يعتقد الناقد بوجود تناقض بين متى ١٩: ١٧-١٩ ومرقس ١٠: ١٩ ولوقا ١٨: ٢٠، لأن كتّاب الأناجيل لا يوردون الوصايا التي ذكرها يسوع للشاب الغني بالترتيب نفسه، كما أن بعض التفاصيل تظهر في أحد الأناجيل دون الآخر.
فَأَجَابَهُ: «لِمَاذَا تَسْأَلُنِي عَنِ الصَّالِحِ؟ وَاحِدٌ هُوَ الصَّالِحُ. وَلكِنْ، إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ، فَاعْمَلْ بِالْوَصَايَا». فَسَأَلَ: «أَيَّةِ وَصَايَا؟» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «لا تَقْتُلْ؛ لَا تَزْنِ؛ لَا تَسْرِقْ؛ لَا تَشْهَدْ بِالزُّورِ؛ أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ؛ وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ.»
متى ١٩: ١٧-١٩
أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لَا تَقْتُلْ؛ لَا تَزْنِ؛ لَا تَسْرِقْ؛ لَا تَشْهَدْ بِالزُّورِ؛ لَا تَظْلِمْ؛ أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ!»
مرقس ١٠: ١٩
أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لَا تَزْنِ؛ لَا تَقْتُلْ؛ لَا تَسْرِقْ؛ لَا تَشْهَدْ بِالزُّورِ؛ أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ!»
لوقا ١٨: ٢٠
لا يوجد تناقض بين هذه الروايات. فالتناقض يتطلب أن يؤكد أحد النصوص أمراً ثم ينفيه نص آخر في المعنى نفسه والظروف نفسها. أما هنا، فلا يقول أي واحد من كتّاب الأناجيل إن يسوع ذكر هذه الوصايا وحدها، ولا إن ترتيبها الوارد في روايته يمثل ترتيباً كاملاً وملزماً لكل ما قاله يسوع في تلك المناسبة.
يتضح ذلك أيضاً من أن القوائم نفسها انتقائية. فمتى يذكر “وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ”، بينما يذكر مرقس “لَا تَظْلِمْ”، ولا يورد لوقا أياً من هاتين العبارتين في هذا الموضع. ومع ذلك، لا يقول أي من النصوص إن العبارات التي لم يذكرها لم يقلها يسوع. فالاختلاف في مقدار التفاصيل التي يسجلها كل كاتب لا يعني وجود تعارض بينها.
وهنا يمكن أن يظهر الاحتجاج من الصمت إذا بُني الاعتراض على افتراض أن عدم تسجيل أحد الأناجيل لعبارة معينة يُثبت أن يسوع لم يقلها. لكن عدم ذكر تفصيل في رواية مختصرة لا يساوي إنكاره. فالكاتب قد يختار من الحدث ما يخدم غرض روايته دون أن يكون ملزماً بتقديم نص حرفي كامل لكل ما قيل.
وَهُنَاكَ أُمُورٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ عَمِلَهَا يَسُوعُ، أَظُنُّ أَنَّهَا لَوْ دُوِّنَتْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً، لَمَا كَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ يَسَعُ مَا دُوِّنَ مِنْ كُتُبٍ!
يوحنا ٢١: ٢٥
ويؤكد يوحنا ٢١: ٢٥ المبدأ العام بأن الأناجيل لم تُكتب بوصفها سجلاً شاملاً لكل ما قاله يسوع وفعله. ولذلك فمن الطبيعي أن يختار كل كاتب بعض التفاصيل دون غيرها، تحت إرشاد الروح القدس، من غير أن يجعل ذلك الروايات متناقضة.
أما الاختلاف في ترتيب الوصايا، فلا يخلق تناقضاً أيضاً. فالنصوص لا تقول إن يسوع كان بصدد تعداد الوصايا العشر بحسب ترتيبها الرسمي، بل تذكر مجموعةً منها في سياق جوابه للشاب الغني. ولذلك لا يمكن بناء اعتراض على تحديد “الوصية السادسة” في هذا الحديث اعتماداً على ترتيب العبارات في كل إنجيل.
فالاختلاف بين متى ومرقس ولوقا هو اختلاف في اختيار التفاصيل وترتيب عرضها، لا اختلاف في مضمون الحدث. ولم ينفِ أحد الكتّاب ما أثبته الآخر، ولذلك لا يوجد في هذه الروايات تناقض.
الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض
مغالطة الاحتجاج من الصمت
تحدث مغالطة الاحتجاج من الصمت عندما يُعامل عدم ذكر نص أو مصدر لتفصيل معين بوصفه دليلاً على أن ذلك التفصيل لم يحدث أو لم يُقل.
لكن عدم الذكر لا يساوي النفي. فقد يختار الكاتب تسجيل بعض التفاصيل وإغفال تفاصيل أخرى بحسب غرضه وسياق كتابته، من دون أن يعني ذلك إنكار ما لم يذكره.
ويظهر هذا الخطأ بوضوح عندما توجد روايات متعددة للحدث نفسه، فيسجل أحدها تفصيلاً لا يورده الآخر، ثم يُفترض أن الرواية التي لم تذكر ذلك التفصيل تنفي حدوثه. هذا الاستنتاج لا يصح ما لم يصرح النص فعلاً بما يتعارض مع التفصيل المذكور.
لذلك يجب التمييز بين “عدم ذكر الأمر” و”إنكار الأمر”. فالتناقض يحتاج إلى إثبات ونفي للشيء نفسه وفي الظروف نفسها، أما مجرد اختلاف مقدار التفاصيل بين الروايات فلا يكفي لإثبات وجود تناقض.