الاعتراض ٣٢: هل عمر الإنسان ٧٠ إلى ٨٠ سنة أم ١٢٠ سنة؟

,

يزعم المعترض وجود تناقض في عدد سني حياة الإنسان: فهل هي سبعون إلى ثمانين سنة، كما يرد في مزمور ٩٠: ١٠، أم مئة وعشرون سنة، كما يرد في تكوين ٦: ٣؟

مزمور ٩٠: ١٠ “أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعًا فَنَطِيرُ.”

تكوين ٦: ٣ “فَقَالَ الرَّبُّ: لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.”

الرد

ينشأ الاعتراض من عدم قراءة النصين بدقة، لأنهما لا يتحدثان عن الأمر نفسه. يصف مزمور ٩٠: ١٠ العمر المعتاد للإنسان في زمن موسى بأنه سبعون سنة، وقد يبلغ ثمانين سنة مع القوة. لكنه لا يقدم حداً ثابتاً لعمر كل إنسان في جميع الأزمنة ومن دون استثناء.

أما تكوين ٦: ٣ فلا يتحدث، بحسب سياق الرد، عن متوسط عمر الإنسان. فالمئة والعشرون سنة تمثل المهلة التي بقيت أمام ذلك الجيل قبل مجيء الطوفان. لقد منح الله الناس وقتاً للتوبة قبل حلول الدينونة.

إذن، يتحدث المزمور عن المدى المعتاد لحياة الإنسان، بينما يتحدث التكوين عن مدة زمنية سبقت الطوفان. وبما أن الرقمين يصفان أمرين مختلفين، فلا يوجد بينهما تناقض.

جاء الطوفان بعد مهلة أعلنها الله، وكان الفلك وسيلة النجاة التي أعدها وسط الدينونة. وبصورة أعظم، يقدم الإنجيل يسوع المسيح بوصفه الملجأ الوحيد من دينونة الخطية. فقد مات المسيح عن الخطاة وقام من بين الأموات، وكل من يأتي إليه بالتوبة والإيمان يجد فيه الغفران والأمان والرجاء الأبدي.


الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض

القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص

تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.