الاعتراض ٦٧: من هم أبناء بنيامين؟

,

يقول المعترض بوجود تناقض بين سفر التكوين ٤٦: ٢١ وسفر العدد ٢٦: ٣٨-٤٠، وبينهما وبين أخبار الأيام الأول ٧: ٦ وأخبار الأيام الأول ٨: ١-٢.

تكوين ٤٦: ٢١ ” وَبَنُو بَنْيَامِينَ: بَالَعُ وَبَاكَرُ وَأَشْبِيلُ وَجِيرَا وَنَعْمَانُ وَإِيحِي وَرُوشُ وَمُفِّيمُ وَحُفِّيمُ وَأَرْدُ.“

العدد ٢٦: ٣٨-٤٠ ”بَنُو بَنْيَامِينَ حَسَبَ عَشَائِرِهِمْ: لِبَالَعَ عَشِيرَةُ الْبَالَعِيِّينَ. لأَشْبِيلَ عَشِيرَةُ الأَشْبِيلِيِّينَ. لأَحِيرَامَ عَشِيرَةُ الأَحِيرَامِيِّينَ. لِشَفُوفَامَ عَشِيرَةُ الشَّفُوفَامِيِّينَ. لِحُوفَامَ عَشِيرَةُ الْحُوفَامِيِّينَ. وَكَانَ ابْنَا بَالَعَ: أَرْدَ وَنُعْمَانَ. لأَرْدَ عَشِيرَةُ الأَرْدِيِّينَ، وَلِنُعْمَانَ عَشِيرَةُ النُّعْمَانِيِّينَ.“

أخبار الأيام الأول ٧: ٦ ”لِبَنْيَامِينَ: بَالَعُ وَبَاكَرُ وَيَدِيعَئِيلُ. ثَلاَثَةٌ.“

أخبار الأيام الأول ٨: ١-٢ ”وَبَنْيَامِينُ وَلَدَ: بَالَعَ بِكْرَهُ، وَأَشْبِيلَ الثَّانِي، وَأَخْرَخَ الثَّالِثَ، وَنُوحَةَ الرَّابعَ، وَرَافَا الْخَامِسَ.“

الرد

لقد ارتكب المعترض مغالطة الفروع بالإضافة إلى المنطق المخادع، إذ فشل في ملاحظة اختلاف طريقة تهجئة الأسماء.

يسجل التكوين ٤٦: ٢١ أسماء عشرة من أبناء بنيامين، بينما يسجل العدد ٢٦: ٣٨-٤٠ أسماء خمسة من الأبناء. ويوجد اختلاف في طريقة تهجئة ثلاثة من الأسماء، وهم: إيحي “אֵחִי” الذي أصبح أَحِيرَامَ “אֲחִירָם“، ومُفِّيمُ “מֻפִּים” الذي أصبح شَفُوفَامَ “שְׁפוּפָם“، وحُفِّيمُ “חֻפִּים” الذي أصبح حُوفَامَ “חוּפָם“. لكن هذا لا يُعتبر تناقضاً، إذ إن طريقة تهجئة العديد من الكلمات قد تغيّرت عبر الزمن.

إضافةً إلى ذلك، نتعرف من خلال سفر العدد ٢٦: ٤٠ أن “أَرْدَ” و”نُعْمَانَ” هما ابنا “بَالَعَ”، أي إنهما من أحفاد بنيامين. وبالتالي فإن هذين قد يكونان “أَرْدَ” و”نُعْمَانَ” المسجَّلين على أساس أنهما أبناء بنيامين في تكوين ٤٦: ٢١، حيث يجب أن نتذكر في هذا الموضع أن كلمة ابن في اللغة العبرية تشير إلى ابن مباشر أو حفيد أو أحد أفراد السلالة. كما يمكن أن يكون بالع قد أطلق على ابنيه اسمي اثنين من أعمامهما. وفي كلتا الحالتين لا يوجد أي تناقض.

ماذا عن الأسماء الثلاثة لأبناء بنيامين المسجلة في تكوين ٤٦: ٢١، وهي بَاكَر وَجِيرَا وَرُوش، التي لم ترد في العدد ٢٦؟ من المحتمل أنهم، جِيرا ورُوش على الأقل، قد ماتوا دون أن يتركوا سلالةً لهم. فسفر العدد ٢٦: ٣٨، كما نلاحظ، يقوم بتسجيل “أبناء بنيامين بحسب عشائرهم”، ومن الطبيعي أن الذين ماتوا دون أن يكون لهم ورثة لن تكون لهم شجرة عائلة يمكن تتبعها في وقت كتابة سفر العدد.

بالإضافة إلى ذلك، فإن باكر كان له عدد من الأبناء المسجلين في أخبار الأيام الأول ٧: ٨. وهؤلاء قد يكونون مُتبنَّين وليسوا من صلبه، الأمر الذي قد يفسّر سبب عدم ذكر شجرة عائلة له في سفر العدد (انظر كمثال الاعتراض ٦ والاعتراض ١٠٩). بأي حال، نرى أنه لا يوجد أي تناقض بين التكوين ٤٦: ٢١ والعدد ٢٦: ٣٨-٤٠؛ فليس أيٌّ من القائمتين يصرّح بأنها حصرية وتامّة.

أما في أخبار الأيام الأول ٧: ٦ و٨: ١-٢، فيوجد لدينا اختلاف إضافي في تهجئة بعض الأسماء، الأمر الذي حدث نتيجة تطور اللغة عبر الزمن: “أَحِيرَامَ אֲחִירָם” أصبح “أَخْرَخَ אַחְרַח“، و”أَشْبِيلَ אַשְׁבֵּל” أصبح “يَدِيعَئِيلُ יְדִיעֲאֵל“، و”رُوشُ רֹאשׁ” أصبح “رَافَا רָפָא“.

