر لم يكن ناجماً عن عدم وجود القدرة أو السلطان، بل إنما هو ناجمٌ عن حقيقة اللاهوت الكامل ليسوع.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة النطاق الدلالي لمعنى الكلمة
تحدث هذه المغالطة حين يقوم القارئ بتحديد جميع المعاني التي قد تحملها الكلمة ثم بعد ذلك يقوم باختيار المعنى الذي يتناسب مع التفسير الذي يتبنّاه، عوضاً عن السماح لسياق النص أن يقوم بتحديد معناها، علماً أن سياق النص هو ما يقوم بتحديد المعنى وليس تفضيلات القارئ.
القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص
تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.