بالتالي، فإنه يوجد عدد من الأحفاد تم إدراجهم في سلسلة نسب ولم يتم إدراجهم في سلسلة أُخرى. لكن أين هو التناقض بين الآيات؟


الأخطاء المنطقية المستخدمة في الاعتراض

مغالطة الفروع

تحدث مغالطة الفروع عندما يُعامل ذكر جزء من مجموعة أو تفصيل من حدث ما بوصفه متناقضاً مع رواية أخرى تذكر المجموعة كاملة أو تفاصيل إضافية.

لكن ذكر الواحد لا ينفي وجود اثنين، وذكر شخص واحد من مجموعة لا يعني أنه كان الشخص الوحيد الموجود. فقول شخص: “لدي خمسة أصابع في يدي اليمنى” لا يتناقض مع قوله: “لدي عشرة أصابع”، لأن الأصابع الخمسة جزء من العدد الكامل.

وبالطريقة نفسها، عندما يذكر أحد كتّاب الأناجيل ملاكاً واحداً، بينما يذكر كاتب آخر ملاكين، لا ينشأ تناقض ما لم يقل الكاتب الأول صراحةً إن ملاكاً واحداً فقط كان موجوداً. فقد يركّز الكاتب على الملاك الذي تكلم أو قام بالدور الأبرز، من دون أن ينفي وجود ملاك آخر.

لذلك لا يكفي اختلاف مقدار التفاصيل لإثبات التناقض. فالتناقض الحقيقي يتطلب أن يثبت نص أمراً، وينفي نص آخر الأمر نفسه، في الوقت نفسه، وبالمعنى نفسه. أما ذكر جزء من الحدث في رواية وتفاصيل أوسع في رواية أخرى، فهو تكامل في الشهادة لا تعارض بينها.

القراءة غير الدقيقة والفشل في تحديد طبيعة النص

تحدث هذه المغالطة حين يقرأ الناقد النصوص قراءة سطحية، دون بذل جهد كافٍ لفهمها ضمن سياقها النصي والتاريخي والأدبي. وكثيراً ما يرتبط هذا الخطأ بالفشل في تحديد نوع النص أو أسلوبه الأدبي، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير غير منصف أو غير دقيق.
فالكتاب المقدس يحتوي على أساليب أدبية متعددة، منها: السرد التاريخي، كما في التكوين والخروج والملوك؛ والشعر، كما في المزامير ونشيد الأنشاد؛ والحكمة، كما في سفر الأمثال؛ والنبوءات، كما في حزقيال وسفر الرؤيا؛ والأمثال التعليمية، كما في أمثال المسيح في الأناجيل. لذلك لا يصح تفسير جميع هذه النصوص بالطريقة نفسها.
فالشعر، مثلاً، يستخدم الصور الأدبية والتعبيرات المجازية، بينما يُقرأ السرد التاريخي عادة بوصفه سرداً لأحداث واقعية. ومن عدم الأمانة للنص أن يُفسَّر النص الشعري كما لو كان سرداً تاريخياً حرفياً، أو أن يُفسَّر السرد التاريخي كما لو كان مجرد صورة شعرية.
فعلى سبيل المثال، حين يتساءل كاتب المزمور عن سبب عدم إجابة الله للصلاة، أو يستعمل تعبيراً مثل: “لماذا ينام الرب؟”، فلا ينبغي أن يُفهم لفظ “النوم” هنا بمعناه الحرفي، كما لو أن الله ينام فعلاً. فمثل هذا التفسير يتجاهل الطبيعة الشعرية والبلاغية للنص، ويفتقر إلى القراءة الواعية والأمينة.
وسنجد في عدد من الاعتراضات، كما في الاعتراض رقم ٤٠٠، أن الخطأ لا يقوم على وجود تناقض حقيقي أو حتى ظاهري، بل على قراءة متعجلة ومعزولة للنص. ففي مثل هذه الحالات، يبدو أن الناقد قد اقتطع النص من سياقه، ثم بنى عليه استنتاجاً لا يمكن للقارئ المتأني أن يصل إليه.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يقول شخص ما: “الكتاب المقدس يقول إنه ليس إله”، مستندًا إلى المزمور ١٤: ١. فهذا استنتاج مضلل؛ لأن سياق الآية يقول: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله”. فالآية لا تعلّم أنه لا يوجد إله، بل تنقل قول الجاهل لكي تدينه وتكشف فساده.
وعلى الرغم من وضوح مثل هذه الأمثلة، نجد عدداً من النقاد يقعون في هذا النوع من الأخطاء. بل إن بعض الاعتراضات لا يمكن وصفها بمجرد سوء فهم، لأن النص يكون واضحاً إلى درجة لا تسمح بوجود تناقض ظاهر أصلاً. وفي مثل هذه الحالات، يبدو الاعتراض أقرب إلى الخداع منه إلى النقد الجاد.
فبعض قوائم “تناقضات الكتاب المقدس” تعتمد على إبهار القارئ بكثرة الاعتراضات، لا على قوة الاعتراضات نفسها. وهي تفترض أن القارئ لن يراجع النصوص في سياقها، ولن يتحقق من نوعها الأدبي أو من طريقة استخدامها داخل السفر. وللأسف، يحدث هذا في كثير من الحالات، حيث يترك العدد الكبير من الاعتراضات انطباعاً مضللاً، مع أن كثيرًا منها ينهار بمجرد قراءة النص بتأنٍّ وانتباه.